herusalemcover.JPG (30056 bytes)الباب الأول:البطريركية الأورشليمية الأرثوذكسية


الفصل الرابع
القضية العربية الأرثوذكسيّة في عصر البطريرك ذاميانوس،
1897 - 1931

مـقـدمــة

اعتلى البطريرك ذاميانوس(1) العرش البطريركي الأورشليمي بعد وفاة البطريرك جراسيموس سنة 1897· ولد ذاميانوس سنة 1848، وانضّم إلى أخوية القبر المقدس سنة 1873، ومثّل البطريركية في عدّة مهام في الخارج، وفي سنة 1891 رُقّيَ إلى درجة رئيس أساقفة فيلادلفيا· وحكم ذاميانوس البطريركية مدة 34 سنة، حتى وفاته في 14 آب 1931· فتكون فترة حكمه من أطول فترات حكم البطاركة الأورشليميين، وهي أيضاً أكثر العصور اضطراباً: فقد عاصر ثورة تركيا الفتاة، ونهاية العصر العثماني، وعصر الانتداب البريطاني· وانعكست الأحداث السياسية على البطريركية الأورشليمية: فهبّ العرب الأرثوذكس يطالبون بحقوقهم الكنسية بعد تسلّم تركيا الفتاة الحكم في الأستانة، وجدّد العرب هذه المطالب في عصر الانتداب البريطاني· أما السنودس فخلع البطريرك في كل مرة اتجه إلى تلبية مطالب الأرثوذكس الوطنيين، أو خرج عن سياسة الأخوية التقليدية بما يخص الرعية العربية والمزارات المقدسة، التي عدّتها الأخوية مُلكاً للأمة اليونانية· والخلع سلاح فاعل لجأ اليه السنودس لردع البطاركة، واستُخدم في الماضي مع كيرلّس ونيقوذ يمس·
حتى الحرب العالمية الأولى تمتّع العرب بمساندة الروس في صراعهم مع اليونان، وبعد الحرب فقد العرب نصيرهم التقليدي، كما فقدت البطريركية الدعم المالي الذي قدمته الكنيسة والحجاج الروس، مما أدّى إلى تراكم الديون عليها وإرباك بطاركتها· ولا شك في أن تعريب البطريركية الانطاكية الذي تمّ بدعم روسي سنة 1899، كان مثالاً يحتذى في البطريركية الأورشليمية، وأمنية الوطنيين الأرثوذكسيين· ولعبت سلطة الانتداب البريطاني دور الحكم، أسوة بالسلطنة العثمانية في الخلافات بين السنودس والبطريرك، وبين اليونان والعرب، فكانت لجنة برترام الأولى سنة 1921، ولجنة برترام الثانية سنة 1925· واعتمد البطريرك في صراعه مع السنودس على ولاء الشعب الأرثوذكسي له، فتصدّى للرهبان ومنع خلع البطريرك مراراً· ولكن عند وقوع المجابهة بين الشعب الأرثوذكسي العربي من جهة واليونان من جهة أخرى، وقف البطريرك والرهبان في خندق واحد، وأضاعوا على الرعية فرصة استرجاع بعض حقوقها، وكثيراً ما كان يخسر العرب في نزاعهم مع اليونان أو يخرجون بمكاسب ثانوية·

