herusalemcover.JPG (30056 bytes)الباب الأول:البطريركية الأورشليمية الأرثوذكسية


الفصل الثالث
الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسيّة الفلسطينية،
1917 -1882


مـقــدمــة
وجدت بطرسبورج نفسها في الربع الأخير من القرن التاسع عشر على هامش الأحداث في الشرق الأوسط· فقد اضرّت الحرب الروسية التركية بالعلائق بين البلدين، بينما احتلت بريطانيا مصر سنة 1882، وقويت مؤسساتها في فلسطين في عهد الأسقف غوبات، وازدهرت في عصره أيضاً الجمعيات الدينية الألمانية· وقام بين فرنسا والموارنة تعاون وثيق، ففتح الرهبان الفرنسيون المدارس والمستشفيات، وشُقّت الطرق وازدهرت التجارة في الساحل السوري· وتابع المنسنيور براكّو (1872 برنامج سلفه المنسنيور فاليركا في فتح الرعايا والمدارس اللاتينية في فلسطين والأردن· بينما لم يُفلح الروس "إلاّ في التنازع بينهم، واتجهت الملّة الأرثوذكسية نحو الانحطاط" (1).
فالأرثوذكس في فلسطين منقسمون: فهناك نزاع يوناني - روسي، ويوناني - عربي· بينما استقطبت الطوائف الكاثوليكية والبروتستنتية بمدارسها ومستشفياتها العائلات والشبيبة الأرثوذكسية· فيلاحَظ في منتصف القرن التاسع عشر ازدياد تدريجي وواضح في عدد مؤمني الكنيستين الكاثوليكية والبروتستنتية على حساب الكنيسة الأرثوذكسية، فهذه الظاهرة لفتت انتباه أولي الأمر في الكنيسة الأرثوذكسية، حيث لم يتصدوا لها بفاعلية واكتفوا بالتنديد بها· أما الارساليات الروسية المتعاقبة فقد حدّ من نشاطها وفاعليتها اتهام الإكليروس اليوناني لها بالتواطؤ مع المسيحيين العرب ضد اليونان، ووقعت هذه الإرساليات في متاهات مع السنودس الروسي ووزارة الخارجية الروسية واللجنة الفلسطينية والوكالة الفلسطينية والقنصلية الروسية في القدس· أي أنّ الوجود الروسي لم يكن مُنسّقاً، ولم تكن هناك جهة واحدة مسؤولة عن رعاية هذا الوجود· كما أدّت حرب القرم(1854 - 1856 ) والحرب الروسية التركية ( 1877 - 1878 ) إلى أن يبدأ الروس دوماً من جديد ببناء كيانهم ونفوذهم في فلسطين· ولكن ذلك لا يعني أن وضع الروس الكنسي والسياسي كان سيئاً للغاية، فقد تمّ شراء أوقاف عديدة، ورعت الإرسالية بعض المدارس وبُني مجمع المسكوبية في القدس· فما كان على روسيا إلا أن تضخّ دماً جديداً في مؤسساتها القائمة في فلسطين، وتُوحّد جهودها وفعالياتها وأهدافها في الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية التي أسّسها فاسيلي نيكولايفتش خيتروفو (Vasili Nikolaevich Khitrovo)· وللجمعية الفلسطينية عدة انجازات متنوعة، كتنظيم الحج الروسي إلى فلسطين والتنقيب عن الآثار ونشر الدراسات الفلسطينية ودعم الأرثوذكسية بفتح المدارس والخدمات الطبية··· وسنُلقي الضوء على ما يخصّ بالدرجة الأولى تاريخ البطريركية الأورشليمية الأرثوذكسية·

horizontal rule


1_ تأسيس الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية سنة 1882:
وفي سنة 1871 زار ختروفو سوريا وفلسطين أسوة بغيره من موظفي الحكومة الروسية، "فشاهد فيها إذْ ذاك حالة الزوار والأرثوذكسيين الوطنيين السيئة، فتحركت عواطفه التقوية واشفاقه عليهم ونوى أن يساعدهم على تأسيس جمعية خيرية" (2).
فكتب في مذكراته يصف وضع البطريركية الأورشليمية: "ليس هناك مدارس، أما الكنائس فالأفضل أن لا نتكلم عنها· والشغل الشاغل للإكليروس اليوناني جمع المزيد من المال ليمولوا مؤامراتهم التي تهدف أخيراً إلى الوصول للمنصب البطريركي"(3)· فرغبة ختروفو بإنشاء جميعة لم تكن بعد محددة المعالم واضحة الصورة، وإنما تعود جذورها إلى زيارته لفلسطين سنة 1871· ولم تساعد الظروف على إنجازها وتكوينها، ولذا لم تبرز الجمعية إلى حيّز الوجود حتى عام 1882 بسبب العلائق الروسية التركية السيئة في الحرب الروسية التركية، ولأنّ الوكالة الفلسطينية والإرسالية الروسية لم تقبلا بشريك ثالث يعمل في الأرض المقدسة معهما· فاتـّجه ختروفو إلى دراسة تاريخ الأرثوذكسية في الشرق وتتبع أخبار الأبرشية الأورشليمية وتطوّر أحداثها، وراسل انطونين كابوستين رئيس الإرسالية فنشأت بينهما صداقة حميمة، وغدت مكتبته الخاصة من أشهر المكتبات التي ضمّت دراسات وكتباً حول الكنيسة الشرقية (4).
زار ختروفو فلسطين مرة ثانية سنة 1880، وتوطّدت عرى الصداقة بينه وبين انطونين، وتبادل الصديقان الرأي حول إنشاء جميعة خاصة لفلسطين· ووجد ختروفو لدى عودته إلى روسيا من شجّعه على السير بمشروعه قدماً، ومن أشار عليه بالتريّث أو حتى اهمال المشروع· فغادر روسيا من جديد في زيارة استطلاعية جديدة إلى فلسطين في شباط 1881، ومكث في فلسطين تسعة أشهر· في هذه الأثناء وقعت أحداث جليلة في روسيا: إذ اغتيل القيصر الكسندر الثاني، وتسلّم الحكم ابنه الكسندر الثالث· وقام الغرندوق سرجيوس الكسندروفيش (Sergei Aleksandrovich)، وهو شقيق القيصر الجديد وبافيل الكسندروفيش (Pavel Aleksandrovich)بزيارة لفلسطين· وتوسّم ختروفو بهاتين الشخصيتين خيراً، ورأى فيهما نصيرين لجمعيته المقترحة، فقدم لهما وللقيصر نسخة عن تقرير مُطوّل أعدّه حول الأرثوذكسية في فلسطين· وهذه عادة متّبعه عند الحجاج الروس، أي إهداء كتاب أو تقرير إلى شخصيات بلادهم حين عودتهم من حجهم· وأهم ما جاء في التقرير، الذي هو على غرار تقرير منصوروف سنة 1858 ما يلي:(5) الأرثوذكس في حالة تخلّف وانحطاط موازنة بالكاثوليك والبروتستنت· فقد شكّل الأرثوذكس سنة 1840 90% من مجموع سكان فلسطين المسيحيين، وتراجعت هذه النسبة إلى 67% وعدد اللاتين والبروتستنت معا 13 ألف نسمة ولديهم 86 مدرسة، والأرثوذكس 26 ألف نسمة ولديهم مدرستان· والوجود الكاثوليكي والبروتستنتي ذو طبيعة قومية، فهناك مثلاً خمس جمعيات فرنسية كاثوليكية، وثلاث جمعيات ألمانية كاثوليكية· ودراسة هذه الجمعيات التي يتطرق ختروفو لذكرها مهمة، لأن منها اقتُِبسَت الخطوط العريضة للجمعية الفلسطينية، التي سيُطْرَح إنشاؤها· إذ إنها بطبيعتها وأهدافها ونظامها ضمّت أهم الخدمات التي تقدّمها الجمعيات البروتستنتية والكاثوليكية مجتمعة· ويعزو التقرير الوضع المتردي في الأماكن المقدسة إلى الإفلاس الروحي للإكليروس اليوناني، الذي من مظاهره غياب قيادة فاعلة واهمال الرعية العربية إلى حد يفوق الوصف· ويبرّر اليونان الوضع القائم بقلة موارد البطريركية، فحجز أوقاف البطريركية على أثر ازمة البطريرك كيرلّس افقد البطريركية ثلثي دخلها· سمح الروس بفك تجميد أموال البطريركية في روسيا في نهاية عصر البطريرك ايروثاوس (1875 - 1882 ) ويقدّر ختروفو الثلث الباقي بـ 223100 روبل من ريع الأوقاف وحسنات الحجاج، وهذا المبلغ في نظره كافٍ لسد حاجات البطريركية· فجوهر المشكلة يكمن في بُنية البطريركية الاجتماعية التي تنخرها التفرقة العرقية، والعرب هم ضحية هذه التفرقة على يد الإكليروس اليوناني، ولا شك في أنّ روسيا هي مُحررةِ العرب المظلومين· أما الحجاج الروس الذين انقطع توافدهم أثناء الحرب الروسية التركية واستمر بعدها، وبلغ عددهم في القدس سنة 1880 2000 نسمة، فهم عرضة لابتزاز الإكليروس والأدلاء اليونان، فعلى روسيا تنظيم سفرهم إلى القدس ورعايته، وتولّي شؤون حجهم وتوفير المساكن المريحة أثناء إقامتهم في الأرض المقدسة·
تمّ لقاء بين سرجيوس وختروفو على أثر عودته من فلسطين رسما خلاله الخطوط العريضة للجمعية، ورتّب سرجيوس مقابلة بين أخيه الامبراطور الكسندر الثالث وختروفو· وتمّت مراجعة قانون الجمعية في وزارة الخارجية والسنودس المقدس، وعرض القانون على الإمبراطور في 8 أيار 1882 فأدخـل علـيه بـعض الـتـعديلات، وأقرّه في 21 أيار 1882، على أن يكون سرجيوس رئيساً للجمعية· لم يشغل ختروفو منصباً رئيساً في البداية، بل كان عضواً في لجنة الجمعية الأرثوذكسية الفلسطينية الإدارية· وبوسعنا تعريف الجمعية التي مقرها بطرسبورج بأنها: منظمة خاصة تتمتع بالحماية الإمبراطورية، غير مسؤولة أمام وزارة الخارجية والسنودس الروسي، ولا تتلقى دعماً مادياً من الحكومة· أما شعار الجمعية فمقتبس من نبوءة أشعيا (فصل 62 : 1): >إنّي لأجل صهيون لا أسكت ولأجل أورشليم لا أهدأ<، ويدل الشعار على مكانة الأرض المقدسة لدى الروس ونيتهم على القيام بخطوة جديدة ستؤدي إلى رفعة الأرثوذكسية في فلسطين، كما يشير الشعار إلى طبيعة الجمعية ونظامها وأهدافها·

