cover.JPG (69622 bytes)الباب الرابع: الكنائس الشرقية غير الخلقدونية والشرقية الكاثوليكية

الفصل الثاني
الكنائس الشرقية الكاثوليكية

مـقـدمـة
تتابعت حركات الانشطار والتجزؤ في حضن الكنيسة الواحدة على مرّ العصور، وقابلت هذه الحركات محاولات وحدوية تسعى إلى رأب الصدع الذي ألمّ بالكنيسة· وقُدّر لبعض حركات الوحدة أنْ تستمر، وأخرى لم يكتب لها النجاح فأعطت بعض الثمار ولكن إلى حين· وأهم لقاءات الكثلكة بالكنائس الأخرى: سنة 1274 مجمع ليون بين رومـا وبيـزنطة· سـنة 1438 مجـمع فلـورنسـا بين رومـا وبيزنطة· سـنة 1438 بين رومـا والأرمن· سنة 1442 بين روما والأقباط· سنة 1443 بين روما واليعاقبة· سنة 1445 بين روما والنساطرة· هذه السنوات ليست تاريخ اتحاد هذه الكنائس بالكنيسة الكاثوليكية، ولكنها تشـير إلـى أحـداث جـرى خـلالـها اللـقاء بين الكنائـس في محاولات لإعادة الوحدة، فهي عبارة عن محطات على طريق الوحدة الطويل·
وفي القرن السابع عشر دخلت حركات الوحدة بين الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الشرقية طوراً جديداً، فشجّعت الكنيسة الكاثوليكية الكنائس الشرقية على الاتحاد بها مع احتفاظها بطقوسها الشرقية وصلاحيات أساقفتها· واختار آخرون الوحدة بطريق مختصرة من خلال اللتْنَنَة، أي تبني الجماعات الشرقية الطقس اللاتيني الغربي، فتبعت هذه الجماعات الكنائس اللاتينية في الشرق التي كانت إرساليات وليست أبرشيات، يرعى شؤونها الرهبان الأوروبيون· وفي العصر العثماني لم تكن خلفية هذه الحركات الوحدوية دينية بحتة، بل سياسية واجتماعية واقتصادية، في ظل نظامي الامتيازات والملل ورعاية قناصل الدول الكاثوليكية وأديار الرهبان· فترعرت حركات الوحدة بشكليها، بالاحتفاظ بالطقوس الشـرقية وصلاحـيـات الأسـاقفة الشـرقيين واللتْنَنَة، وتمّ الاتحاد تدريجاً وجزئياً وليس فجائياً وكلياً·
في السادس من كانون الثاني 1622، أمر البابا غريغوريوس الخامس عشر بتشكيل مجمع نشر الإيمان للتنسيق بين الرهبنات العاملة في حقل الرسالة ونشر الإيمان المسيحي، وتبع هذا المجمع مباشرة للبابا· وتولى منصب أمين سر المجمع الراهب الكبوشي الفرنسي اينچولي (Ingoli) (2261 - 9461)· "فوضع إخوته الرهبان الكبوشيين الذين تحت إمرته في خدمة أمته، وكان الملك لويس الثالث عشر آنذاك مهتماً بالنشاط الفرنسي الإرسالي خاصة في تركيا"(1)· وحدّد مجمع نشر الإيمان حلب مركزاً للنشاط الكبوشي، "فغدت حلب قلعة الكثلكة في سوريا"(2). وتبرعت الحكومة الفرنسية بنفقات إقامة الكبوشيين في سوريا وتأثيث كنائسهم وبيوتهم (3) وقد عارض الرهبان الفرنسيسيون الوجود الكبوشي في سوريا، وعدّوه تعدياً على حقوقهم وامتيازاتهم القديمة· وتدخّل مجمع نشر الإيمان مراراً لحلّ الخلاف بين الطرفين، ولكن الدبلوماسية الفرنسية ساندت الكبوشيين، وحصلت لهم في 15 نيسان 1627 على تأييد السلطات العثمانية والسماح لهم بالعمل في حدود السلطنة(4).