horizontal rule


1 - القضية العربية الأرثوذكسية في ضوء إعلان الدستور العثماني سنة 1908:
ظهرت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر في السلطنة العثمانية عدة حركات تحرّر: كتركيا الفتاة والاتحاد العثماني والاتحاد والترقي ··· وضمّت هذه الحركات شخصيات من مختلف شعوب السلطنة العثمانية· طرحت هذه الحركات والجمعيات تصورات مختلفة لإصلاح الدولة العثمانية، التي وصلت الحضيض في عصر السلطان عبد الحميد (1876 - 1909)· فتفجّرت الثورة سنة 1908، "جاءت الإطاحة بالاستبداد الحميدي على يد قوة عسكرية حرصت على القيام بها جمعية الاتحاد والترقي· وفي يوليو 1908 استسلم عبد الحميد للثوار وأعلن إعادة دستور 1876 وإلغاء الرقابة والجاسوسية وإجراء الانتخابات لمجلس المبعوثان· وقوبل إعلان الدستور بابتهاج بالغ في كافة أنحاء الإمبراطورية" (2)· وأعلن أنور باشا في حماسة بالغة: "أصبحنا جميعاً إخواناً، لم يعد هناك بلغار أو يونانيون أو رومانيون أو يهود أو مسلمون، تحت السماء الزرقاء الواحدة كلنا متساوون نفخر بكوننا عثمانيين"(3)· فانتُخب مجلس المبعوثان، وعقد أول جلساته في 10 كانون الأول 1908· قاد حزب الاتحاد الحر والرجعيون من أنصار عبد الحميد ثورة مضادة في 13 نيسان 1809، كان وراءها عبد الحميد· فما أن بلغت أنباء الانقلاب إلى سالونيك، وهي مركز جمعية الاتحاد والترقي، حتى زحف محمود شوكت بقواته إلى العاصمة لحماية الدستور بالقوة، واجتمع مجلس المبعوثان في سان استيفانو وأعلن موافقته على خلع السلطان عبد الحميد على أساس فتوى من شيخ الإسلام، ونُصّب محمد الخامس سلطاناً، وصار أُلعوبة بيد الاتحاد والترقي حتى سنة 1913، وذلك عندما انتقلت السلطة إلى ايدي حكومة عسكرية ثُلاثية، ظلت تحكم حتى انهيار الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى·
أ - النهضة العربية الأرثوذكسية:
شكّلت مجمل الأحداث السياسية التي مرّ ذكرها الجو العام الذي عاش فيه العرب على أثر إعلان إحياء الدستور· ورأوا في الحرية التي يضمنها الدستور الأمل بعيش كريم في ظل الخلافة الإسلامية العثمانية· أما السبب المباشر للنهضة العربية الأرثوذكسية في فلسطين، فكانت المادة 111 من الدستور، الذي أُعلن في 11 تموز 1908، والتي تنص على ما يلي: " يترتب في كل قضاء مجلس لكل ملّة، تُنتخب أعضاؤه من أفراد تلك الملّة، ويكون من خصائصه النظر بمداخيل المسقفات والمستغلات والنقود الموقوفة، لكي تُصرف بحسب شروط واقفيها ومعاملتها القديمة، لمن له حق فيها وللخيرات والمبرات· والمناظرة أيضاً على صرف الأموال الموصى بها، حسبما هو محرر في وصية الموصي وعلى إدارة أموال الأيتام، وفقاً لنظامها الخصوصي، أما هذه المجالس فانها تعرف الحكومة المحلية ومجالس الولايات مرجعاً لها"(4)· فشكّل الأرثوذكس العرب مجلساً من أربعين عضواً، تنفيذاً لما جاء في المادة 111 من الدستور ، وقابل في 15 أيلول 1908 وفد منهم البطريرك، وقد بدا للوطنيين أن المادة 111 قابلة للتنفيذ في البطريركية· فلفت البطريرك انتباههم إلى نص المادة الذي يقول >وفقاً لنظامها الخصوصي<، وإن نظام البطريرك الخصوصي لا يسمح بتشكيل مثل هذا المجلس، واقترح البطريرك تشكيل لجنة مشتركة لبحث تطبيق المادة 111 · وعقدت اللجنة عدة اجتماعات قـدّم في أحـدها، 1 تشرين الأول 1908، أعضاء اللجنة العرب 18 طلباً اصلاحياً لمجمل شؤون البطريركية، ومن ضمن هذه الطلبات تنفيذ منشور البطريرك ايروثيوس المعروف بكتاب الدستور· وبعد مشاورات مُطوّلة، وافق البطريرك على تشكيل لجنة مختلطة للنظر في قضايا البطريركية، على أن تجتمع برئاسة ترجمان البطريركية· وكُوّنت اللجنة ولم تعقد أي اجتماع(5)· إلا أن خوري يفيد بأن الاتفاق تمّ على تكوين مجلس مختلط، ولكن السنودس ندم على ذلك ورفض تأليف المجلس(6)·
احتدم غيظ الوطنيين، فقدّموا عريضة للبطريرك بصيغة إنذار نهائي، وطالبوا بتشكيل المجلس المختلط، أسوة بكنيسة القسطنطينية وتنفيذ المادة 111· فرفض البطريرك طلبهم، فهدّدوه بأنهم سيقومون بمظاهرة في عيد مار يعقوب الواقع في 23 تشرين الأول، احتجاجاً على رفض مطالبهم واستبداد الرهبان· عقد السنودس جلسة وقدم بعض التنازلات للعرب، كأن يدفع ثلاثة آلاف ليرة للطائفة لدفع إيجار البيوت، وإضافة عضوين من المواطنين إلى نظارة المدارس، وانتخاب لجنة مشتركة للنظر في بعض قضايا البطريركية الثانوية· فرفض الوطنيون عرض السنودس، وعمّت الاحتجاجات والمظاهرات يافا وبيت لحم وأُغلقت الكنائس· فرفع البطريرك كتاباً إلى الصدر الأعظم كامل باشا شرح فيه حالة الدير الحرجة، وطلب تطبيق الامتيازات الممنوحة للبطريركية في الفرمانات العربية والعثمانية، وأشار إلى أن المادة 111 لا يمكن تطبيقها في فلسطين، لأن أوقاف الكنيسة ليست أوقافاً وطنية تخص الرعية العربية، بل أوقافاً عمومية من سائر الأرثوذكس في العالم· وأرسلت الأخوية وفداً إلى بطريرك القسطنطينية والإسكندرية لشرح طبيعة الأحداث في البطريركية·
ب) الانشقاق البطريركي، الخلاف بين السنودس والبطريرك وخلع البطريرك:
كان مجمل الأحداث التي مرّ ذكرها والصدام بين العنصراليوناني والعربي وراء عصيان السنودس وخلعه للبطريرك· أما السبب المباشر، فاختلف المؤرخون في تحديده: فخلع السنودس البطريرك لأنه تنازل عن ثلث مدخولات البطريركية لمجلس مختلط، وذلك في نظر الرهبان خيانة لقضيتهم(7)، وعدّه السنودس غير كفء للوقوف أمام تيار النهضة الوطنية، ووجد فيه ميلاً نحو الوطنيين لتكرار اجتماعاته مع أعيانهم(8)· ويقدّر قزاقيا أن البطريرك "لم يصغ إلى مطاليب الرهبان ولم يوافق على رغائبهم لئلا تضيع بذلك سلطته وحقوقه· ولذلك أقرّ الرهبان إسقاطه دون موافقة الشعب، وأجروا ذلك بدون مخابرة الشعب، كي لا يجعلوا للطائفة الوطنية حقاً في أن تتداخل بأمور البطريركية"(9)· أما برترام فيحدّد سبب الخلع بأن السنودس لم يكن راضياً عن الطريقة التي أدار بها البطريرك الأزمة(10)، فقرر إذاً السنودس ومن خلفه الرهبان خلعه· فسانده الشعب في محنته لئلا تضيع حقوقه، وتستفرد الأخوية بالبطريرك دون الشعب، أو بالشعب دون البطريرك· أما السنودس فوجد في بطريركي القسطنطينية والإسكندرية خير نصيرين، وهما الحريصان عل النفوذ الهلليني في البطريركيات الشرقية· فطاف أحد الأرشمندريتية على الرهبان في قلاياتهم في ليلة 13 كانون الأول 1908 وأفهمهم أن وجود البطريرك يشكّل خطراً عليهم، فأرسلوا إليه تحذيراً بأن يستقيل أو يخلعوه، فأبى الاستقالة· فعقد السنودس جلسة برئاسة البطريرك في اليوم التالي وعرض عليه الرهبان الاستقالة، فرفض توقيع محضر الجلسة، فاتخذ السنودس قراراً بخلعه، وكتب ميليتوس متكساكي (Meletios Mataxakis) قرار الخلع، وأبلغه الأرشمندريت كيلاذيون (Keladion) للبطريرك وأطلع متكساكي الحكومة عليه، وكان قرار الخلع وإعلانه للحكومة غير قائمين على قرار مجمعي صحيح موقع· وصادق البطريركان الإسكندري والقسطنطيني على قرار السنودس، الذي انتخب توبوتيريتيس (Topoteretes)، أي نائب بطريركي ميليتوس أسقف طبريا· وهدّدوا ذاميانوس إذا لم يستجب لقرار الخلع بأنه سيواجه ما هو أشد من ذلك، وهو قرار الإفراز والقطع، أي تنزيل الرتب الكنسية عنه، فتشبّث ذاميانوس بمنصبه· ومن ناحية أخرى لم تعترف الحكومة بعد بالنائب البطريركي، أي ما زال ذاميانوس في نظرها هو البطريرك الشرعي· ثم اعترفت الحكومة في 21 كانون الثاني 1909 بالنائب البطريركي· ومعنى ذلك الاعتراف ضمناً بخلع ذاميانوس، فتصدّى الشعب للقرار وعمّت التظاهرات المدن الفلسطينية، التي اشترك فيها المسلمون والمسيحيون على حد سواء    ( 10 مكرر  ) .
قدّر الوطنيون بأن استفراد الأخوية بعزل البطريرك يُعدّ تعدياً على حقوقهم وهيمنة على مصائرهم· استأنف البطريرك الدعوة إلى الأستانة وطلب إرسال لجنة تحقيق، فكان له ذلك· وقابلت اللجنة الرهبان ووجهاء الطائفة الغاضبين لعزل البطريرك وذلك في 26 كانون الثاني 1909· فأمرت الحكومة بناء على توصية اللجنة بسفر البطريرك ومتكساكي رئيس كتبة المجمع وخريسوستوموس بابادوبولس رئيس مدارس البطريركية إلى الأستانة، فامتنع البطريرك ووافق الإثنان· فغادرا فلسطين تحت حماية العسكر العثماني، حفاظاً على حياتهما من الشعب الغاضب· وكان وفد يمُثل أرثوذكس فلسطين قد سافر إلى الأستانة لمقابلة المسؤولين فيها للاحتجاج على خلع البطريرك والمطالبة بحقوقه الكنسية استناداً إلى المادة 111 من الدستور، فقدّم الوفد عريضة بمطالبه· وحلّ الوفد في الأستانة في مطلع كانون الثاني 1909· وحتى حزيران 1909 دارت في الأستانة المحادثات والمفاوضات بين ممثلي الرهبان متكساكي وخريسوستوموس وغيرهما، وبين ممثلي الطائفة والبطريركين القسطنطيني والإسكندري، وكان الأخير في إسطنبول، وبين المسؤولين العثمانيين· وأرسلت عشرات البرقيات بين اسطنبول والقدس والإسكندرية، وذاميانوس لا يلين لضغوطات الرهبان وتهديد البطاركة، والشعب كله يقف بجانبه يسير في التظاهرات، والكنائس مغلقة احتجاجاً على خلعه· وأخيراً تمّت المصالحة بين البطريرك والسنودس الذي رفع برقية في 8 حزيزان 1909 إلى البطريرك المسكوني، يشعره فيها بعودة المياه إلى مجاريها بين الرهبان والبطريرك· وقد أجّل الوطنيون إلى حين المطالبة بحقوقهم ريثما تنتهي أزمة الانشقاق البطريركي، فعاد الوفد الفلسطيني إلى بلاده في تشرين الأول 1909، واستقبله الشعب أحسن استقبال، ولكنه لم يكن يحمل بجعبته إلا وعوداً عثمانية مبهمة بإنصافه والنظر في مطالب الشعب الذي يمثله·
جـ) رد الحكومة العثمانية على مطالب الأرثوذكس العرب:
ظــل الـوضـع العـام متـوتراً في القدس بعد مصالحة البطريرك مع السنودس، ورفض الوطـنيون فـتح الكـنائـس بـانـتـظـار رد الحـكومـة عـلـى مطـالـبـهـم· وزاد الـطـين بلّة، أن متـكسـاكي نــشر فــي جــرائــد اســطنـبول فـي تـشريـن الأول 1909 مـقـالاً بالـفرنــسـية والــيونـانــية بـعـنـوان >مـطـالـب أرثوذكـس فلسطين الناطقين بالعربية< (Les exigences des Orthodoxes Arabophones de Palestine)، ويشكّك المقال بالمطالب العربية ويردّ عليها ويفنّد ادعاءات الأرثوذكس(11)، وهي إنشاء المجلس المحلي حسب المادة 111، والمجلس المختلط وقبول العرب في الأخوية، وإقامة الأساقفة في مراكزهم الأسقفية، والإشراف على أموال البطريركية· فما أن وصل خبر المقال الذي يغمز بشرعية حقوق الأرثوذكس العرب، حتى عمّت المظاهرات فلسطين واحتلّ الوطنيون أربعة أديار، وألحّوا على الحكومة من خلال الوفود والبرقيات باصدار ردّها على مطالبهم· وأخيرا أعلن القومسيون العثماني، الذي شُكّل للنظر في مطالب العرب، قرار الحكومة في 17 أيار1910· وجاء الرد لصالح الإكليروس اليوناني، ولم يفز العرب إلا ببعض المكاسب الثانوية، والإجابة مبهمة تحتمل عدة تفسيرات· وكانت مطالب العرب أحد عشر مطلباً منها ستة أساسية وخمسة دونها في الأهمية· وملخص ما جاء في الرد ما يلي:(12)·
1 - سيتم تشكيل المجلس الملّي حسب المادة 111· ولكن في الواقع ليس هناك أوقاف تقع ضمن صلاحية هذا المجلس، لأن أوقاف البطريركية في نظر الأخوية غير وطنية، بل هي ملك لجميع أرثوذكس العالم·
2 - تشكيل مجلس مختلط برئاسة البطريرك، مكون من ستة علمانيين وستة إكليريكيين· وصلاحيات المجلس محصورة في بعض الأمور الكنسية، كقضايا الزواج والوصاية والإشراف على المؤسسات الخيرية والمدارس· أما المزارات فهي خارج نطاق صلاحيات المجلس· ويُخصص للمجلس ثلث واردات البطريركية التي قُدّرت آنذاك بـ 30 ألف ليرة·
3 - لا ترفض البطريركية دخول العرب في الأخوية، ولم تمنعهم في الماضي من ذلك· أما موضوع قبول المرشحين فمن ضمن صلاحيات البطريركية وليس المجلس المختلط·
4 - رُفض طلب زيادة مشاركة الشعب في انتخاب البطريرك، وأن ينحصر عمل السنودس في الأمور الروحية، وانضمام خوارنة الرعايا إلى السنودس·
5 - لا يقيم الأساقفة في كراسيهم الأسقفية في البطريركية الأورشليمية بالنظر لنظامها الخاص ولأن أساقفتها فخريون فقط، ولكن لا مانع لدى البطريركية أن يقيم الأساقفة في مراكزهم الأسقفية· أما الطلب بأن ينتخب الأهالي الأساقفة فرفض، فانتخابهم من حقوق السنودس·
6 - سيُنظر بمنع الرهبان من تعاطي الأشغال الدنيوية وعدم منح امتيازات لجنس على الآخر بين العثمانيين الأرثوذكس·
7 - يُرفض المسّ بامتيازات الرهبان القديمة والمثبّتة في الفرمانات، ويقبل الطلب بمنع دخول غير العثمانيين بسلك الرهبنة·
8 - تظل كيفية الانتخاب على ما جاء في القانون الأساسي، ولا يذكر القانون شيئاً عن أي جهة أو هيئة من صلاحياتها عزل البطريرك أو اسقاطه، ويظل النظام على ما هو عليه في السابق·
9 - يُرفض طلب توحيد واردات الدير ونشر كشف سنوي لها·
10 - يُرفض طلب اشتراك خورس (جوقة) ترنيم عربي في كنيسة القيامة وغيرها من المزارات، وتظل الامتيازات الممنوحه للطائفة العربية بما يخصّ هذا الموضوع على ما كانت عليه·
11 - وأعطى هذا الجواب المبهم لطلب قيد الأوقاف على اسم الطائفة: "إن هذا الأمر يترتب عليه تعديل القوانين الحاضرة المتعلقة بالتصرف بالأملاك على اسم معنوي والسير على مقتضاه، فعند إجراء التعديلات اللازمة، يتم قيد مثل هذه الأوقاف على اسم من هي عائدة عليه، فإن كانت عائدة على الأديرة والمزارات والكنائس يمكن قيدها عليها، وإن كانت مختصة ومشروطاً بها منفعة الأهالي يمكن قيدها على اسم الطوائف·أما الآن فلا حاجة لاتخاذ التدابير ومعاملة بهذا الصدد غير ما هو جارٍ"(13) أي في نهاية المطاف رفض قيد الأوقاف على اسم الطائفة···
كما يبدو من رد الحكومة أن كل الطلبات التي قد تؤدي إلى فقدان الأخوية صبغتها اليونانية، وأن تغدو البطريركية تحت رقابة العلمانيين وسيطرتهم قد رُفضت· على كل حال فاز العرب بالمجلس المختلط وثلث واردات البطريركية· ونُظر إلى رد الحكومة هذا على أنه قانون معدِل للقانون الأساسي لسنة 1875 أو تفسير وملحق له· وأعلن ميليتوس رئيس أساقفة الأردن نيابة عن البطريركية، قبول قرار الحكومة في اجتماع في متصرفية القدس بتاريخ 29/5/ 1910، واتخذت التدابير اللازمة لتشكيل المجلس المختلط، ووُضع قانون له في اثنتي عشرة مادة نصت إحداها على تخصيص 200 ليرة سنوياً لكل عضو فيه، وعقدت أول اجتماعاته في 9 كانون الأول 1910· يبدو أن السلام عاد يُخيّم من جديد على الكنيسة الأورشليمية· ولكن لم تزل بعض الكنائس مقفلة ومنها كنيسة مار يعقوب، فأغلقت بإقفالها الطريق المؤدّي من البطريركية إلى كنيسة القيامة· وثار الجدل والخصام بين أعضاء المجلس ومن خلفهم الأخوية وجماعة الأرثوذكس الوطنيين حول تفسير قرار الحكومة، ونشب الخلاف بين الإكليريكيين والعلمانيين حول الأوقاف والميزانية، مما عطّل اتخاذ القرارات اللازمة في المجلس، وإنْ اتُخِذَت ينقصها التنفيذ، مما اضطر الحكومة للتدخّل ثانية سنة 1913 بين الإكليريكيين والعلمانيين· وظلت كنيسة مار يعقوب مقفلة ولم تُفتح إلا في 1/1/1914 فأقام البطريرك الصلاة فيها· أما الأخوية فقد تمّت مصالحتها مع البطريرك، وامتدحه أعضاؤها في اجتماع السنودس في 21 آب 1917 بمناسبة الذكرى العشرين لاعتلائه العرش البطريركي ··· ولكن المصالحة لم تكن صادقة، فقد خبّأ القدر مفاجأة للبطريرك، فجدّدت الأخوية خلعه أثناء تغيبه القسري عن كرسيه!