horizontal rule


2 - أهـداف الجـمعيـة الفــلسـطـينية وعـضويـتـهـا ومـيـزانـيـتـها:
للجـمعيـة ثـلاثـة أهـداف هي: "1) عضد الأرثوذكســية فـي الأرض المقدســة· 2) مساعدة الزوار الروسيين المسافرين إليها· 3) تأليف وطبع الأخبار عن الأرض المقدسة ونشرها بين الروسيين· والمقصدان الأخيران يرجعان في نتائجهما الأخيرة إلى المقصد الأول"(6).
ويتعلق المقصد الأول مباشرة بالوجود الأرثوذكسي في فلسطين، ولذا عملت الجمعية على تحقيقه بشتى الوسائل المتاحة: "لأنه لأجل رفع شأن الأرثوذكسية في فلسطين والنهوض بأبنائها من حالة الانحطاط الديني والأدبي شرعت الجمعية تهتم بسد احتياجاتهم الروحية والجسدية على قدر وسائطها المالية واستطاعتها المعنوية وما تسمح به القوانين السياسية والكنسية والظروف المحلية وما تراه مناسباً لصوالح الأرثوذكسية الجوهرية، وهذه هي الوسائل التي رأت الجمعية أن تبلغ بها مقصدها الأول: 1) إنشاء مدارس لأجل أن يتعلم ويتربى فيها الأحداث في روح الإيمان القويم ومساعدة المدارس الموجودة· 2) بناء كنائس جديدة وتجديد ومساعدة الموجود منها· 3) تقديم المساعدة الطبية لسكان الأرض المقدسة عموماً دون فرق في الجنس والمذهب"(7)· واعتمدت الجمعية لتحقيق أهدافها وتمويلها على تبرعات واشتراكات الأعضاء، "وكان عدد المؤسسين 41، بينهم أميران من العائلة المالكة وعدد من رجال العلم والأدب والحكومة ومن ذوي الوظائف العالية والأشراف والأغنياء"(8)· وكل هذه الشخصيات المؤسِّسة هم أعضاء شرف عملوا في مناصب لها صلة بفلسطين، ولكن استثنيت الشخصيات الحكومية الرسمية التي تورّطت في مواقف سياسية معينة أثناء الأزمات التي نشأت بين البطريركية الأورشليمية وروسيا، حفاظاً على طابع الجمعية الخيري غير الحكومي، ولكن على الرغم من ذلك قُبلت عضوية منصوروف رئيس الوكالة الفلسطينية(9)·
كانت العضوية في الجمعية على ثلاثة مستويات(10)؛ أولاً عضوية الشرف: وتضم بعض أفراد الأسرة المالكة والأدباء والكتاب والشخصيات الكنسية البارزة والأرستقراطية الروسية· ويحضر هؤلاء الاجتماعات العامة ويشغلون المناصب الرئيسة في الجمعية· ويدفع كل مشترك من هذه الفئة خمسة آلاف روبل اشتراكاً دائماً طوال الحياة· والعضوية الثانية هي العضوية النظامية: وعدد أفرادها 200 شخص، وتمنح هذه العضوية للراغبين فيها، بعد تنسيب عضوين نظاميين سابقين· ويدفع المشترك من هذه الفئة 25 روبل سنوياً كحد أدنى أو 500 روبل اشتراكاً دائماً· وأخيراً عضوية المناصرة: ويقدم من يرغب في هذه العضوية طلباً إلى مجلس الجمعية للنظر فيه، ويدفع اشتراكاً سنوياً 10 روبلات كحد أدنى أو 200 روبل اشتراكاً دائماً· ويحق لأعضاء هذه الفئة تقديم الاقتراحات في الجلسات العمومية وليس التصويت· ويُمنح العضو شهادة ووسام الجميعة حسب فئة عضويته·
على المتقدم لعضوية الجمعية أن يذكر بأي دائرة يرغب في الانتساب، إذ إن الجمعية قُسِّمت إلى ثلاث دوائر تمثل غايات الجمعية الثلاث وهي: دائرة الدراسات والمطبوعات ودائرة الحج ودائرة عضد الأرثوذكسية الشرقية· وترأس هذه الدوائر شخصيات لها باع طويل ومعرفة في طبيعة كل دائرة وعملها· فرئيس الدائرة الأولى ديمتري فوميش كوبيكو (Dimitri Fomich Kobeko) وهو مؤرخ وأديب· ورئيس الدائرة الثانية فيودور بتروفيش كورنيلوف (Feodor Petrovich Kornilov) وهو خبير في شؤون الحج · ورئيس الدائرة الثالثة، أي مسـاندة الأرثـوذكسـية في فلـسـطين، هو بيتر الكسيفيش فازيلشيكوف (Peter Alekseevich Vasilchikov)(11)· وتعقد الدوائر اجتماعاً كل شهرين، أما الاجتماع العام ويشترك فيه أعضاء الشرف والنظاميون فيعقد مرة في السنة، وقد تُعقد اجتماعات طارئة إذا دعت الضرورة· وتتكون الهيئة الإدارية من الرئيس ومساعديه ورؤساء الدوائر الثلاثة وثلاثة أعضاء منتخبين وأمين السر وأمين الصندوق· وأهم هذه المناصب الرئيس وأمين السر، وينتخبان لمدة أربع سنوات، وفي حالة تقدم أحد أفراد الأسرة المالكة لرئاسة الجمعية يُنتخب نائباً للرئيس· وأول رئيس للجمعية الغرندوق سرجيوس وهو من العائلة المالكة فلم يُنتخب، بل انتُخِبَ نائباً له هو ترسي ايفانوفيتش فيليبوف (Tertii Ivanovich Filippov)، وانتُخِبَ ختروفو مساعداً للرئيس· بهذه التشكيلات التي ضمّت نخبة المجتمع الروسي أُعلِنَ عن قيام الجمعية في 21 أيار 1882: جمعية فتية قوية تضم الشخصيات الروسية الخبيرة في شؤون الشرق الأرثوذكسي، ومصممة على رعاية الحج وتعريف الروس الجهلة بالعرب بأنهم >الإخوة الأرثوذكس الصغار<(12)، والعمل بكل الوسائل على دعمهم· وتحقّق المخطط الروسي على مراحل، طرأ في أثنائها بعض التعديل عليه في شكله ومضمونه·

horizontal rule

3- تطور الجمعية الفلسطينية وعلائقها بالبطريركية الأورشليمية:(13)
ينقسم تاريخ الجمعية إلى ثلاث مراحل هي:
أ) المرحلة الأولى من سنة 1882 إلى 1889:
بدأت الجمعية عملها بحماسة منقطعة النظير، ولكن التساؤلات أثيرت حول أهدافها الحقيقية في روسيا وفلسطين· ففي روسيا عدّها مؤيدو الوكالة والإرسالية جسماً غريباً في الوجود الروسي في الشرق قد يُجهز عليهما، وخصوصاً أن الجمعية تتمتع برضى القيصر وحمايته· أما في فلسطين، فخصوم الجمعية الإكليروس اليوناني الذي نشأ لديه على مدى الثلاثين سنة الماضية شعور عدائي تجاه السلافيين(14)· كما لمس الفرنسيون الخطر على نفوذهم في الشرق، فالتقوا مع اليونان في عدائهم للروس، "لصدّ التقدّم القيصري في الأرض المقدسة"(15).
خلال السنوات السبع الأولى من عمرها، جهدت الجمعية في تنفيذ اهدافها المرسومة بحماسة، محافظة على استقلاليتها تجاه وزارة الخارجية والسنودس المقدس· ويمكن وصف إنجازاتها في السنوات الأولى بالفاعلية والتديّن والتفاؤل(16)· وانضمّ الإمبراطور نفسه إلى عضويتها وكذلك الإمبراطورة، فغدا عدد أعضاء الشرف 43 عضواً، وعُدّل نظامها الذي يسمح كحد أعلى بخمسين عضو شرف إلى مائة، وأصبح مجمل عدد أعضائها سنة 1887، 873 عضواً· وانتشرت أخبار الجمعية وإنجازاتها في فلسطين بالكُتيبات والنشرات وبأحاديث الحجاج العائدين من فلسطين· وفي سنة 1885 قررت الجمعية فتح فروع لها في مختلف المدن الروسية المهمة· وأما ميزانية الجمعية فمصدرها الاشتراكات والتبرعات السخية، وسمح المجمع المقدس لأعضاء الجمعية بجمع تبرعات خاصة في سائر كنائس روسيا في عيد أحد النخيل، فعلى سبيل المقارنة، شكّل الألف روبل التي جمعها ختروفو ميزانية الجمعية المتواضعة في أيار 1882، أما في السنة المالية 1889 - 1890، فبلغت ميزانيتها 721730 روبل و 92 كوبك(17)· فموّلت الجمعية عدة حفريات أثرية في فلسطين تحت اشراف انطونين كابوستين· ونظّمت الحج إلى فلسطين وخفّضت أسعاره، وعقدت اتفاقيات لنقل الحجاج مع الجهات المعنية، وما أن يصل الحجاج إلى فلسطين حتى تتولى الوكالة الفلسطينية الإشراف عليهم· ولتلافي التنافس بين الوكالة والجمعية شغل الغرندوق سرجيوس منصب رئيس الوكالة سنة 1885· فكانت هذه الخطوة دليلاً على رغبة الحكومة في حل الوكالة ونقل مهامها للجمعية، وتمّ ذلك سنة 1889· فبدأت الجمعية في هذه السنة الحقبة الثانية من تاريخها· وقد صادف تأسيس الجمعية انتخاب نيقوذيموس بطريركاً، وعُرف نيقوذيموس بصداقته للروس، وتوقّع أن يقيم الروس جمعية تجمع الأموال لحساب البطريركية، أي بمعنى آخر جابية أموال للبطريركية· ويتوقع ختروفو (في رسالة إلى ليونيد سنة 1883)، أن صراعاً عاجلاً أم آجلاً سيحدث بينه وبين الإكليروس اليوناني(18)·