سار الكرمليون عام 1625 واليسوعيون عام 1627 على خطوات الفرنسيسيين والكبوشيين، وفتحوا أدياراً في حلب والمدن السورية واللبنانية، ووصل النشاط الكاثوليكي في الديار السورية ذروته بتعيين فرنسوا بيكه (François Picquet) قنصلاً لفرنسا في حلب (1653 - 1661)· وامتاز هذا القنصل بالجرأة والحماسة للعمل الإرسالي والإخــلاص لـبـلاده، وظهـر ذلـك من خـلال اســتغلاله معـاهدات الامتيازات بين بلاده والسلطنة العثمانية اقصى درجات الاستغلال، فوضع النشاط الكاثوليكي تحت المظلّة الفرنسية(5 ). فبعث الرهبان بالتقارير إلى فرنسا حول وضع المسيحيين في سوريا، واستنجد بطاركة الروم والسُريان والأرمن بالملك لويس الرابع عشر عام 1663، واضعين أنفسهم وكنائسهم في حمايته(6)· ففسرت السلطات الدينية في فرنسا كتاباً للبطاركة الثلاثة إلى ملك فرنسا على أنّه تباشير حركة عودة جماعية في الكنائس الشرقية إلى الكثلكة· فأصدر رئيس أساقفة باريس بياناً في 31 تموز 1665 يدعو فيه إلى تقوية حركات العودة للكنيسة الكاثوليكية، ويرى أنّ هذه العودة هي ثمرة جهود الرهبان(7). وساد الاعتقاد في فرنسا أنّ الراغبين في الوحدة مع روما "سيكونون حلفاء مخلصين لفرنسا"(8). فمصلحة فرنسا إذاً هي تشجيع الشرقيين على العودة إلى الإيمان الكاثوليكي· كما شجع مجمع نشر الإيمان على دراسة اللغة العربية في كليات الرهبان ومدارسهم في أوروبا· في هذه الحقبة أيضاً دعا حارس الأراضي المقدسة الراهب الفرنسيسي كوارزيموس إلى إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية· ففي هذه الظروف ولدت الكنائس الشرقية المتحدة بروما "من تزاوج المصالح السياسية والكنسية"(9)(10).
ومن العوامل التي ساعدت على ظهور حركات اتحاد الكنائس الشرقية بروما، البعثات الدراسية التي قدّمها الرهبان في سوريا لأقارب البطاركة والأساقفة للدراسة في كليات روما الجامعية، وخصوصاً في كلية مجمع نشر الإيمان· ولم يُشتَرط على المبعوثين إعلان الوحـدة مع رومـا فـي حـال عـودتهـم إلى بلادهـم، ولكـن حَنّ هـؤلاء الأساقفة والكهنة الشرقيون المتخرجون في روما إلى نوع ما من الاتحاد المتوقع مع الكنيسة الكاثوليكية(11).
أما في فلسطين فلم تلقَ حركة الاتحاد بروما الظروف المشجعة عينها كما في سوريا، لسيطرة أخوية القبر المقدس الأرثوذكسية وحراسة الأراضي المقدسة الفرنسيسية على الأماكن المقدسة والعمل الإرسالي في فلسطين، مما خلق جواً غير مناسب لظهور حركات وحدة الشرقيين مع روما· فلم تستطع الكنائس المتحدة بروما ذات المنشأ السوري أصلاً توطيد أركانها في فلسطين، إلاّ بعد إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية، فكانت الرائدة في كسر طوق احتكار العمل الإرسالي، وفتحت الباب على مصراعيه لمن يريد العمل من الجمعيات والكنـائــس الكـاثولـيكـية في الأرض المقدسة(12). وفيمـا يلي موجـز لـتاريخ الكنائـس الشـرقية الكاثوليكية وعلائقها بفلسطين·

horizontal rule


1 - المــوارنــة(13):
الموارنة نسبة إلى مار مارون، وهو قديس ولد عام 410، وعاش في منطقة أفاميا في سوريا· وقد كوّن رهبانه الذين أقاموا ديراً تخليداً لذكراه على ضفاف نهر العاصي نواة الكنيسة المارونية من أبناء الشعب السُرياني المحافظ على التعاليم الخلقدونية· وصار الدير في القرن السادس قلعة حصينة للتعليم الخلقدوني، فاستشهد 350 راهباً مارونياً للدفاع عـن العقيدة على يـد المـونـوفـيزيين، وغدا الـرهـبان قادة للشـعب الذي تبنّى القـرارات الخلقدونية· وحمل رؤساء الأديار الرتب الأسقفية، وامتدّت صلاحياتهم إلى المؤمنين القاطنين حول الأديار، فتميزت الحياة الراعوية المارونية بعادات ديرية رهبانية· واستمدّ البطاركة الموارنة فيما بعد سلطاتهم ودورهم الديني والاجتماعي من تلك الخلفية الديرية الأسقفية الراسخة التي حققها الرهبان·