horizontal rule


2 - البطريركية الأورشليمية في الحرب العالمية الأولى وتجديد خلع البطريرك سنة 1918:
دخلت تركيا الحرب ضد بريطانيا سنة 1914، واحتلّ الإنكليز فلسطين سنة 1917، فانسحب الجيش العثماني، وأبعد معه رؤساء الأديان غير المسلمين إلى دمشق ومن ضمنهم البطريرك ذاميانوس والسنودس، وذلك في تشرين الثاني سنة 1917· فكانت البطريركية أثناء غياب البطريرك والسنودس برعاية لجنة إدارية من الأرشمندريتية، فاستدعت اللجنة رئيس أساقفة سيناء بروفيريوس ليترأس الاحتفالات الدينية· تراكمت الديون على البطريركية قبل وأثناء الحرب وبلغت حداً يُنذِر بأزمة مالية خطيرة العواقب، فعقدت الأخوية جلسة في 3 أيار 1918، قررت فيها وضع البطريركية تحت وصاية الحكومة اليونانية للعمل على تسديد ديونها، وخشية من فقدان حقوق الأخوية وضياع كيانها في فلسطين على أثر الأحداث السياسية المتلاحقة· فكانت فكرة الوصاية نوعاً من الإجراء الاحترازي لحماية الوجود البطريركي والكيان اليوناني وامتيازات الأخوية في فلسطين· فجاء قنصل اليونان في مصر إلى القدس في 23 تموز والتقى بالرهبان وتقرر وضع البطريركية تحت الوصاية اليونانية، وتجديد خلع ذاميانوس وتعيين بروفيريوس رئيس أساقفة سيناء نائباً بطريركياً·
عرضت الأخوية قرارها على حكومة الانتداب، متهمة ذاميانوس بالميل للعثمانيين وأنه قاسٍ ومستبد، وهو المسؤول عن تراكم الديون على البطريركية لسوء إدارته· فصادقت حكومة الانتداب على تعيين بروفيريوس نائباً بطريركياً· ولكنها أصرّت على مخاطبته في المراسلات الرسمية باللقب اللاتيني (Locum Tenens)، الذي يعني نائباً بطريركياً بقطع النظر عما إذا كان البطريرك موجوداً على كرسيه أم لا، أي أن هذا اللقب لا يفترض شغور الكرسي البطريركي، ورفضت الحكومة مخاطبته باللقب اليوناني توبوتيريتيس الذي معناه الوكيل البطريركي أثناء فراغ الكرسي، مما يعني أن ذاميانوس المُبعَد قسرياً إلى دمشق قد خُلع، وذلك حفاظاً على حقوق البطريرك الذي عزلته الأخوية أثناء غيابه· عقدت الأخوية اجتماعاً في 19 أيلول جدّدت فيه خلع البطريرك وعيّنت رسمياً بروفيريوس نائباً بطريركياً، وفي ظنّها أن قرارها هذا يلائم سياسة الانتداب البريطانية· فاحتجّ الشعب على موقف الأخوية، ورأى في الوصاية اليونانية والقرض اليوناني المتوقع للبطريركية وخلع البطريرك إبّان غيابه تعدّياً على حقوقها الوطنية· في هذه الأثناء سمحت حكومة الانتداب بعودة بعض المجمعيين المبعدين في دمشق بناءً على توصية من النائب البطريركي، ووقّع العائدون قراراً ثانياً بعزل بطريركهم· وأخيراً سمح الجنرال اللنبي بعودة البطريرك الذي وصل إلى القدس في 9 كانون الأول 1919، وترأس في اليوم عينه اجتماع السنودس الذي قدّم له الولاء والطاعة· وأقام البطريرك الذي كان قد تعرّض لمحاولة الخلع ثانية احتفالات عيد الميلاد في بيت لحم· وساد الوئام من جديد بين المجمعيين والبطريرك، ولكن ظل موضوع الوصاية والقرض اليوناني قائماً، وأثار السنودس هذين الموضوعين وتعرّض البطريرك لمحاولة خلع ثالثة!