ب) المرحلة الثانية من سنة 1889 إلى 1900:
في غضون سبع سنوات غزت الجمعية الأوساط الشعبية والرسمية على حد سواء، للأثر الطيب الذي خلّفته بين الروس· فالإمبراطور الكسندر الثالث معجب بإنجازاتها، خاصة أنّ الجمعية شيّدت كنيسة مريم المجدلية في القدس ذكراً لوالدته سنة 1888، وفي نظره أن أفضل الطرق للعمل في الشرق من خلال الكنيسة· وأصغى الإمبراطور الى نصائح أخيه سرجيوس رئيس الجمعية، وبات أكيداً أن الجمعية هي الجهة الفضلى لتمثيل روسيا في الشرق الأرثوذكسي· من ناحية أخرى حافظت الجمعية على وحدتها وتماسكها، بينما وقع الشقاق والتنافس بين الإرسالية والوكالة، وكانت الإرسالية الخاسرة فيه، إذ إنّ الوكالة تتمتع بحماية وزارة الخارجية ودعمها، وأضحى كابوستين مجرداً من عدة مسؤوليات مارسها سابقاً، وانحصر عمله في إقامة الصلاة للحجاج الروس ومتابعة الحفريات الأثرية· ووفرت الجمعية مبالغ طائلة من المال على الحكومة، إذ إنها كانت تبيع تذكرة السفر للحاج ذهاباً وإياباً إلى فلسطين، وتحجز نصف التذكرة أي الإياب، فاذا أفلس الحاج في فلسطين قامت بتسفيره على نفقته وقد حجزت نصف تذكرته· بينما الوكالة لم تستخدم هذا الإسلوب، فكانت تشتري له التذكرة وتزوده بالمال على نفقة القنصلية الروسية لتعيده إلى بلاده، ولعلّ مجمل هذه الأسباب كان وراء صدور الإرادة الإمبراطورية في 24 آذار 1889 التي تتضمّن ما يلي:
- إضافة كلمة إمبراطورية إلى اسم الجمعية، فصارت تُدعى الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية·
- حل الوكالة الفلسطينية ونقل مهامها إلى الجمعية ·
وأهم الآثار التي نجمت عن الإرادة الإمبراطورية ما يلي(19).
- فقدت الجمعية شيئاً من صبغتها الخيرية الإنسانية، وغدت متأثرةً بنفوذ القياصرة وتتمتع بمزيد من رعايتهم، والدليل على ذلك إضافة كلمة "إمبراطورية" على اسم الجمعية·
- صار للإمبراطور حق تعيين نائب الرئيس وعضوين يمثلان السنودس ووزارة الخارجية·
- تخضع حسابات الجمعية لرقابة الدولة·
- تضاعف عدد الأعضاء المؤسسين أو أعضاء الشرف وأصبح 1000 عضو سنة 1889 - 1900 ، وكثير منهم من أنصار التيار السلافي القومي، كما تضاعفت ميزانية الجمعية وبلغت 995730 روبل·
وهكذا لم يعد من الممكن أن تتهرب الجمعية من تدخل السياسيين: فالإرسالية الروسية تتبع رسمياً للسنودس المقدس، والوكالة الفلسطينية تتبع للدائرة الآسيوية في وزارة الخارجية· وتدريجاً استولت الوكالة على معظم صلاحيات الإرسالية، ولما تمّ حل الوكالة تلقائياً ونُقِلَت مهامها إلى الجمعية، صار الحق لوكيل السنودس المقدس ووزير الخارجية ابداء الرأي في مشاريع وخطط الجمعية، لأنها في الواقع ضمت دائرتين، احداهما تتبع للسنودس والأخرى للخارجية· ولذلك أضحى للإمبراطور الحق في تعيين عضوين يمثلان السنودس والخارجية، فصار اذاً للدبلوماسية الروسية التقليدية صوت في مجلس الجمعية ورأي في شؤونها من خلال توسيع صلاحياتها، وهذه الصلاحيات الجديدة سيف ذو حدّين، فقد قويت الجمعية على صعيد الميزانية والأعضاء والمشاريع، ولكنها وقعت تحت سيطرة رجال السياسة·
"إن القرار الإمبراطوري (أي قرار 24 آذار 1889) الذي أسفر عن ضمّ الجمعية تحت جناحيه ما هو إلاّ خطوة أخرى عادية في سياسة القياصرة التقليدية، الذين قدموا أنفسهم كحُماة الأرثوذكسية في الشرق الأدنى، بهدف الوصول إلى مكاسب سياسية، وحلّل المراقبون الأجانب خطوة القيصر من هذا المنطلق، وأخذوا ينظرون إلى الجمعية على أنها مؤسسة دولة"(20)· فيصفها بول ديبليسان بأنها "رابطة سياسية من حيث رئاستها وأعضاؤها الرئيسيون، رابطة سياسية تتستر بالدين"(21)· أما الهدف الأخير لهذه الرابطة فهو سيطرة الروس على البطريركيتين الأورشليمية والأنطاكية، وطرد العنـاصر اليـونـانيـة الحاكمـة فيهما· وقـد أكدت ازمـة البطريركيـة الأنطـاكية ســنة 1898 - 1899 التي أسفرت عن تنصيب بطريرك عربي هذه المخاوف في نظر الإكليروس اليوناني والقوى العظمى الأوروبية· ورُبط بين سياسة الجمعية التعليمية وأهداف السياسة الروسية· وكان ردّ الإكليروس اليوناني عنيفاً، اذ قارن بين احداث البلقان سنة 1870 - 1872 وأحداث سوريا: "أ??ذوا يدعون الجمعية بجمعية فلسطين السلافية التوسعية (Panslavistic Palestine Society)، وأهدافها ليست دينية أو خيرية بل سياسية موجهة ضد اليونانيين"(22)· وتلتقي الجمعية في التسعينات من القرن الماضي حول عدة نقاط متشابهة مع الإرسالية في السبعينات: فكلتاهما دعمت العرب ضد اليونان، وكانت النتيجة مواجهة العنصر اليوناني للأرثوذكس المحليين· وقاد الإرسالية أغناتيف، وكانت الأزمة البلغارية واستقلال الكنيسة البلغارية وخلع كيرلّس، وقاد بالييف الجمعية الإمبراطورية الفلسطينية بامكاناتها الجبارة، واسفرت المواجهة بين الروس واليونان عن هزيمة اليونان وانتصار روسيا والعرب بتعريب البطريركية الأنطاكية وتنصيب أول بطريرك عربي عليها·
ولم تتلقّ الجمعية دعماً مالياً رسمياً من الحكومة حتى 1900، لكن اعتمدت على التبرعات واشتراكات الأعضاء· أمّا في عام 1900 فقد أخذت الحكومة تَمدّ يدَ المساعدة تارة تشجيعاً للجمعية ودعماً لمشاريعها، وتارة أخرى لتغطية عجز ميزانيتها، بسبب الأزمات الاقتصادية التي ألمّت بروسيا، فبدأ بذلك الطور الثالث من تاريخ الجمعية·
جـ) المرحلة الثالثة من سنة 1900 إلى 1914:
في أيار 1900 صرفت الحكومة منحة سنوية للجمعية تُقدّر بمبلغ 30 ألف روبل· فنجم عن هذا الدعم الأثر عينه الذي خلّفه قرار آذار 1889؛ فزاد عدد أعضاء الجمعية، وفتحت فروعاً جديدة، وصارت أشدّ التزاماً بسياسة الدولة· وفي سنة 1901 أقرض الإمبراطور الجمعية نصف مليون روبل من ميزانية وزارة الخارجية بلا فائدة، على أن تسدد بمعدل 30 ألف روبل سنويا(23)· ولكن عانت الجمعية انخفاض وارداتها أثناء الحرب الروسية اليابانية سنة 1905، وعوّضت الحكومة عجز ميزانيتها بالقروض والمنح· وهكذا موّلت الجمعية مشاريعها، وخصوصاً في سوريا بالتعاون مع القيادات العربية التي تسلمت بطريركية أنطاكيا، على الرغم من الأزمات الاقتصادية التي المّت بالاقتصاد الروسي قبيل الحرب العالمية الأولى·
توفي في هذه المرحلة الأخيرة من تاريخ الجمعية أربع من شخصياتها البارزة، فقد توفي ختروفو سنة 1903 الذي شغل منصب أمين سر الجمعية من سنة 1889 حتى وفاته· وعُين مكانه بالييف الذي توفي سنة 1906، وخلفه الكسي دميتريفسكي (Aleksei Dmitrievskii) إلى انحلال الجمعية سنة 1917· كما توفي الغرندوق سرجيوس رئيس الجمعية سنة 1905، وخلفته أرملته الغرندوقة اليزابيث فيودوروفنا (Elizabeth Feodorovna) حتى انحلال الجمعية سنة 1917·
وفي غضون ثلث قرن (1882 - 1914) حقّقت الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية حلماً روسياً قديماً، وهو رفع شأن الوجود الروسي سياسياً ودينياً في الشرق الأرثوذكسي· وأهم إنجازات الجمعية كان دعم العرب الأرثوذكس في وجه الإكليروس اليوناني، وقد حسب الروس أنفسهم ورثة القسطنطينية في دورها القيادي بين البطريركيات الأرثوذكسية· أمّا أهداف الجمعية المذكورة في قانونها الأساسي فقد تحققت أيضا وعلى أحسن وجه ألا وهي: عضد الأرثوذكسية المحلية وتعريف الشعب الروسي بالتراث المسيحي الشرقي وبالأماكن المقدسة وقيادة الحج الروسي الجماعي إلى الأماكن المقدسة·