قُتِلَ سنة 609 البطريرك الأنطاكي الخلقدوني اثناسيوس الثاني، فجرى تعيين بطاركة فخريين للكرسي الأنطاكي في القسطنطينية حتى سنة 702، في فترة الفراغ هذه من اعتلاء الكرسي الأنطاكي بطاركة خلقدونيين مقيمين، تمّ انتخاب بطريرك ماروني (أي من الرهبان الموارنة) وهو يوحنا مارون سنة 685· ويبدو أنّ المُنْتَخَب حمل لقب بطريرك أنطاكيا، وأنّ انتخابه كان شرعياً وقانونياً إذْ لم تبدِ روما اعتراضاً على تنصيبه· ويشكك بعض المؤرخين في تمسك الموارنة بالتعاليم الخلقدونية ووحدتهم بروما، ويوجهون إليهم تهمة اعتناق المبدأ المونوثيليتي(14)، وهو مبدأ لاهوتي توفيقي بين الخلقدونية والمونوفيزية، وشجّع على نشر المونوثيليتية أباطرة القسطنطينية للتوصل إلى وحدة قومية بين الأطراف الكنسية المتنازعة في سبيل مواجهة الأخطار الخارجية المحدقة بالإمبراطورية البيزنطية· وظلّ الموارنة أمناء على خلقدونيتهم وإنْ عاشوا في عزلة عن الكرسي القسطنطيني الروماني، وخاصة بعد هجراتهم الجماعية في مطلع القرن الثامن إلى جبال لبنان المنيعة هرباً من الاضطهاد، وفي لبنان انقطعت العلائق بين الموارنة وروما القديمة وروما الجديدة (القسطنطينية)·
خرج الموارنة من عزلتهم إبّان الحروب الصليبية، ولم يكن ذلك عودة إلى الكثلكة، إذْ لم ينجرف الموارنة في تيار الانشقاق الشرقي الكبير سنة 1054 الذي عزل البطريركيات الشرقية عن وحدتها بالكرسي البطرسي، بل تجديد الاتصالات بروما عن طريق الصليبيين في طرابلس· (والدليل على ذلك، أنْ ليس للكنيسة المارونية كنيسة شقيقة غير متحدة بروما على غرار الكنائس الشرقية الأخرى، مثل السُريان الأرثوذكس والكاثوليك، بل أن الموارنة جماعة واحدة ظلت على وحدتها بالكرسي الرسولي طوال العصور على ما يبدو)· وحضر البطريرك إرميا العمشيتي (1199-1230) المجمع اللطراني (1215)، ومنحه البابا انشنسيوس الثالث الدرع البطريركي· ومن ذلك الوقت بدأت اللتْنَنَة في الكنيسة المارونية، أي إدخال الطقوس والعادات اللاتينية الغربية في الليتورجية المارونية، وهذا ما يميّزها عن الليتورجية السُريانية؛ فتميّز الموارنة عن السُريان بالعناصر اللاتينية في ليتورجيتهم وحفاظهم على الخلقدونية ووحدتهم بروما· ويقيم البطريرك الماروني الأنطاكي في بكركي بلبنان وتمتد صلاحياته على الموارنه في لبنان وأنحاء العالم، إذْ بدأت هجرة اللبنانيين إلى العالم الجديد سنة 1854، وبلغت أوجها سنة 1894· وقد قامت في العصر الحديث أبرشيات مارونية لخدمة أبناء الطائفة في بلاد المهجر·
لم يشكل الموارنة في الماضي والحاضر ثقلاً طائفياً كنسياً في فلسطين، إذْ إنّ موطنهم الرئيس في لبنان· ويذكرهم كونيل في القدس في القرن التاسع عشر بقوله: "في القدس قلّة من الكاثوليك يتبعون الطقس الماروني ويصلّون في كنائس اللاتين"(15)· وتسكن جماعات مارونية فلسطينية لا بأس بعددها شمالي فلسطين· ويتكون الإكليروس الماروني في فلسطين حالياً من نائب بطريركي في القدس (منذ عام 1895) ورئيس أساقفة صور والأرض المقدسة ويقيم في صور· ويعيش في القدس 44 عائلة مارونية وفي الأردن 120 عائلة، ومجموع أنفس رعايا شمال فلسطين (عكا وحيفا ويافا والجش ···) 565 نفراً يتبعون رئيس أساقفة صور(16)

horizontal rule


2 - الـكـلــدان(17):