horizontal rule


3 - أزمة ديون البطريركية وتقرير برترام الأول سنة 1921 (14):
وصل مندوب البنك اليوناني إلى القدس في 27 آب 1919، لمفاوضة البطريركية لإقراضها مبلغاً لتسديد ديونها بفائدة 3% ، شريطة أن ترهن أموالها غير المنقولة للبنك· وقدّم المندوب لائحة قوانين داخلية للبطريركية وهي عبارة عن تحريف للقانون الأساسي، ونصّت مادة في القانون المُقدّم على محاكمة البطريرك أمام هيئة تتألف من كنائس القسطنطينية والإسكندرية وأنطاكية وقبرص ومندوب الحكومة اليونانية، في حالة وقوع خلاف بين البطريرك والسنودس· وبحثت مادة أخرى في خلع البطريرك· وقد رفض البطريرك وسبعة أرشمندريتية من السنودس مشروع القرض والقانون، بينما رحّب به سبعة أساقفة وأرشمندريتان، فانشق بذلك السنودس بين مؤيد ومعارض، فرفع الجناح المؤيد للقرض والقانون احتجاجاً إلى الكنائس المذكورة وحكومة اليونان، وطلبوا منهم التدخّل ومحاكمة البطريرك، وقد اتّهموه بخمس عشرة تهمة في كتاب وجّهه الأساقفة إليهم(015)· رفضت حكومة الانتداب مبدأ القرض اليوناني، وأوعزت إلى السنودس أخذ قرض من البنك المصري فلم يُفلح بذلك· وفي 27 تموز 1920، عقد السنودس جلسة قدّم فيها الأساقفة المعارضون لسلطة البطريرك نصّاً صريحاً بقطع علائقهم معه·
وتوسّعت شقّة الخلاف بين البطريرك والسنودس، مما دعا حكومة الانتداب إلى تشكيل لجنة تحكيم برئاسة السير انطون برترام قاضي قضاة سيلان وعضوية هاري لوك مساعد حاكم القدس، وعضوية ممثلين مساعدين عن الطائفة الأرثوذكسية يعقوب فراج وجورج سكسك· وعقدت اللجنة أول جلسة في 5/1/1921 في دار البطريركية، وتابعت اللجنة أعمالها مدة ثلاثة أشهر، فقدّمت تقريراً يقع في 336 صفحة ويحوي ثمانية ملحقات إضافية وأهم ما جاء فيه ما يلي(16):
- لا يخوّل قانون الكنيسة الأورشليمية الأساسي أو العادات المرعية في الكنائس الشرقية للبطريركيات الشرقية ولحكومة اليونان حق التدخّل بالتحكيم بين البطريرك والسنودس، وهناك شبه حق للبطريركية المسكونية أن تتدخّل بصفتها الأولى بين البطريركيات إذا طُلب منها ذلك·
- لا يحقّ للأساقفة المجمعيين الأورشليميين التحدث باسم الكنيسة الأورشليمية لأنهم لا يؤلفون سنودساً حقيقياً كبقية السنودسات الكنسية لكونهم أساقفة فخريين· والهيئة الحاكمة في الكنيسة الأورشليمية ليست السنودس، بل >البطريرك في السنودس<·
- لو افترضنا أن الهيئة الحاكمة في الكنيسة هي السنودس، فإن الأساقفة مقدمي الاعتراض لا يمثلون الكنيسة الأورشليمية، لكونهم تسعة أعضاء من أصل ستة عشر عضواً، فالاحتجاج المرفوع إلى الكنائس الأرثوذكسية مرفوض لأنه لم يقدَم إلا من جزء من السنودس· من ناحية أخرى لا يمنح القانون الأساسي الصلاحية للسنودس بخلع البطريرك أو محاكمته·
- إن القانون الذي عرضه مندوب بنك اليونان ترفضه حكومة الانتداب، لأنه إضافة إلى القانون الأساسي· وتنظر الحكومة إلى ذاميانوس على أنه رئيس الكنيسة الشرعي· والوسيلة الفضلى لتخطي الأزمة الحاضرة هي سنّ قانون ينصّ على أن هيئة السنودس تتكون من أعضائه المعترفين بسلطة البطريرك، إلى أن يتمّ الصلح بين البطريرك وكامل هيئة السنودس·
- يبلغ دَيْن البطريركية 556 ألف ليرة مصرية، ودخلها السنوي 22 ألف ليرة· لهذا تقترح الحكومة تكوين لجنة مراقبة للمالية وتصفية الديون، وقد تضطر البطريركية إلى بيع بعض أملاكها، وإدخال بعض التحسينات لإدارتها المالية لضبط ميزانيتها وتصفية ديونها· فوُضِعَ سنة 1921 بإشراف المندوب السامي قانون نصّ على تشكيل >لجنة تصفية ديون البطريركية وولاية شؤونها المالية< والقانون مكون من 26 مادة ويُعرف بـ >قانون البطريركية الأرثوذكسية لسنة 1921<· فعملت اللجنة مدة أربع سنوات على تنظيم مالية البطريركية وتسديد ديونها·
في 8/4/1921، بلّغ المندوب السامي البطريرك والأساقفة بقرار اللجنة، وأوعز إلى الأساقفة مصالحة بطريركهم· ولما كان الصلح غير متوقع، قرر ذاميانوس سيامة أساقفة جدد موالين له، وأقنع صفرونيوس رئيس أساقفة غزة بالانضمام إلى حزبه، فقدّم له الولاء والطاعة· ولما كان القانون الكنسي ينصّ على أن رسامة أسقف تتمّ على أيدي ثلاثة أساقفة، اتفق ذاميانوس وأسقف روسي أرثوذكسي في القدس وصفرونيوس على رسامة الأرشمندريتية الموالين له أساقفة، فاكتمل بذلك نصاب السنودس، وطُويت صفحة أخرى من نزاع البطريرك والسنودس، وأثبت البطريرك قدرته وحنكته في قيادة الكنيسه في أحلك الأوقات، وكان قد بلغ آنذاك الثالثة والسبعين من عمره· واستعدّ ذاميانوس لخوض جولة أخرى مع الشعب العربي الأرثوذكسي الذي هبّ مطالباً من جديد بحقوقه الكنسية·