horizontal rule


4 - مشاريع الجمعية الفلسطينية لعضد الأرثوذكسية في فلسطين:
"إن المدرسة في الشرق تخدم دوماً النفوذ السياسي والدعاية الدينية"(24)، بهذه العبارة يصف كاتب فرنسي مدارس الجمعية سنة 1900، وهذا الوصف سليم، ولا ينطبق فقط على المدارس الروسية، بل بوسعنا تعميمه على المدارس الفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية ··· قد يكون القائمون على المدارس وممولوها من المؤمنين المسيحيين الذين يفعلون ذلك بنية حسنة، أي تثقيف الشبيبة وتربيتها، ولكن الدبلوماسيين لا يرون ذلك، فلا أحد بوسعه إذاً أن يتبرأ من هذه التهمة التي يوجهها الكاتب الفرنسي للمدارس الروسية·
وشملت خدمات الجمعية الفلسطينية المدارس وبناء الكنائس والمستشفيات والعيادات الطبية·
أ - المدارس:
كان من الصعب على طفل أرثوذكسي عربي أن يجد مدرسة ابتدائية أرثوذكسية ليتعلم فيها! فكم بالأحرى مدرسة ثانوية أرثوذكسية، فرأى أرثوذكسيو فلسطين الخلاص على يد الجمعية الفلسطينية: "أخذت تتوارد منهم عليها الطلبيات من أجل فتح المدارس لهم وتجديد كنائسهم المتخربة أو بناء غيرها جديدة"(25)· والمدرسة الراعوية الأرثوذكسية في فلسطين ما هي إلاّ عبارة " عن مجموعة صغيرة من الطلاب يتجمعون حول كاهن الرعية، الذي هو نفسه بحاجة إلى أن يتعلم الكثير، ولا يقدم لطلابه إلاّ النزر اليسير عن الثقافة والتعليم"(26)·
أ - المدارس الروسية الأولى في فلسطين:
1) مدارس المجيدل والرامة وكفرياسين والشجرة:
فُتحت مدرسة المجيدل سنة 1882، وتمّ اختيار هذه القرية لمقاومة النشاط البروتستنتي القوي بالمنطقة· ومعلم المدرسة خوري الرعية وعدد طلابه أربعة· وفُتحت مدارس الرامة وكفرياسين والشجرة تباعاً سنة 1883 و 1884(27).
2) تعيين كزما مديراً لمدارس الجمعية:
تبيّن لختروفو أن الحماسة وحدها لا تكفي لإنشاء المدارس، فالحاجة ملحّة أولاً لمعلمين كِفَاء، فاستعان بالمربي الدمشقي الأرثوذكسي اسكندر كزما، وهو خريج اكاديمية موسكو الكنسية: "رأت الجمعية من الضرورة أن يكون لها في فلسطين وكيل لمراقبة مدارسها، وكنتُ (كزما) هذا الداعي لأجل جمع تلك الأخبار ومناظرة تلك المدارس وكان ذلك في حزيران 1883 أي بعد مرور سنة من إنشاء الجمعية"(28)· عُيّن كزما مشرفاً على مدارس الجمعية في فلسطين، ولكنّه اضطرّ إلى مغادرتها إلى بيروت، يقول: "ثم لما حضرت باشرت بما عهد إليّ فاعترضتني لسوء الحظ عند خطواتي الأولى صعوبات فلسطينية شديدة، فاضطررت بأمر الجمعية أن أتوقّف عن متابعة عملي وأترك فلسطين وأحضر إلى بيروت، حيث بقيت حتى زوال الشدة صارفاً الوقت في تدريس اللغة الروسية في المدارس الأرثوذكسية المحليّة، ونقل بعض الكتب التدريسية إلى العربية من الروسية اللازمة لمدارس الجمعية"(29)· وفي بيروت تدارس كزما وختروفو وضع مدارس الجمعية وضرورة تطويرها: "وكانت إقامتي في بيروت وتوقفي عن العمل فرصة مناسبة أمعنت الجمعية في اثنائها النظر فيما يتوجب عمله والتروي في الطرق الضامنة لها ثمرة هذا العمل، فاتصلت بالاعتقاد بضرورة اعداد المعلمين قبل فتح المدارس، التي لا تكون منها منفعة بدون معلمين مستعدين تخرجوا من مدرسة قانونية في روح الكنيسة الأرثوذكسية، لأن مثل هؤلاء المعلمين لم يكونوا حينئذ موجودين"(30)· طرح كزما اقتراحين: أن يتم اعداد المعلمين في روسيا أو فتح مدرسة في فلسطين لهذه الغاية· وتبنى ختروفو الاقتراح الثاني ورفعه إلى مجلس الجمعية فأقرّه· ويعلق كزما على ضرورة فتح مدرسة لإعداد المعلمين بقوله: "إنه لو أمكن الجمعية في ذلك الوقت أن تملىء كل فلسطين بالمدارس لكانت النفقة باطلة كما لو طُرحت في البحر وذلك لعدم كفاءة المعلمين"(31)· وعلى ضوء ما تقدم، اقفلت مدرستا الشجرة وكفر ياسين، وتقرر "الإسراع بإنشاء مدرسة للمعلمين قبل مدارس القرى الابتدائية وقررتُ أن يكون مركزها في الناصرة حيث عزمتُ أن نفتح مدرسة للبنات التي كانت الحاجة ماسة اليها جداً"(32)· أجرت الجمعية الاتصالات الضرورية لفتح المدرستين وحصلت على موافقة البطريركية، "وصـدر الإذن البطريركـي حينئذ بالمدرسـتين في تحرير واحـد بتـاريخ 13 تموز سنة 1885 على اسم سمو الغرندوق رئيس الجمعية"(33)·
3 - مدرسة المعلمين في الناصرة / المدرسة الداخلية:
اختارت الجمعية الناصرة، "لوجود دار للزوار الروسيين فيها تكون أغلب السنة فارغة، وضعف الظروف الفلسطينية المعاكسة في الجليل عموماً وفيها خصوصاً، وتوسطها بين المجيدل والرامة حيث توجد مدارس الجمعية"(34)· وابتدأت الدراسة في أيلول 1886 في بيت مستأجر، وهيئة المدرسة برئاسة كزما ومعلم يُدعى نقولا أبو الطبيخ وستة تلاميذ داخليين انضمّ إليهم فيما بعد ستة تلاميذ خارجيين ، "صار قبولهم فيما بعد فحصهم في القراءة العربية والقواعد الأربع الحسابية والخط··· وجُعلت مدة الدراسة القانونية أربع سنوات مقسومة إلى نصفين، والعلوم التي دخلت في لائحتها الأولية كانت التعليم المسيحي والعربية الروسية واليونانية والافرنسية والحساب والجغرافيا والتاريخ والترتيل الكنسي والخط الروسي والعربي"(35)·
ولم تبنَ عمارة خاصة للمدرسة كما تمنى ختروفو، بل ظلت في بيت مستأجر إلى أن نقلت سنة 1904 إلى نزل الحجاج الروس· وفي عام 1894 أُدخلت تعديلات على نظام المدرسة فصارت مدة الدراسة ست سنوات، وضمت الهيئة التدريسية خمسة معلمين روس وأربعة عرب، وجُعل تعليم الإنكليزية والتركية اختيارياً، أما الطلاب فقد حُتّم عليهم التخاطب بالروسية في أوقات معينة، وفرضت المدرسة على طلابها ارتداء الزي العربي الشعبي، بينما فرضت المدارس الأخرى على طلبتها ارتداء الزي الافرنجي· والتحق بالمدرسة حتى سنة 1906 مئة وسبعون تلميذاً، منهم خمسون تلميذاً لا يزالون يتعلمون فيها، أما المئة والعشرون الباقون فقد نال ثمانية وخمسون منهم الشهادة المدرسية وتعينّوا في مدارس الجمعية الابتدائية· وكان الخريجون ستة وخمسين فلسطينياً وأربعة سوريين· وبعثت الجمعية تسعة خريجين لإكمال دراستهم في روسيا·
كان مخائيل نعيمه الذي درس في الناصرة أربع سنوات (1902 - 1906 ) أحد الطلبة المبعوثين، يقول نعيمه: "لقد بدأ الحلم بالسفر إلى روسيا يساورني منذ سنتي الأولى في الناصرة إلاّ أنني ما كنت أجرؤ أن اتمادى فيه· فقد كان لي رفيق يزاحمني أشد المزاحمة على المرتبة الأولى في الصف· غير أنه كان ينقصه الخيال والذوق في الانشاء· في حين أني، والميل إلى الكتابة يغلب على جميع ميولي، كنت أجول في كل موضوع يفرض علينا جولات تثير اعجاب اساتذتي سواء بالعربية أو بالروسية· وأذكر أن المعلم >جبران فوتيه< أعطاني مرة علامة +5 في موضوع وصف الخريف· وهي علامة لم يسبق أن أُعطيت لأحد· لأنها فوق الممتاز· أجل· كنت أنام وأقوم والسفر إلى روسيا هو الأمنية الكبرى الكامنة في أعمق أعماق قلبي· إنه لفخر لي عظيم أن أكون المختار من بين رفاقي العشرين· وانها لفرصة لي نادرة أن أكتسب المزيد من العلم في بلاد أنجبت تولستوى· ولكن ··· هل يتحقق الحلم"(36)·