الكلدان هم ورثة وأبناء الكنيسة النسطورية التي اتحدت بروما تحت اسم الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية(18). فقد لاحت تباشير عودة النساطرة إلى الكثلكة في العصر الصليبي· فأوّل بطريرك نسطوري اتصل بالكرسي الرسولي كان سبَريشوّع بن المسيحي (1226 - 1257) الذي أوصى به المرسلون اللاتين البابا انشنسيوس الرابع، فبعث إليه كتاب تمنيات وتشجيع· وفي سنة 1247 بعد أن اطّلع الربّان آرا على كتاب البابا، ردّ عليه بجواب شكر يشيد فيه باحترامه وتقديره للسلطة البابوية، وأرفق آرا كتابه بجوابين: الأوّل من نساطرة الصين، والثاني يتضمن إعلان إيمان متروبوليت نصيبين يشوعياب بن ملدون ومتروبوليتين آخرين وثلاثة أساقفة· ولم تسنح الفرصة آنذاك لتحقيق الاتحاد، "إذْ قاوم الشعب النسطوري طوال مائة وعشرين سنة فكرة الوحدة، وقاطع رجال الإكليروس الذين أيّدوا الاتحاد"(19). أدّى بطريرك القدس اللاتيني وأساقفته دوراً في التقارب بين الكرسي البطرسي والنساطرة، مما أسفر عن إعلان الياس أسقف قبرص النسطوري وحدة لم تدم إلا خمس سنوات عام 1340·
وتمّ أخيراً الاتحاد بصورة نهائية في القرن السادس عشر، إذ أدخل البطريرك سمعان الثالث باصيدي (Basidi) (0841 - 3941) عادة توريث المنصب البطريركي بين أفراد عائلة باصيدي التي عُرفت بعائلة >أبونا< وصار انتخاب البطاركة والمتروبوليتية منها، مما أجاز أن يعتلي العرش البطريركي أشخاص ليسوا أهلاً للمنصب· فوجد أساقفة الكنيسة النسطورية الخلاص من الاحتكار العائلي للمناصب المتروبوليتية والبطريركية بدفع عملية الاتحاد مع الكنيسة الكاثوليكية· وقاد الحركة الاتحادية أساقفة اربيل وسلاماس وأذربيجان، فعقد ثلاثتهم اجتماعاً في المَوْصِل ضمّ رجال الإكليروس والرهبان ومندوبين عن الشعب· فوقع اختيارالمجتمعين على راهب اسمه يوحنا سولاقا (Sulàgà)، رئيس دير الربّان هرمزد بالقرب من القوش، ليمثل الجماعات الراغبة في الاتحاد· فسافر سولاقا في بعثة قوامها ثلاثة زعماء يمثلون النساطرة، فوصل روما في 15/11/1552· وأعدّ الكردينال مافيي (Maffei) تقريراً عن مشروع الاتحاد المتوقع وقدّمه للبابا يوليوس الثالث الذي اعتمد عليه في لقاء سولاقا، وقد تمّ إصدار براءة بابوية في 20/2/1553 أُعلِنَ فيها سولاقا بطريركاًَ على الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية· وكان ذلك مولد كنيسة كاثوليكية جديدة هجرت النسطورية واعتنقت الكثلكة· وقد سام البابا سولاقا أسقفاً في 9/4/1553 في كنيسة القديس بطرس، ومنحه الدرع البطريركي (Pallium) في 28 /4/ 1553·
سأل سولاقا البابا المساندة في رسالته الجديدة فبعث معه الراهب الدومنيكي امبروسيوس بوتيچيچ (Ambrose Buttigeg) ممثلاً للكرسي الرسولي والراهب المالطي انطونيوس زاهارا(Zahara) · فوصل الموكب البطريركي ديار بكر في 12/11/1553 فاستقبله الإكليروس والشعب بحفاوة بالغة، وكرّس البطريرك ثمانية أساقفة للكنيسة الناشئة· وفي ديسمبر 1553، تمّ تسليم البطريرك في حلب الوثائق العثمانية التي منحها له السلطان العثماني، فأضحى سولاقا زعيم الأمّة الكلدانية وممثلها أسوة بغيره من البطاركة· فتوصّل إلى تقوية نفوذه وتوطيد الاتحاد، يسانده الأساقفة الثمانية والدومنيكيان اللذين قدما معه من روما· أمّا البطريرك النسطوري فلم يطب له النجاح الذي حققه سولاقا وإعلان الاتحاد مع روما، فأوعز إلى باشا العمادية العثماني أنْ يدعو خصمه إلى لقاء هدفه العمل على وحدة كافة النساطرة، وكان اللقاء خدعة· فما أن وصل العمادية حتى القى الباشا القبض عليه وسُجن وعُذّب أربعة أشهر، ثم أمر الباشا بوضعه في كيس أُلقِيَ به في بحيرة ليموت غريقاً في 13/1/1555·
انضمّت خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر عدة جماعات نسطورية إلى الكنيسة الكلدانية مما جعل أتباعها الكثرة الساحقة بين مسيحيي العراق اليوم· وللكنيسة الكلدانية اثنا عشر كرسياً أسقفياً (الكرسي البطريركي في بغداد - بطريرك بابل على الكلدان -، ثلاثة متروبوليتيه، رئيس أساقفة واحد، وسبعة كراسي أسقفية)(20).