horizontal rule


4 - القضية العربية الأرثوذكسية وتقرير برترام الثاني سنة 1925:
لم تكن سلسلة الأحداث في نهاية العصر العثماني، وعصر الانتداب البريطاني حتى تقرير برترام الأول سنة 1921، في صالح الرعية الأرثوذكسية العربية، إذ إنها لم تحصل على شيء ذي أهمية من حقوقها: فلم يتمّ تشكيل المجلس المختلط إلا لفترة قصيرة، ولم يكن هدف لجنة تصفية ديون البطريركية العمل على رفعة الشعب وردّ حقوقه، بل مراقبة مالية البطريركية وخفض ديونها والإشراف على ميزانيتها، فانتظر الوطنيون فرصة سانحة للمطالبة بحقوقهم·
أما القشّة التي قصمت ظهر البعير وجددت الصراع العربي اليوناني فهي قضية تعيين أسقف للناصرة، وأسقف الناصرة يقيم عادة فيها· إذ إن البطريرك بعد صدور قرار برترام الأول، شرع بعزل الأساقفة المعارضين ورسامة أساقفة جدد موالين له، ليكتمل النصاب القانوني للسنودس، ومن هؤلاء الأساقفة المعزولين مطران الناصرة غليكريوس، الذي كان منفاه بمصر في آب 1922، بعد أن أبى مصالحة البطريرك· فقدم فريق من أهل الناصرة >مضبطة< للبطريرك طلبوا فيها انتخاب قليوباس أسقفاً عليهم، حسب أحكام المادة السابعة عشرة في القانون الأساسي· فاعترض فريق آخر من أهل الناصرة على ترشيح قليوباس، متهمين البطريرك بأنه وراء ترشيحه لإقصائه عن لجنة تصفية ديون البطريركية التي كان أحد أعضائها، وإن ترشيح قليوباس غير قانوني لجهله باللغة العربية حسب أحكام المادة الخامسة عشرة من القانون الأساسي· ولكن البطريرك أصرّ على تعيين قليوباس، فرأى الشعب بذلك تعدّياً على حقوقه التي يضمنها القانون الأساسي· وبذلت الحكومة جهدها لتقريب وجهات النظر المتضاربة فأخفقت، فدعى خصوم قليوباس إلى عقد مؤتمر عام ، فعُقد المؤتمر الأرثوذكسي في حيفا في 15/7/1923، وضمّ العديد من الشخصيات الأرثوذكسية العربية، وأصدر بياناً يتضمن مطالب الأرثوذكس (17)· وخشي البطريرك من عواقب المؤتمر، فوجّهت عدة شخصيات يونانية كتباً إلى الحكومة البريطانية تشرح فيه السِمة اليونانية للبطريركية الأورشليمية، وحقوق أخوية القبر المقدس· ومطالب مؤتمر حيفا عبارة عن تكرار للمطالب التقليدية التي طالما نادى بها الأرثوذكس العرب· كما وجّه ذاميانوس مذكرة إلى الحكومة بعنوان >مذكرة البطريرك في الصبغة الرهبنية في إدارة كنيسة أورشليم الأرثوذكسية<(18)، يشرح فيها البطريرك الصفة الرهبانية للبطريركية وحقوق الأخوية العتيدة في الفرمانات العربية والعثمانية والقانون الأساسي·
احتجّت قطاعات من الشعب الأرثوذكسي على قرارات مؤتمر حيفا ولمست فيها بعض المغالاة والتعدي على حقوق البطريركية، وألّفت هذه القطاعات حزباً عُرف بالحزب المعتدل، اجتمع ممثلوه في القدس في تشرين الأول 1923، وعقد 23 جلسة خلال خمسة أشهر وأصدر بياناً بمطالبه(19)· ويلتقي مؤتمر حيفا والحزب المعتدل حول عدة نقاط، كحق الوطنيين بدخول الأخوية وإحياء المجلس المختلط· وانتظر البطريرك حتى 22 تموز 1924 ليعلن رضاه عن الحزب المعتدل الذي نعم بتأييده، إن لم يكن بدعمه وبركته لتفريق المواطنين إلى حزبين متخاصمين· وأعلن البطريرك عن قبوله بمطالب الحزب المعتدل على أن يؤجل تنفيذها إلى حين تحسن أحوال البطريرك المادية، ويقترح تشكيل المجلس المختلط من أعضاء الحزب المعتدل الذين يمثلون في نظره أغلبية الشعب· وأمر البطريرك بصرف مبلغ 1300 ليرة مصرية كنفقات لأعضاء مجلس مختلط من الحزب المعتدل· فطلب آنذاك نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمؤتمرحيفا يعقوب فراج، أن تقيم الحكومة لجنة للنظر في مطالب المؤتمر والنزاع العربي اليوناني، فاستجابت الحكومة نظراً لاستمرار القلق والنزاع بين البطريرك وأبناء الطائفة المنقسمة إلى حزبين· وكان البطريرك قد رحّب مبدئياً بتدخل الحكومة في احدى مراسلاته السابقة: "إن حكومتنا التي حق لها من البطريركية تام الولاء، وخالص الوفاء والمعونة في أعمالها وتسهيلها، لتمتلك حق تتبع أعمال البطريركية وسيرتها، والاشراف عليها وحق مساعدتها وارشادها عند الحاجة"(20)·
وافقت الحكومة على تشكيل لجنة تحكيم في تشرين الاول 1924، برئاسة السير انطون برترام والسيد ينغ المستشار المالي للبطريركية ومفتش وزارة الداخلية بمصر، كما ضمّت اللجنة ممثلين عن الطائفة العربية وأخوية القبر المقدس· فحاول البطريرك إعاقة أعمال اللجنة التي لم يرحب بها وتوجس شراً من جراء تحقيقاتها· وقدّمت اللجنة تقريرها الى المندوب السامي هربرت صموئيل في 26 حزيران 1925· ويقع تقريرها في 274 صفحة(21)، تشمل خمسة عشر فصلاً وسبعة ملاحق· ويستعرض التقرير رواية أسباب تعيين اللجنة، ورواية تاريخ البطريركية في القرون الأربعة السابقة، أي في العصر العثماني ويوْنَنَة البطريركية على عهد البطريرك جرمانوس· وصبغة البطريركية وحالتها وعلاقتها بالطائفة ومطالب الحزبين· وحقّ الحكومة في التدخّل في النزاع، وموقف البطريركية الحالي، والأوقاف والمجلس المختلط والسماح للأرثوذكس العرب بالترهبن في أخوية القبر المقدس، وانتخاب الأساقفة والمحاكم الكنسية وتنقيح القانون الأساسي· ويعرض التقرير عادة رأي العرب واليونان ويقدم مراراً رأي اللجنة الخاص·
لم يرضَ اليونان ولا العرب بالحلول التي اقترحتها الحكومة أو بتعديل القانون الأساسي، وظلت الأحوال مضطربة، فالمجلس قائم اسمياً والأخوية مقصورة على العنصر اليوناني ··· فعانى مثقفو وقياديو الشعب الأرثوذكسي تردي أوضاع كنيستهم وفساد إدارتها وصعوبة إصلاح ذات البين· ومن هؤلاء المثقفين والمفكرين خليل السكاكيني (1878 - 1953) الذي عاصر أحداث البطريركية في العهد العثماني والبريطاني والأردني، ويطرح السكاكيني حلولاً مأساوية للقضية العربية الأرثوذكسية الشائكة: "إذا كانت الطائفة ترمي الآن إلى طلب حقوقها من أخوية القبر المقدس، فإنّي ساع منذ الآن إلى غاية أبعد من ذلك، وهي طرد هذه الأخوية من البلاد، وتطهير الكرسي الأورشليمي من مفاسدهم وآثارهم، غايتي التي أسعى إليها خلع نير اليونان، إذ لا حقّ لهم في الرئاسة لا كنسياً ولا سياسياً ولا أدبياً، ولو أحسنوا القيام بواجباتهم وأحبونا واعتنوا بنا وسهروا على رعايانا، بل لو أحسنوا السلوك بيننا لقبلنا برئاستهم وسكتنا، ولكنهم احتقرونا وانغمسوا في شهواتهم، فلا لوم علينا إذا نبذناهم وعملنا على طردهم" (22)· وأخيراً اعتزل السكاكيني الأرثوذكسية وتبرأ منها فحرمته الكنيسة·
أما ذاميانوس فقد تشبّث بمنصبه، وقاد الكنيسة على الرغم من كل العقبات التي وقفت بطريقه، وتوفي في 14/8/1931، وله من العمر ثلاث وثمانون سنة· وبعد وفاته رفض العرب الاشتراك في انتخاب بطريرك جديد على أساس قانون 1875، لأنه يضمن للعنصر اليوناني (250 راهباً يونانياً مقابل 50 ألف أرثوذكسي تقريباً سنة 1956) نصيب الأسد في انتخاب البطاركة وتعيين الأساقفة وإدارة البطريركية· وظل الكرسي الأورشليمي شاغراً مدة أربع سنوات، دبّر خلالها البطريركية وكيل بطريركي· وأصدرت حكومة الانتداب سنة 1934 تعديلاً جديداً للقانون الأساسي رفضه العرب واليونان، وأخيراً انتخب الإكليروس اليوناني تيموثاوس ثيميليس بطريركاً في 1/7/1935· وانتظرت حكومة الانتداب أربع سنوات أخرى لتقرّه رسمياً· وهكذا انتهى الانتداب البريطاني على فلسطين سنة 1948، دون تحقيق تقدم يُذكر في القضية العربية الأرثوذكسية، وظلّ حلّها أمنية جميع الأرثوذكس وقضية وطنية عامة·