وتحقّق حلم نعيمه في السنة الرابعة من دراسته في الناصرة: "وأخيراً انتهت الامتحانات وفرغ المعلمون من تصحيحها ومن وضع المعدلات السنوية· وبات الكل يترقب إعلان الحدث العظيم ولم يطل أن دعانا الرئيس إلى الاجتماع في الردهة الكبرى حيث اصطفّ الطلاب في جانب والأساتذة في جانب· واذا به يدعوني إلى الوقوف أمامه· ثم يضع يده على كتفي وبكلمات هادئة أبوية اخترقت مني العظام، يعلن أن المدرسة مكافأة لي على اجتهادي وحسن سلوكي، قد اختارتني لمتابعة الدروس في روسيا ··· لقد تحقق الحلم· وكان تحقيقه >حدثا عظيماً< في حياتي"(37)· ودرس نعيمه في سمنير بولتافا ست سنوات (1906 - 1911 )
4 ) مدرسة الناصرة الخارجية النموذجية:
زار الغرندوق سرجيوس الناصرة سنة 1888، فالتمست منه الطائفة الأرثوذكسية فتح مدرسة خارجية للصبيان، "بسبب ضعف وانحلال المدرسة الموجودة عندهم في ذلك الوقت، فوعدهم سموه بالنظر في طلبهم، ثم لما وصل إلى روسيا بدأت بإيعاز منه المراسلة بين الجمعية والبطريرك، انتهت بأن الأخير سمح للجمعية بفتح المدرسة مشترطاً عليها أن تبني كنيسة في الرامة"(38)· وأوعزت الجمعية لكزما الاعداد لفتح المدرسة الذي تمّ في شباط 1889، "ويوم فتوح المدرسة كان عدد الأولاد اثنين والمعلمين ثلاثة، ولكن لم يمض بعد اسبوعان عليها حتى صار عدد الاولاد 160، عُرفت المدرسة الخارجية بالنموذجية لأن منذ عام 1890 أنهى الفوج الأول في المدرسة الداخلية علومه، فأنشىء لهم في المدرسة الخارجية قسم يمارسون فيه التعليم تحت إرشاد أحد معلمي الداخلية مؤلف من 54 تلميذاً مقسومين إلى ثلاثة صفوف· وهذا القسم صار يُعرَف بالمدرسة النموذجية، وصار أساساً للمدرسة النموذجية الخارجية الحالية"(39)·
5 ) مدرسة المعلمات في بيت جالا / الداخلية:
فتحت الإرسالية الروسية سنة 1858مدرسة صغيرة للبنات في القدس، وسنة 1886 سلّم انطونين المدرسة للجمعية: "ومن ذلك الحين صارت على نفقتها وتحت ادارتها، وصارت الجمعية تُعيّن لها الرئيسات من روسيا والمعلمات من سوريا وفلسطين"(40)· أدركت الجمعية أن ليس في الكنيسة الأرثوذكسية جمعيات رهبانية نسائية أسوة بالكنيسة الكاثوليكية أوجمعيات الشماسات البروتستنتية، فالراهبات والشماسات على استعداد للذهاب إلى أي مكان ليعملن به، وبما أنه من الصعب جداً التعاقد مع عدد كبير من المعلمات الروسيات للعمل في فلسطين، فلا بد من تأهيل معلمات عربيات للعمل يوماً ما في مدارس البنات التي تُديرها الجمعية، فتمّ تحويل مدرسة بيت جالا إلى مدرسة داخلية لإعداد المعلمات· وتمّ اختيار بيت جالا، "بالنظر لوجود أرض واسعة للروسيين في بيت جالا وفيها الدار التي بناها الأرشمندريت انطونيوس، تولت الجمعية أن تنتفع بهذه الأرض والدار للمدرسة الداخلية، وتنقل المدرسة الخارجية إلى محل مخصوص تبنيه لها، وهكذا بعد أن أُعدّ هذا المحل وكل ما يلزم لها من البنايات اللازمة، فتحتها في 21 ت1 سنة 1890، وعهدت إدارتها إلى رئيسة مدرسة بيت جالا الخارجية السيدة تراكونوف· وكان عدد التلميذات عند الفتوح عشرة، أما لائحة دروسها ومدة الدروس فيها ونظامها الداخلي فمثل الداخلية بالناصرة"(41)·
أغنت المدرسة الحياة الثقافية في فلسطين إذ كان تعليم البنات نادراً ومستهجناً· فأدخلت بذلك عادات اجتماعية جديدة في المجتمع الفلسطيني، إذ إن الطالبات اللواتي يتخرجن عن عمر 18 سنة ويلتزمن بالتعليم في مدارس الجمعية قد يبلغن سن 21 عاماً وهن عازبات، وهذا أمر مستهجن، فسن الزواج دون ذلك العمر بكثير، كما هي العادة في فلسطين(42)·
ب - ازدهار المدارس الروسية في سوريا وفلسطين وأثرها الثقافي والفكري:
بلغ عدد الطلاب في المدارس الروسية سنة 1889 770 طالباً، وأثبتت الجمعية نجاحها في مجال التعليم، فتوسعت الجمعية في فتح المدارس، "فاذا اعتبرنا حسب تقدير بعضهم أن أرثوذكسي فلسطين إلى تلك السنة (1892) 30 ألفا وعدّلنا عدد أولادهم من سن الدراسة بنحو 3000، فيكون قد بقي 1900 ولد يتعلمون في المدارس غير الأرثوذكسية"(43)· وحسب تقدير سويدان فإن عدد طلاب المدارس الروسية 1100 طالب· وفي سنة 1893 بلغ عدد المدارس أربع عشرة مدرسة، منها احدى عشرة في فلسطين وثلاث في بيروت· وبلغ عددها سنة 1895 ثلاث وعشرين مدرسة، منها ثلاث عشرة مدرسة في فلسطين واثنتا عشرة في سوريا· وسنة 1896 اتفقت الجمعية والبطريركية الأنطاكية على أن تتسلم سائر مدارسها· وبلغ انشاء المدارس أوجه سنة 1899، فقُسّمت إلى ثلاث دوائر: الجليل والقدس وسوريا· ففي دائرتي فلسطين ثلاث وعشرون مدرسة عدد طلابها 1574 طالباً، بمعدل سبعة وأربعين طالباً للمدرسة· وفي جنوب سوريا وبيروت ثلاثون مدرسة، عدد طلابها 3668 طالباً، بمعدل مئة واثنين وعشرين طالباً للمدرسة· وفي شمال سوريا اثنتا عشرة مدرسة، عدد طلابها 2948 طالباً، بمعدل 245 طالباً للمدرسة· وبحلول عام 1900 اشرفت الجمعية على ثمان وستين مدرسة عدد طلابها 9998 طالباً(44)· ويبدو أن إقبال السوريين على المدارس والتعليم كان أفضل من إقبال فلاحي فلسطين، وذلك ما لاحظه الروس وأشاروا اليه(45).
لم تعترف الحكومة العثمانية بالمدارس الروسية، ولذا فتحت الجمعية المدارس باسم البطريركية عادة· ولذلك قام ختروفو بزيارة للمنطقة، وأسفرت المفاوضات مع الأستانة عن اعترافها في 1 آذار 1902 بمدارس الجمعية السبع والثمانين· وكان الاعتراف حدث الساعة في روسيا وسوريا وفلسطين، وأُقيمت الاحتفالات والأعياد بهذه المناسبة·
إنّ افتتاح مدرسة في قرية سورية أو لبنانية أو فلسطينية لحدث فريد ينطبع في ذاكرة الأطفال، ويصف مخائيل نعيمه احداث فتح مدرسة في قريته بسكنتا في لبنان، فيقول:
" الموسكوفي - نسبة الى "موسكفا" أو موسكو - انقلبت في لغتنا الدارجة الى "مسكوبي"· وأصبحت بلاد الروس تعرف عندنا بـ "بلاد المِسْكُب"· جايي المِسْكُب يفتتح مدرسة بسكنتا! الله ينصرو "! انتشر الخبر في البلدة انتشار النور عند انبلاج الفجر· فاستقبلته الطائفة الأرثوذكسية بالتهليل والتكبير· ولا عجب· فقد كان من المسلّم به عند سكان لبنان في عهد المتصرفية أنّ روسيا هي الحامية التقليدية للروم، وفرنسا للموارنة، وبريطانيا للبروتستنت والدروز، وتركيا للمسلمين· إلاّ أن روسيا بزّت منافساتها بأنّها راحت تفتح للروم مدارس مجانية في كل من فلسطين وسوريا ولبنان، وبأن مدارسها كانت تنسق برامجها وادارتها على أحدث طراز· ولم تكن تشترط على الأرثوذكس في أي بلدة ترغب في أن تكون لها مدرسة روسية إلاّ أن يتبرعوا بتشييد بناء لائق بالمدرسة· أمّا المعلمون والكتب والدفاتر والحبر والأقلام والأثاث وتكاليف الادارة فجميعهم بالمجان·
وانبرى الروم في بسكنتا يتبرعون بسخاء· فمن لم يجد بماله جاد بعضلاته· وما هي إلاّ سنة وبعض سنة حتى تيسرت لهم بناية ضخمة مسقوفة بالقرميد، وقائمة على حافة ساقية تعربد افظع العربدة في الشتاء وتخرس منتهى الخرس في الصيف· وقد رتّبوا ساحة للعب أمام البناء وفصّلوه بحيث أن الدور السفلي منه كان قبواً يتسع لصف الصغار أو البستان· أما الدور العلوي فيتوسطه بهو فسيح تقوم عن جانبيه ست غرف واسعة للتدريس، ومرقمة من الواحد حتى الستة· كان ذلك في العام 1889· ولأول مرة في تاريخها عرفت بسكنتا ما يمكن أن يدعى مدرسة مثالية· ولأول مرة في تاريخها أقبلت بناتها على الدرس أسوة بأبنائها" (46)·
ولمس الطلاب عظمة روسيا وهيبتها من خلال مدرستهم: "لقد أخذتنا نشوة من الاعتزاز بمدرستنا الجديدة· اذ كنّا نشعر أن من ورائها دولة عظيمة تهابها الدول· وها هي صورة القيصر نقولا الثاني وصورة زوجته القيصرة الكسندرا في إطارين مذهبين تزينان صدر البهو الكبير"(47)· وللمدرسة الروسية حرمتها لا يجسر أحد على مسها، "ثم إننا كلما خرجنا إلى النزهة أو إلى الصلاة في الكنيسة خرجنا في صفوف طويلة منتظمة لم يكن أحد يجرؤ على اختراقها· وقد حدث مرة أن أحدهم - وكان معلماً في المدرسة المارونية - سوّلت له نفسه أن يخترق الصف، فما كان من تلاميذنا الكبار إلاّ أنْ ردّوه بالقوة على أعقابه بعد أن أشبعوه لكماً وركلاً"(48)· وللمدرسة أعيادها وأعظمها عيد روسي: "أما الحدث الأكبر في حياة المدرسة فكان عيد القديس نقولاوس - شفيع الامبراطور نقولا الثاني - في السادس من كانون الأول بالحساب الشرقي، ففي ذلك العيد كانت تقام الحفلات والزينات، ويُحرق الكثير من البارود، وتُطلق في الليل البالونات والأسهم النارية وينسى الناس أنفسهم من شدة الفرح، وأنهم يعيشون في ظل >الدولة العليا<، ولكن الروس كانوا أفطن من أن ينسوا ما ينساه الروم في بسكنتا، فقد كانت المدرسة تحتفل في كل سنة بعيد جلوس السلطان عبد الحميد"(49)·
يتحدث مخائيل نعيمه بحماسة ومحبة عن مدرسته الروسية في بسكنتا، وعن سمنير بولتافا في روسيا التي قضى فيها أحلى أيام شبابه، مما يؤكّد شعبية المدارس الروسية في الوسط العربي الأرثوذكسي·
شكّلت المدارس الروسية حلقة من حلقات الصراع اليوناني السلافي في الشرق، فقد تسرّب المؤمنون الأرثوذكس إلى الطوائف البروتستنتية والكاثوليكية سعياً وراء التعليم، ومسؤولية هذا التسرّب تقع على الإكليروس اليوناني الذي اهمل التعليم عن قصد، فعدم تثقيف العرب وإبقاؤهم على جهلهم هو الوسيلة المثالية لإخضاعهم للحكم اليوناني· من هذا المنطلق شجّع الروس التعليم الذي يربي الوعي القومي ويذكر بضرورة تحرُر العرب، ولذا كانت المدارس في نظر اليونان خطراً على نفوذهم(50)·
ولا تفوتنا الاشارة إلى أنّ مدارس الجمعية قد عانت ضعفاً في مستواها الأكاديمي، إذ افتقر الروس إلى خبرة الجمعيات الكاثوليكية والبروتستنتية المتخصصة، كرهبنة الفرير وجمعية المرسلين الكنسية· وقامت الجمعية بعدة محاولات لتوحيد مناهجها ورفع مستواها، وعيّنت لهذه الغاية مفتشاً روسياً عاماً للمدارس· ومن ناحية أخرى اختارت الطبقة الميسورة تعليم أبنائها في المدارس الفرنسية والإنكليزية التي تدرّس في منهجها الفرنسية والإنكليزية، والمدارس الروسية عادة مدارس ابتدائية، بينما الكاثوليكية والبروتستنتية فتحت أقساماً ثانوية في مدارسها، مما شجّع نخبة المجتمع على تدريس أبنائها فيها· وظهر صراع خفي بين القيّمين على المدارس الروسية، ففريق محافظ يفضل أن تكون مدارس الجمعية كالمدارس الروسية التقليدية، وفريق تقدمي عملي يصبو إلى أن تكون المدارس حديثة على غرار المدارس الإنكليزية والفرنسية، تُعلّم اللغات الاجنبية لتتمكن من المضاربة على المدارس الكاثوليكية والبروتستنتية، وجذب النخبة الميسورة والقيادية في المجتمع· كما عانت الجمعية مشكلة المعلم المؤهل، فبعثت الطلبة العرب إلى روسيا، ولكن كثيراً منهم تجنّس بالجنسية الروسية وفضّل العمل في روسيا· وشجّعت الجمعية قدوم المعلمين الروس ومنحتهم امتيازات تشجيعية، كأن يُعاملوا أسوة بضباط الجيش الروسي الذين يخدمون خارج بلادهم؛ على الرغم من هذه الحوافز عاد معظم المعلمين الروس إلى بلادهم بعد قضاء فترة وجيزة في خدمة الجمعية في الشرق· ومما أعاق العملية التربوية في مطلع القرن العشرين، الصراع الذي قام بين بعض قياديي الجمعية من رجال الكنيسة وممثلي وزارة الخارجية في الجمعية· فرجال الكنيسة أصرّوا على دور المدارس الديني ودعم العقائد الأرثوذكسية في قلوب الطلبة، بينما تصوّر موظفو وزارة الخارجية أن تكون المدارس منابر سياسية لتعبئة الرأي العام بجانب روسيا وخصوصاً في حربها مع اليابان (51)·
لا شكّ أنّ المدارس الروسية خدمت الثقافة العربية، وساهمت في نشؤ الفكر القومي العربي، على الرغم من التهم التي يوجهها اليونان والفرنسيون إلى حسن نية الروس في إنشاء المدارس وبعث الطلبة لإكمال دراساتهم في روسيا، فالروس لا يكتفون بمنح شهادة الدراسة الابتدائية للشباب السوريين ليعملوا في المدارس الابتدائية أو منحهم شهادة الطب من جامعاتهم، بل يقتضي أن يذهب الأرثوذكس المدعوون للكهنوت إلى روسيا لينهلوا من العلوم اللاهوتية في السمنيرات والأكاديميات الكنسية الروسية، لإحكام سيطرتهم على سوريا من خلال خريجيهم· وليس هؤلاء المبعوثون من الناس الطيبين من آباء العائلات الشرفاء الذين يرشحون كهنة لخدمة كنائس القرى، بل من الإكليروس القيادي، المُخطط له يوماً ما تسلّم المناصب الأسقفية ورعايا المدن الكبيرة، والذي تغذيه المعاهد الروسية بالفكر السلافي القومي ··· (52)·