أُنْشئت النيابة الكلدانية في القدس سنة 1908(21). ولا يوجد عملياً رعايا لهذه النيابة، لأنّ العائلات الكلدانية التي قطنت الأردن وفلسطين في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين انضمّت إلى البطريركية اللاتينية الأورشليمية·

horizontal rule


3 - السُـريـان الكـاثـولـيـك:
ظهرت حركة الاتحاد مع روما بين السُريان الأرثوذكس في حلب في القرن السابع عشر على يد اندراوس اخيجان الذي اهتدى إلى الكثلكة سنة 1662، "تلقى علومه في الـكلــية المـارونيـة برومـا، ورســم كـاهناً وأعـلــن الاتحـاد بروما بدعم الرهبان المرسلين وتشجيعهم"(22). فبعد أنْ أتمّ اندراوس دراسته في روما عاد إلى بلاده عام 1654، وأخذ يعمل بين السُريان الأرثوذكس داعياً إلى الاتحاد بروما· ورعى القنصل الفرنسي في حلب فرنسوا بيكه جهود الكاهن، فسأل القنصلُ بطريركَ حلب السُرياني الأرثوذكسي منحه الدرجة الأسقفية فأبى، فنالها على يد بطريرك الموارنة عام 1656، واعترف الكرسي الرسولي بسيامته الأسقفية· في عام 1662 توفي بطريرك السُريان الأرثوذكسي بحلب، فوجد القنصل الفرنسي ومن ورائه السفارة الفرنسية في الأستانة والرهبان في حلب الفرصة سانحة لتسلُم اندراوس المنصب البطريركي، فتمّ لهم ذلك، وأعلن الاتحاد رسمياً مع روما، وحصل له الفرنسيون على براءة التعيين من السلطات العثمانية، واعترف به الكرسي الرسولي· هزّت عدة اضطرابات الطائفة السريانية أثناء تولي اندراوس المنصب البطريركي، وتوفي عام 1677(23)، "وبوفاته افتتح البطريرك كارثة خلافته ومأساة كنيسته"(24)، فتناوب على الكرسي الأنطاكي بطاركة أرثوذكس وأحياناً كاثوليك يعلنون الاتحاد مع روما ثمّ يرتدّون عنه· ودارت حرب طاحنة بين الفريقين الكاثوليكي والأرثوذكسي·
خلف اندرواس البطريرك اغناطيوس بطرس السادس (1677 - 1702).· ويروي دي طرازي بعض ما تعرّض له هذا البطريرك من اضطهاد وتشريد: "فمن ذلك أنّه بينما كان بطرس السادس يخدم الذبيحة الإلهية في صباح 26 نيسان سنة 1695، هجم اليعاقبة على الكنيسة وأنزلوه عُنوة من المذبح، ونزعوا عنه الحلل المقدسة وضربوه ضرباً مُبرحاً· ثم تجمعوا أمام سراي الحكومة حيث أخذوا يصرخون بأعلى أصواتهم: يا أبناء محمد، نحن رعية السلطان الأعظم فلا نعرف علينا أميراً سواه، ولا نريد أنْ نكون إفرنجاً ولا تبّاعاً للبابا (25). وعُزل البطريرك من منصبه خمس مرات ونفي وسجن ··· "فأرسل فيض الله شيخ الإسلام أوامره العلنية إلى مصطفى قاضي حلب بإعادة الفحص عن هذه القضية، لكنه اشار إليه سراً أنْ يفتك بالبطريرك وحاشيته· فحقّق القاضي آمال اليعاقبة وأحضر في 24 آب مار اغناطيوس بطرس السادس وعزله من منصبه للمرة الخامسة ثمّ حبسه في سجن ضيق "(26).