horizontal rule


خـاتـمــة
تُعدّ البطريركية الأورشليمية الأرثوذكسية من أقدم كنائس فلسطين، وأكثرها عدد مؤمنين، وأغناها أوقافا، وأقّلها تجاوباً مع رغبات مؤمنيها، وأشدّها محافظة وتمسّكاً بالتقاليد والأنظمة· وكان من المتوقع لهذه الكنيسة أن تكون أم الكنائس ورائدة نهضة مؤمنيها من خلال مؤسساتها الثقافية والخيرية، وأن تُشركهم تدريجاً في أخذ دورهم القيادي في الكنيسة وتحمل مسؤولياتهم· وعلّة هذه الكنيسة أولاً: سيطرة الإكليروس اليوناني في أخوية القبر المقدس على قدراتها ومناصبها العليا ومزاراتها وأوقافها· وثانياً: الصراع الداخلي الذي مزق لحُمتها وشلّ قدراتها، مما حدا الكثير من مؤمنيها على هجرها والانضمام إلى الكنيسة الكاثوليكية أو الأنكليكانية· والدارس لتاريخ الكنيسة الأرثوذكسية في القرن التاسع عشر يسنتج ما يلي:
- نقل البطريرك كيرلّس مركز إقامته من إسطنبول إلى القدس ليتحرر من التبعية التقليدية للبطريركية المسكونية ولمقاومة التغلغل الكاثوليكي والأنكليكاني في فلسطين، وتمّ هذا التطور بدعم الروس وبركتهم·
- الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، أي الهيئة الحاكمة في الكنيسة، كنيسة مزارات وأديار، إذ تمحور نشاطها حول الأماكن المقدسة· وأُهمل الشعب الذي لعب دوراً ثانوياً في الحياة الكنسية ،وخاصة في الأرياف والقرى·
- كان الهدف البعيد للنفوذ الروسي في القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الأولى، مقاومة النفوذ اليوناني في البطريركيات الشرقية وتحريرها من سيطرة الإكليروس الهلليني، وقد نجح الروس في تحقيق هدفهم في سوريا وأخفقوا في فلسطين، إذ تشبّث الإكليروس اليوناني بمواقعه بكل قواه·
- ساهم الروس في تكوين الوعي القومي العربي عموماً والأرثوذكسي الكنسي خصوصاً، ولكن لا نستطيع عدّ الروس الدافع الوحيد لقيام القضية العربية الأرثوذكسية·
- ساعد الروس في تثقيف المؤمنين وتربية الشبيبة الأرثوذكسية على مدار ربع قرن، من خلال مدارس الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية، وقاد الجيل الذي ترعرع ودرس فيها الوطنيين الأرثوذكسيين في مواجهة الإكليروس اليوناني في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين·
- دار صراع مرير بين السنودس والبطاركة، وأدّى مراراً إلى خلعهم، في كل مرة لمس السنودس في سياستهم ومواقفهم خطراً على امتيازاتهم ــ وخلع السنودس ثلاثة بطاركة: كيرلّس ونيقوذيموس وذاميانوس ــ ولكن التقى الطرفان في خندق واحد لمواجهة الوطنيين العرب·
- وقفت السلطات المدنية التي حكمت فلسطين، وهي السلطنة العثمانية وحكومة الانتداب البريطانية وحكومة المملكة الأردنية الهاشمية، حكماً في النزاع بين السنودس والبطاركة، وبين اليونان والعرب· وربح عادة اليونان الجولة على العرب، الذين فازوا ببعض الامتيازات أو التعديلات القانونية الثانوية·
- صدر أول تشريع خاص بالبطريركية الأرثوذكسية سنة 1875، وظلّ هذا التشريع القانون الأساسي للبطريركية حتى سنة 1958· وتلاه عدّة تشريعات وتعديلات سنة 1910، 1921، 1925، 1934، 1957· وبقيت مُجمل هذه القوانين حبراً على ورق، إذ لم يشكّل الوجود العربي الأرثوذكسي ثقلاً كافياً، ولم يحصل على دعم سياسي ملائم من السلطات الحاكمة لإجراء تعديلات جذرية على كيان البطريركية·
- آخر مراحل الصراع العربي اليوناني وآخر فصول القضية العربية الأرثوذكسية دارت في عهد الحكومة الأردنية، فكان على الحكومة أن تتدخّل للتحكيم في خلافات الكنيسة أسوة بالسلطنة العثمانية وحكومة الانتداب البريطانية·
وقد تمّت سيامة ستة أساقفة يونان جُدُد قبيل وفاة البطريرك تيموثاوس ثيميليس في 31/12/1955، ليصل بذلك السنودس إلى نصابه القانوني في حالة وقوع انتخاب بطريركي· كما تمّ تعيين مطران يوناني لمدينة عمان، مما فجّر من جديد الخلاف اليوناني العربي، وفتح ملف القضية العربية الأرثوذكسية· فعُقد مؤتمر أرثوذكسي عام في القدس في 23 آذار 1956، ضمّ 300 شخصية أرثوذكسية من الأردن وفلسطين، وطالب المؤتمرون بإحياء المجلس المختلط الذي وعد العثمانيون بتشكيله سنة 1910، مع زيادة نسبة العلمانيين فيه، وأن يعهد للجنة عربية بثلث دخل البطريركية، ويقدّر الثلث بثلاثين ألف دينار، وإشراك العرب فعلياً وليس كما ورد في القانون الأساسي في انتخاب البطريرك، والسماح للوطنيين بالإنضمام إلى أخوية القبر المقدس·
انبثقت عن المؤتمر لجنة تنفيذية من ثمانية عشر عضواً، تسعة من الأردن وتسعة من فلسطين، ومهمة اللجنة تبليغ قرارات المؤتمر للحكومة الأردنية والعمل على تنفيذها· وتوصل السنودس في هذه الأثناء إلى أخذ قرار من الحكومة بانتخاب خليفة للبطريرك ثيميليس المتوفى، فاعترضت اللجنة التنفيذية على القرار في محكمة التمييز وأوقفته· فتبنّت الحكومة الأردنية، وكانت آنذاك برئاسة سليمان النابلسي توصيات مؤتمر القدس، وصيغ قانون أساسي للكنيسة الأرثوذكسية، أُعلن عنه في 23 كانون الأول 1956، وصادق عليه البرلمان في 29 كانون الثاني 1957· وفي هذا اليوم عينه تمّ انتخاب البطريرك الجديد بندكتوس بابادبولوس· ويلبي قانون 1957 توصيات المؤتمر، إذ ينصّ على تشكيل المجلس المختلط من 12 علمانياً و 6 إكليريكيين، وتسليم ثلث دخل البطريركية للجنة علمانية، وصرف مبلغ 2200 دينار للجنة مؤتمر القدس لإنفاقها على فقراء الكنيسة والأرامل والعمل على انتخاب أسقفين عربيين للقدس وعمان·
في حزيران 1957 سقطت حكومة النابلسي، وألغت حكومة سمير الرفاعي بالتعاون مع البطريركية قانون 1957· وسُنّ قانون جديد في 1 حزيران 1958 مكوّن من تسعة فصول وخمس وثلاثين مادة· وجاء القانون الجديد في صالح الإكليروس اليوناني، وأضاع حقوق العرب التي فازوا بها بقانون 1957، وقانون 1958 هو المعتمد حالياً في البطريركية الأرثوذكسية· وحسب القانون البديل: تصرف الـ 2200 دينار المذكورة في القانون السابق، ويتكوّن المجلس المختلط من خمسة إكليريكيين وثمانية علمانيين، والأغلبية المطلقة في التصويت من تسعة اصوات· ويشترك المجلس فقط في المراحل الأولية لانتخاب المرشحين للكرسي البطريركي· أما ميزانية البطريركية فبيد السنودس· ويُسمح للاردنيين بالانضمام إلى أخوية القبر المقدس· وليس للمجلس المختلط حقّ الرقابة على إدارة البطريركية(23)·
ولا تزال حتى يومنا هذا القضية العربية الأرثوذكسية من القضايا القومية الساخنة ومن غير المتوقع أن يتمّ في الظروف السياسية السائدة حالياً أي تغيّر في نظام الكيان البطريركي الأرثوذكسي، أو حتى أي تعديل في قانون 1958· فمنذ القدم ارتبط كيان البطريركية الأورشليمية الأرثوذكسية بالسلطات المدنية الحاكمة، وأي تطور أو تغيير في بُنية هذه الكنيسة رهين بالأحداث السياسية وقرارات الحكومات المعنية (24)·

الفهرست

غلاف الكتاب