ومن مشاهير خريجي المدارس والكليات الروسية الذين أغنوا الأدب العربي بالترجمات الروسية سليم قبعين، الذي هاجر بعد تخرجه في روسيا إلى مصر واختصّّ في ترجمة مؤلفات تولـستوي، ونـشر عـدة مقالات حول الأدب الروسي· وتـرجـم خـلـيـل إبراهيم بيداس لبوشكين وجوجول، وأصدر في القدس مجلة >النفائس< الشهرية المتخصصة في نشر ترجمات الكُتّاب الروس· وهاجر عدد من خريجي المدارس الروسية إلى أمريكيا، وهناك صهرتهم ووحدتهم الغربة والثقافة الروسية، فألفوا الروابط والجمعيات وأصدروا المجلات لتعريف المهاجرين العرب على الأدب الروسي، ومنهم عبد المسيح حداد ونسيب عريضة ومخائيل نعيمه· ويذكر الأخير شغفه بالأدب الروسي، يقول: "كنت كلما ازددت معرفة باللغة الروسية ازداد إقبالي على المطالعة فيها· فقد طالعت وأنا في الناصرة بعض روايات >جول فرن< مترجمة إلى الروسية· وطالعت بعض القصص لتشيخوف وتولستوي· وقرأت >الجريمة والعقاب< لدوستويفسكي حتى آخرها بالرغم من أنني لم أكن أفهم منها حتى نصف ما أقرأ· والقليل الذي طالعته، وإن فاتني الكثير من معانيه كان كافياً لإضرام نار الشوق في نفسي إلى التعمق في أصول اللغة الروسية وآدابها· وقد ساعدني في ذلك معلم الروسية وهو غير المعلم الروسي الذي ذكرت من قبل· لقد جاءنا هذا المعلم الجديد بعد دخولي الناصرة بقليل· وكان عربياً من حمص ومن الذين درسوا في روسيا، واسمه أنطون بلاّن· واني لأذكره دائماً بالخير ولأكثر من سبب" (53)· أحب نعيمه معلمه لوطنيته الصادقة التي الهب بها عواطف تلاميذه: "والأهم من ذلك أن المعلم أنطون كان أول من نبّه فينا الشعور الوطني· فقد كان يحدثنا كلما سنحت الفرصة عن البؤس الذي تعانيه بلادنا تحت النير التركي وعن استبداد عبد الحميد وجرائم البوسفور، والفساد المتفشّي في دوائر الدولة من السلطان حتى آخر مختار في آخر قرية· فلا بد للعرب، إذا هم شاءوا عيشاً فيه شيء من الاستقلال والكرامة، من أن يستردوا أرضهم وحرياتهم السليبة· وعلى المسلمين منهم أن يستردوا الخلافة المغتصبة، فالخلافة للعرب· ولا يجوز أن تنتقل إلى الأتراك والأعاجم، رحمة الله عليك يا انطون بلاّن"(54)·
ب - بناء الكنائس وترميمها:
تبنّت الجمعية الإمبراطورية بناء الكنائس وترميمها وتجهيزها بالأثاث المناسب من ميزانيتها الخاصة وتبرعات المحسنين والأغنياء الروس، فكانت الجمعية الواسطة لإيصال تبرعاتهم إلى فلسطين· والكنائس على نوعين: الكنائس الراعوية العربية، والكنائس الروسية التي بـُنيت لذكرى حدث ما أو لتكريم بعض وجهاء الروس، ككنيسة مريم المجدلية في القدس التي بنيت ذكرى لوالدة الإمبراطور الكسندر الثالث سنة 1888· وقد رحب الأهلون بالمساعدات الروسية لبناء كنائسهم، بينما تعثر التنسيق مع البطريركية: "إنّ أمر ترميم وتجديد الكنائس قامت فيه ضد الجمعية موانع شديدة صدتها عن هذا العمل بيد من حديد"(55)· ولذا فإنجازات الجمعية ظلت محدودة في هذا المجال·
جـ - الخدمات الطبية:
كان الآباء الفرنسيسيون أولّ من قدم خدمات طبية في القدس، وتلاهم المبشرون البروتستنت والجمعيات الكاثوليكية· والغاية من إنشاء مستشفى أو عيادة هي أولاً خدمة المرضى، وثانياً اطلاعهم على عقائد الكنيسة مالكة المستشفى أو العيادة، من خلال الاختلاط بالمواطنين والتقرب إليهم، ولهذا فإننا نرى الكنائس تتسابق إلى إنشاء مثل هذه المراكز، وخصوصاً أن الحكومة العثمانية لم تولِ هذه الخدمات الانسانية جُلّ اهتمامها· أما البطريركية الأرثوذكسية فلم تتوجه لمثل هذا النشاط، خاصة أن العيادات والمستشفيات تفتحها وترعاها عادة الجمعيات الرهبانية والخيرية غير الموجودة اصلاً في البطريركية الأرثوذكسية· فاقتصرت البطريركية على تقديم بعض الخدمات الطبية البسيطة مقارنة باللاتين والبروتستنت· فتحت عنوان >حال البطريركية الراهنة قبل الحرب العمومية الأولى<(56)، يذكر خوري أن للبطريركية مستشفى القدس الشريف، "وهوالذي أسّسه البطريرك كيرلّس واجزائيتان في القدس وبيت لحم"(57)· ولذا رأت الجمعية ضرورة اقتحام مجال جديد عليها وهو الطب، لتلافي النقص الحاصل في خدمات البطريركية، ولتقديم العناية الطبية لطلبة مدارسها، ولآلاف الحجاج الذين يزورون فلسطين سنوياً، ولحماية الأرثوذكس من الاغراءات التي تقدمها المراكز الطبية غير الأرثوذكسية:" وهذه الحاجة إلى المساعدة الطبية، قد رأت الجمعية أن المرسلين غير الأرثوذكسيين قد اتخذوا واسطة فعّالة لأجل اصطياد أبناء الكنيسة المقدسة وجذبهم إلى مذاهبهم، ولذلك ترى كثيرين من هؤلاء المرسلين يتعاطون معالجة الأمراض، لا بل بعضهم لا يعطون المعالجة المقتضية للمريض قبل أن يسمع منهم موعظة دينية التي كثيراً يعرضُون فيها بتعليم ومعتقدات كنيستنا"(58)·
من هذا المنطلق فتحت الجمعية مستوصفاً في الناصرة سنة 1888: "رأت تلامذتها يتعالجون عند الاطباء المرسلين معرضين للاستماع إلى مواعظهم الذهبية"(59)· وافتُتِحَ المستوصف بفضل "الكونتس الغا بوتياتينا التي قدمت له مساعدتها الأدبية والمالية، إذ تبرعت بمبلغ وافر"(60)· وقدم المستوصف الخدمة الطبية الى 21877 مريضاً سنة 1906(61)· وللجمعية مستوصفات طبّية في بيت جالا وبيت لحم والقدس· ومجموع الحالات التي عالجتها مراكز الجمعية في سوريا وفلسطين سنة 1899 - 1900، 83743 حالة(62)· وأهم هذه المراكز مستشفى القدس الروسي، ومن غير المؤكد تاريخ افتتاحه، فهناك مصادر تذكر أنه افتتح سنة 1856، وأخرى سنة 1859، وربما سنة 1862· ويقع المستشفى خارج أسوار القدس في مجمع المسكوبية الذي أصبح فيما بعد نواة القدس الجديدة التي امتدت خارج الأسوار· ويتوفر في المستشفى سكن للطبيب والصيدلاني والممرضات ومختبر ومخزن للأدوات الطبية وغرفتان كبيرتان للمرضى، والمستشفى مجهز بأحدث المعدات الطبّية في ذلك العصر ويتسع لثلاثين مريضاً، ويعالج المستشفى الحجاج الروس ومن يأتيه من سكان المنطقة ما عدا اليهود· وفي عام 1872 بلغت سعة المستشفى ستين سريراً، وعام 1887، 57 سريراً، فازدهر المستشفى برعاية الجمعية الفلسطينية وصار آنذاك أكبر مستشفيات القدس، (الألماني 40 سريراً، الفرنسي 32 سريراً، الانكليزي 27 سريراً، واليوناني 24 سريراً، واليهودي - بيكور حوليم - 25 سريراً، واليهودي - روتشيلد 18 سريراً)· وحسب إحصائيات الكنيسة الروسية استضاف المستشفى سنة 1892 - 1893، 2905 مرضى، أدخل منهم للمعالجة السريرية 385 مريضاً، منهم 235 حاجاً روسياً و 45 عربياً، ومعدل البقاء في المستشفى 16 يوماً للمريض، وثلث الذين أدخلوا المستشفى للإقامة السريرية يعانون الملاريا والسل والديزنطاريا· ومجموع موظفي المستشفى 14 موظفاً روسياً ما عدا امرأتين عربيتين· وأنهى المستشفى أعماله في الحرب العالمية الأولى بانقطاع مجيء الحجاج الروس إلى فلسطين(63)·