حُرِمَت الطائفة السُريانية الكاثوليكية بعد اغناطيوس من راعٍ يدير شؤونها حوالي ثمانين سنة، بين عامي 1702 - 1783، إلى أن انْتُخِبَ مخائيل جروة بطريركاً على السُريان الأرثوذكس عام 1782، وكان يميل للاتحاد مع روما فأعلن الوحدة عام 1783، مما أثار العداء بين شطري الكنيسة السُريانية الأرثوذكسي والكاثوليكي، فالتجأ البطريرك إلى لبنان وأسّس هناك دير الشرفة· وتوفي عام 1851، مخلفاً وراءه كنيسة سُريانية كاثوليكية مزدهرة· حصلت الكنيسة السُريانية الكاثوليكية على استقلالها المدني عن الكنيسة السُريانية الأرثوذكسية في منتصف القرن التاسع عشر، فاعترفت السلطنة العثمانية بسلطة بطاركتها الدينية والمدنية·
يذكر دي طرازي أسماء عشرة أساقفة سُريان كاثوليك حملوا لقب >مطران أورشليم<، بين سنة 1662 حتى منتصف القرن التاسع عشر(27). ووصل بعض هؤلاء الأساقفة إلى الرتبة البطريركية، وأداروا الكرسي الأنطاكي السُرياني الكاثوليكي كغريغوريوس بطرس شاهبادين (البطريرك اغناطيوس بطرس السادس)، وغريغوريوس بطرس جروه (البطريرك اغناطيوس بطرس السابع)· يذكر دي طرازي عن هؤلاء الأساقفة أنّهم "تولّوا الكرسي الأورشليمي"(28)،ويعني بذلك أنّهم كانوا أساقفة فخريين للكرسي الأورشليمي وليس بالضرورة أقاموا فيه، إذْ إنّ النيابة البطريركية السُريانية في القدس أُسِسَت عام 1890(29)، وازدهرت في مطلع القرن العشرين: "وللسُريان الكاثوليك كنيسة ودار للكهنة ونُزل لحجاج الأماكن المقدسة بنيت عام 1901 بهمة أبناء الملّة، ومنذ سنة 1904 أُنشِئَت بأمر البابا لاون الثالث عشر مدرسة اقليرسية (إكليريكية) لتعليم المترشحين للكهنوت من السُريان، وسُلمّت إدارتها لرهبان القديس مبارك الذين يدعون بندكتيين· ولما كان عدد السُريان ينمو كثيراً في مدينة بيت لحم والقرى المجاورة لها، فقد أُرسِلَ كاهن لخدمة نفوسهم وجُعِلَ لهم معبد صغير لقضاء شعائرهم الدينية· ويوجد أيضاً فريق كبير من أبناء الملّة الذين استوطنوا حديثاً في بعض مدن هذه الأبرشية كعكا وحيفا ويافا، ولكنهم يقضون فروض عبادتهم عند الطوائف الغربية"(30)(31) ·

horizontal rule


4 - الأرمـن الكـاثولـيـك(32).
كُوّنت الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية على أثر اتحاد الأسقف ابراهام ازرمنيان في منتصف القرن الثامن عشر مع روما· وامتدّت صلاحياته الأسقفية على الأرمن المقيمين في سوريا ومصر وبلاد ما بين الرافدين، بينما خضع الأرمن الكاثوليك في أرمينيا الكبرى وإسطنبول للقاصد الرسولي في إسطنبول، واتخذ البطريرك ابراهام اسم بطرس الأول· وتحرّرت الطائفة الأرمنية الكاثوليكية من التبعية المدنية للبطريرك الأرمني الأرثوذكسي في منتصف القرن التاسع عشر·
كُوّنت النيابة البطريركية الأرمنية في القدس برعاية البطريركية اللاتينية· وأوّل نائب بطريركي أرمني في القدس هو الأب سيروب تافيديان عام 1855· وقد التحق الأب المذكور بالإكليروس البطريركي اللاتيني وظلّ يسكن في دار البطريركية اللاتينية إلى أن بُنيت دار النيـابه البطـريـركيـة الأرمنيـة عـام 1885· وللأرمـن كنيسـتان فـي القدس في المرحلتين الثالثة والرابعة من درب الصليب، ودشّن البطريرك اللاتيني عام 1897 كنيسة المرحلة الثالثة(33).

horizontal rule


5 - الـروم الكاثولـيـك الملكـيون:(34 ).
ظهرت بوادر الاتحاد مع روما في بطريركية أنطاكيا الأرثوذكسية في القرن السابع عشر في الظروف عينها التي مرت بها الكنيستان الأرمنية والسُريانية· ورعى الرهبان اللاتين هذه البوادر التي أسفرت عن تكوين بطريركية الروم الكاثوليكية الأنطاكية في القرن الثامن عشر· ففي عام 1682، أبدى أسقف صيدا الأرثوذكسي أنثيموس صافي مشاعره الموالية للكنيسة الكاثوليكية ورغبته في تحقيق الاتحاد معها· وفي عام 1697 انفصل بعض رهبان دير البلامند عن ديرهم، وشكلوا في وادي الجماجم بالقرب من قرية الشوير الرهبنة الباسيلية الشويرية التي تُعَد أوّل رهبنة ملكية كاثوليكية متحدة بروما· أما أسقف بيروت سلفستر دهان، فقد بعث إلى روما عام 1701 صورة إعلان إيمانه الكاثوليكي، فقبلها البابا اكليمنضوس التاسع· واتخذ الكرسي الرسولي موقفاً إيجابياً تجاه الإكليروس والمؤمنين الذين أعلنوا وحدتهم بروما وخرجوا على طاعة العناصر اليونانية المسيطرة على البطريركية الأنطاكية والأورشليمية، فعّين في 6/12/1701 أسقف صيدا انثيموس صافي مدبراً رسولياً للمؤمنين الراغبين في الاتحاد بروما في بطريركية أنطاكيا، على أن لا يكونوا قد دخلوا في طاعة أسقف آخر متحد بروما(35). لأنه كان آنذاك أساقفة من غير الكنيسة الأرثوذكسية قد أعلنوا اتحادهم بروما· ويُعد بذلك انثيموس صافي "أعظم من نشر الكثلكة في بطريركية أنطاكيا خارج نطاق حلب ودمشق"(36)، أمّا السلطنة العثمانية فقد اتخذت موقفاً معادياً من الجماعات الملكية الكاثوليكية(37).
بوفاة بطريرك أنطاكيا الأرثوذكسي، تمّ انتخاب بطريركين في آن واحد· فانتخب الفريق الموالي للكثلكة سيرافيم طناس ونصّب في 20 أيلول 1724، ولُقّبَ بكيرلّس السادس طناس، وانتخب الفريق الموالي للأرثوذكسية سلفستر القبرصي ونُصب بطريركاً في 27 أيلول· وكان على روما أنْ تتخذ قراراً وتحسم الوضع· ففي مجمع نشر الإيمان توالت الجلسات من 15 أيار - 5 تموز 1728، واعترفت روما بكيرلّس السادس طناس بطريركاً على الروم الكاثوليك الملكيين· ومنذ عصر كيرلّس لم تنقطع سلسلة البطاركة الذين منحهم البابا اكليمنضوس الرابع عشر عام 1773 الحق في ممارسة صلاحياتهم الأسقفية الرعائية على الروم الكاثوليك الملكيين المقيمين في البطريركيتين الأورشليمية والإسكندرية· والعقبة التي واجهت البطريركية الأنطاكية الجديدة هي أنّ السلطات العثمانية لم تعترف بالبطريرك الكاثوليكي الأنطاكي مدنياً حتى منتصف القرن التاسع عشر في عصر البطريرك مظلوم·
أ - استقلال طائفة الروم الكاثوليك وغيرها من الطوائف الشرقية مدنياً في عهد البطريرك مكسيموس الثالث مظلوم·
شكّل احتلال محمد علي لبلاد الشام وما تبع ذلك من تداخلات دولية ومؤتمرات، نقطة تحول مهمة في تاريخ الكنائس الشرقية، إذ إنّ هذه الأحداث دفعت السلطنة لمزيد من الانفتاح والتسامح تجاه الطوائف المسيحية· فإن العلائق الدولية بين الأستانة والدول الأوروبـيــة علـى أثـر أحـداث محمـد علـي، أدّتْ بالسـلطنة إلى منح المزيد من الحريات الدسـتوريـة لـرعـايـاهـا، واسـتفاد المسـيحيون من هذا الوضـع خـاصـة أولئـك المتحدين بروما(38). فأسرع البطاركة المتحدون بروما إلى اغتنام الفرصة للتحرر من الوصاية المدنية لبطريرك إسطنبول الأرثوذكسي المفروضة عليهم· ولعبت شخصية البطريرك الملكي مكسيموس الثالث مظلوم دوراً مهماً في تحرر كنيسته والكنائس الأخرى المتحدة بروما·