horizontal rule


5 - الدراسات والأبحاث الفلسطينية والحج الجماعي الروسي الى الأماكن المقدسة بإشراف الجمعية الفلسطينية:
انضمّ إلى عضوية الجمعية منذ تأسيسها عدد من المؤرخين والعلماء والأدباء· وأخذ هؤلاء على عاتقهم تعريف الشعب الروسي بتاريخ فلسطين، فبحث المؤرخون والأدباء الروس بإشراف الجمعية وتشجيعها وتمويلها في تاريخ فلسطين القديم وفي التاريخ البيزنطي وتاريخ الكنائس وعلم الآثار· واشهر من عمل في حقل الدراسات الفلسطينية: اثناسيوس بابادوبولوس كيراميفس (Athanasios Papadopoulos Keramevs) وختروفو. ونشر الكُتّاب ابحاثهم في مجلة الجمعية >المجموعة الأرثوذكسية الفلسطينية<· (Pravoslavnago Palestinskago Obshchestva)()·(64). وأطلعت هذه النشرة وغيرها الشعب الروسي على انجازات الجمعية في فلسطين وأخبار الحجاج، فكانت خير وسيلة لتشجيع الحجيج الروسي إلى فلسطين الذي بدأ منذ زمن بعيد، ووصل أوجه في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين·
أشرفت الإرسالية الروسية واللجنة الفلسطينية ومن ثمّ الوكالة الفلسطينية على الحج الروسي إلى فلسطين· وعندما تأسست الجمعية اوكلت الحج رعايتها، مع أن الوكالة الفلسطينية ظلت الجهة الرسمية المسؤولة في فلسطين· وتولّت الجمعية تنظيم الحج من روسيا إلى فلسطين، وعقدت اتفاقيات مع شركات القطارات والبواخر لنقل الركاب بأجر زهيد· وفي سنة 1889 حلّ الإمبراطور الوكالة وأشرفت الجمعية على الحج بكل مراحله فازدهر في عصرها: "صار يمكن للزائر أن يسافر من بطرسبورج إلى نفس القدس ذهاباً وإياباً بأجرة تساوي خمسة ليرات إفرنسية ونصف تقريباً"(65)· ووضعت الجمعية نصب عينيها إضرام رغبة الروس في زيارة فلسطين وتحسين مستوى حياة الحجاج، ولذلك شرعت في تصليح فنادق الحجاج وبناء أخرى جديدة، ومضاعفة عدد الروس العاملين في القدس لخدمة الحجاج، وتكثيف الدعاية للحج من خلال الوعظ في الكنائس ومجلات الجمعية ونشراتها· وزار فلسطين سنة 1888 - 1889، 3000 حاج وسنة 1900، 6000 حاج(66)· وسنة 1910 زار فلسطين 15000 حاج منهم 9000 حاج روسي· وسنة 1913 زار فلسطين 12000 حاج(67)· وأغلب الحجاج من الفلاحين والنساء المُسنّات· ورافق الحجاج أدلاء من روسيا وآخرون من فلسطين· وينتمي بعض الحجاج إلى الطبقات الارستقراطية، كرجال الكنيسة والموظفين وأفراد العائلة المالكة وطلبة الأكاديميات الروسية الكنسية· وأعدّت الجمعية ترتيبات خاصة توفر الراحة لهذه الفئات في البواخر والفنادق· وزارت بعض مجموعات الحجاج جبل آثوس في بلاد اليونان ودير القديسة كاترينا في سيناء، ولكن معظم الحجاج اكتفوا بزيارة فلسطين· وللحج في فلسطين موسمان، الأول قُبيل عيد الميلاد إلى بدء الصوم الكبير والثاني من بدء الصوم حتى عيد الصعود· ويفضل أكثرية الحجاج الموسم الثاني لحضور الأعياد الفصحية في القدس، ويصل الوجود الروسي أوجه في فلسطين في عيد الفصح·
ورثت الجمعية من الوكالة فنادق وبيوتاً للحجاج تتسع لألف حاج، لذا قامت الجمعية بإنشاء فنادق وبيوت اضافية لاستقبال الأعداد المتزايدة منهم· فبنت بين عامي 1889 - 1900 نزلاً جديداً يتّسع لأربعمائة حاج خارج سور القدس، ونزلين للرجال والنساء بقرب كنيسة القيامة حيث تقوم هناك كنيسة روسية، ونزل لكبار شخصيات الروس ومكاتب الجمعية، وفي سنة 1895 شيدت نزلاً يتسع لتسعماية حاج، وسنة 1898 شيّدت نزلاً من الصفيح يتسع لمئة وثلاثين شخصاً، وسنة 1899 نزلاً خشبياً يتسع لألف حاج، وفي السنة المذكورة تمكنت الجمعية من استيعاب 2030 حاجاً، ولكنها واجهت سيلاً من الحجاج بلغ 5882 حاجاً، فاستضافت في مساكنها اكثر من طاقة استيعابها العادية(68)·
وقد نظّمت الجمعية الحج فحرمت الإكليروس اليوناني من استغلال الحجاج· وإنْ أراد أحد الحجاج تقديم مبلغ من المال للأماكن المقدسة فعليه تقديمه للجمعية، وهي تنفقه على الوجه المناسب وعلى الجهة التي تنال رضاها· وحتى طعام الحجاج كان تحت اشرافها، فبنت الجمعية قاعة طعام كبرى تقدم المأكولات الروسية والشاي الروسي، "فأبعدت بذلك الحجاج عن المطاعم اليونانية واليهودية المحلية"(69).
كما شيدت الجمعية الحمامات الخاصة بالحجاج وآبار المياه والمجاري، وخصوصاً أن القدس تعاني نقصاً في مياه الشرب· فزودت الحجاج من آبارها الخاصة بكمية المياه الضرورية تساوي ضعف ما تستهلكه القدس طوال العام(70)· وهنا لا بد من القاء نظرة على مجمل العقارات والأوقاف الروسية في فلسطين القديمة والجديدة:
أولا: بنايات القدس: كنيسة الثالوث الأقدس ودار القنصلاتو ودار لترجمانها ودار السفارة الروحية ومستشفى ودار الزوار ودار الزائرات (ويعرف هذا المجمع لدى أهل القدس بالمسكوبية)(71)، وكنيسة مريم المجدلية وكنيسة قرب القيامة تضم جزءاًَ من سور القدس القديم، وكنيسة ونزل للحجاج ودير على جبل الزيتون·
ثانيا: بنايات خارج القدس: بناية الناصرة للزوار ودار في حيفا ومدرسة الرامة للصبيان ومدرسة بيت جالا للبنات ودير عين كارم ونزل ودير في الخليل ونزل في بيت لحم ونزل في اريحا ونزل في الرامة(72)·
انبهر ارثوذكسيو فلسطين برؤية الحجاج الروس الأتقياء الودعاء، ودقّ اليونان وغيرهم من الطوائف والجمعيات الأجنبية في القدس والدول التي تقف من ورائهم ناقوس الخطر، وعدّوا الزحف الروسي السلمي خطراً على التوازن الطائفي والسياسي في فلسطين· ولعل خير وصف للحجاج الروس ما جاء في كتاب مخائيل نعيمه >سبعون<، وقد شاهدهم عن قرب في الناصرة، وانبهر لأعدادهم وتقواهم كغيره من مسيحيي سوريا وفلسطين:
"كنا نشاهدهم يأتون إلى الناصرة أفواجاً أفواجاً - بالمئات وبالألوف، وم??ياً على الأقدام، يأتون شباناً وشيباً - بلحى وبغير لحى - رجالاً ونساءً - وجلهم من الفلاحين· وكنا نُسر أن نتفرج عليهم في أزيائهم الغريبة وأكسيتهم الرثة، وقد تدلّت على أكتافهم أو فوق ظهورهم أباريق الشاي المصنوعة من التنك (الصفيح)، وبرزت في أيديهم عصي طوال يستعينون بها على المشي، وأن نسمعهم يتحدثون عن انطباعاتهم فلا يذكرون الله أو المسيح إلاّ تبركوا برسم الصليب على وجوههم وصدورهم، وإلاّ تمتموا بمنتهى الورع: يا ربنا يسوع ارحمنا! "وكنا نعتز بأن اولئك القوم من مذهبنا - من صميم الأرثوذكسية· وأنهم من بلادهم يعدّون بالملايين· واذاً فلسْنا قلة في الأرض· بل لنا شأننا· ولنا وزننا في هذه الدنيا وفي الآخرة·" وإنّ الذي كان يستهويني في اولئك الحجاج هو البساطة المتناهية البادية في وجوههم، ومظاهر التقوى في جميع حركاتهم· انهم أطفال كبار· والناظر اليهم يكاد لا يصدق أن البلاد التي انجبتهم انجبت عباقرتهم الذين ملأت اسماؤهم مسامع الدنيا· بل لعلها ما انجبت اولئك العباقرة إلاّ لأنها أنجبت ذلك الشعب"(73) ·
أما ديبليسان فيصف الحجاج الروس بقوله: إنّهم مؤمنون أتقياء وتأثيرهم في الحياة العامة أقلّ بكثير من تأثير الحجاج الأوروبيين، فهم فقراء لا يبتاعون شيئاً وينتقلون مشياً على الأقدام وخجلون صامتون ويمرّون بجانبك فلا تكاد تشعر بوجودهم، بينما يشعرك خمسون حاجاً فرنسياً بحيوية ونشاط في القدس أكثر من آلاف الحجاج الروس(74)· مع كل ذلك فالأعداد تُلفت الأنظار، فكفّة الروس راجحة في ميزان الحج لأعدادهم الهائلة التي تُغرق في البحر السلافي حجاج الشعوب الأخرى· واليونان الذين خسروا في معادلة الحج الروسي الجماعي تحت رقابة الجمعية الصارمة، دقّوا النفير في بلادهم لتشكيل مجموعات الحجيج· وجاءت النتيجة غير مشجعة ولم يتجاوب الشعب اليوناني مع صرخات ممثليه في القدس، وعلّق البطريرك ذاميانوس على هذه الظاهرة بقوله حسب ديبليسان: "الشعب اليوناني قدّم أقلّ عدد من الحجاج بين سائر الشعوب الأرثوذكسية"(75)·
وكانت آخر رحلات الحج إلى فلسطين سنة 1914 عشّية الحرب العالمية الأولى وكأنها >حجّة الوداع<! فروسيا المقدسة تودّع الأماكن المقدسة التي طالما أحبها الشعب الروسي·

خاتــمــة
عشّية الحرب الكونية كان الوجود الروسي في فلسطين في ذروة مجده: مدارس، مستشفيات، عيادات، فنادق وحجاج ··· ولكن الجمعية عانت ما عانته القيصرية من ضعف ووهن على أثر الحرب الروسية اليابانية وظهور الشيوعيين في روسيا· ودخلت روسيا الحرب بجانب الحلفاء ضد قوات المحور التي انضمّت إليه تركيا، فأعلنت تركيا العقارات الروسية ممتلكات عدو واستولت عليها· وفي الثورة البلشفية سنة 1917 تلاشت الإمبراطورية الروسية وتلاشت معها الجمعية الإمبراطورية، فأُعدم الإمبراطور وزوجته اليزابيث فيدوروفنا رئيسة الجمعية سنة 1918، وعثر بعض الأصدقاء الأوفياء على جثتها فنُقلت إلى الصين، في رحلة أشبه بقصة الأوديسا، ووصلت القدس سنة 1921· ودُفنت في إحدى الكنائس الروسية تتأمّل من مرقدها ما أنجزته أيدي أبناء روسيا المقدسة في الأماكن المقدسة·
وبعد الثورة البلشفية تابع بعض أعضاء الجمعية المخلصين إصدار >مجلّة الجمعية الأرثوذكسية الفلسطينية< بصفحات قليلة هزيلة، وظهر على غلافها اسم بتروجراد وليس بطرسبورج· وصار اسم الجمعية >الجمعية الأرثوذكسية الفلسطينية<، فسقطت كلمة >امبراطورية<· وصدر آخر عدد منها سنة 1926، وكُتِب عليه >الجمعية الروسية الفلسطينية<، فسقطت كلمة >أرثوذكسية<<(76)·
أجل لقد فقدت الأرثوذكسية أعظم شعوبها وحماتها في روسيا المقدسة وخسر العرب أعزّ اصدقائهم، ولكن إلى حين ، وصارت روسيا المقدسة أول وأكبر الدول الشيوعية الملحدة؛ وأضاع الفلسطينيون نصيرتهم في روسيا الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية، وقد بنى الفلسطينيون آمالهم على روسيا الأرثوذكسية واعتزوا بها: >كنا نعتز بأن أولئك القوم من مذهبنا - من صميم الأرثوذكسية: وأنهم في بلادهم يعدون بالملايين· وإذاً فلسْنا قلة في الأرض· بل لنا شأننا ولنا وزننا في الدنيا والآخرة<(77)·
وحتم على العرب الخوض في متاهات القضية العربية الأرثوذكسية وحدهم دون نصير في عهد البطريرك ذاميانوس، الذي عاصر تلاشي كيانين دوليين: السلطنة العثمانية والإمبراطورية الروسية، وشاهد جنود الجنرال اللنبي يحتلّون المدينة المقدسة ليقفوا حكماً بين العرب واليونان· وحاول التاج البريطاني أن يحكم بالعدل، إلاّ أنّ الإنكليز لم يكونوا بمستوى عواطف الروس وحنانهم نحو الأرثوذكسية والعرب·

الفهرست

غلاف الكتاب