ولد البطريرك مكسيموس الثالث مظلوم سنة 1779، وهو حلبي الأصل، وأحد تلاميذ المتروبوليت الملكي الكاثوليكي جرمانوس آدم، ورسمه الأخير كاهناً عام 1806 وعيّنه أمين سر له· وبعد وفاة جرمانوس رُقيَ إلى الدرجة الأسقفية عام 1810 على يد البطريرك اغابيوس مطر· لم ترضَ الفئة المناوئة لجرمانوس آدم في حلب بمظلوم أسقفاً عليها، ورُفِعَت قضيته إلى روما واتهِمَ بالغليكانية، فلم يستطع تسلّم أبرشيته فأرسله البطريرك إلى روما وعيّنه وكيلاً عنه، فساح في أنحاء أوروبا حتى عام 1831، وأسّس خورنية مرسيلية الملكية عام 1820· توفي البطريرك اغناطيوس القطان في 13 آذار 1833 فعقد الأساقفة مجمعاً انتُخِبَ فيه مظلوم في 24 آذار 1833، واعترف البابا بصلاحياته سنة 1836· وفي عهد مظلوم، حُلّت قضية القلنسوة عام 1848، وهي أن يستعمل الملكيون الكاثوليك القلنسوة الشرقية أُسوة بالأرثوذكس على أنْ تكون مسدسة الزوايا بنفسجية اللون، إذ إن الأرثوذكس احتجوا على ارتداء الكاثوليك زياً كزيهم، أو أن يتشبهوا بهم في ثيابهم الكهنوتية·
وقد تمّ تحرير الروم الكاثوليك وغيرهم من الطوائف الشرقية الكاثوليكية من التبعية المدنية للبطاركة الأرثوذكس على ثلاث مراحل هي:
1 - مثّل مصالح الكنائس الأرثوذكسية (الخلقدونية) لدى الباب العالي البطريرك الأرثوذكسي القسطنطيني· كما مثّل البطريرك الأرمني القسطنطيني مصالح الكنائس الشرقية غير الخلقدونية كالأرمن والسُريان· فالكنائس الشرقية المتحدة بروما وإن اعترف الكرسي الرسولي بها، ظلّت محلياً في نظر الأستانة تابعة للسلطات الدينية غير المتحدة بروما من الناحية المدنية، إذْ إن البطريرك في النظام الملّي يمثّل الملّة لدى السلطات العثمانية دينياً ومدنياً·
المرحلة الأولى من تحرير الكنائس الكاثوليكية تمّت في 3 حزيران 1834، بأنْ صدر في الأستانة فرمان عيّن فيه العثمانيون الكاهن الأرمني الكاثوليكي هاجوب تشكوريان رئيساً دينياً ومدنياً على الملّل المتحدة بروما· ومثّل هذا الكاهن ــ البطريرك (وبطريرك هنا منصب مدني وليس كنسياً) مصالح الكنائس الشرقية المتحدة بروما وهي: الموارنة والروم الكاثوليك والسُريان الكاثوليك والأرمن الكاثوليك والكلدان، فتحرّرت هذه الكنائس من وصاية البطريركين الـرومـي والأرمنـي الأرثوذكســيين المدنية المفـروضة عليـها· وصـلات بطاركة الكنائس الشرقية بالكاهن - البطريرك الأرمني من الناحية المدنية، هي كتلك الصلة القائمة بين البطريرك ومساعديه أو نوابه(39). فإن التغييرات الداخلية والدولية التي طرأت على الساحة العثمانية اجازت هذا التنظيم الجديد: "لقد تقلّص النفوذ اليوناني أثناء حرب تحرير اليونان، وعطف الرأي العام الأوروبي على الطوائف الكاثوليكية لقسوة ما تحملته من اضطهاد وتعسّف، فتمكّن الدبلوماسيون الكاثوليكيون من الضغط على الحكومة العثمانية لاعتاق الكاثوليكيين من تبعية البطاركة الأرثوذكسيين، وقد آزرتهم في ذلك أفكار الحرية والمساواة التي انتشرت آنذاك في جميع أرجاء السلطنة العثمانية· فأُجبِرَ السلطان على إقرار حقوق النصارى عامة في أمور الدين والسياسة والضرائب والجيش، وحقوق الكاثوليكيين خاصة في أمر استقلالهم عن الطوائف الأرثوذكسية"(40).
2 - في المرحلة الثانية حصل البطريرك مظلوم على ممارسة صلاحياته الدينية والمدنية على طائفة الروم الكاثوليك عام 1837، "مما جعل منه شخصية مهمة جداً"(41). وعلى الصعيد الكنسي طلب البطريرك من البابا غريغوريوس السادس عشر أنْ يمنحه لقب >بطريرك أنطاكيا والإسكندرية وأورشليم<، والجديد في اللقب إضافة >أورشليم< كإنعام شخصي لا يُنْقل إلى خلفائه(42). ولكن في الواقع أنعم الكرسي الرسولي على خلفائه بلقب بطاركة أورشليم·
3 - أقام البطريرك مظلوم بين عامي 1841 - 1848 في إسطنبول، وسعى لدى الحكومة العثمانية في أمر تحريره كلياً من سلطة الكاهن - البطريرك الأرمني، والحصول على الحقوق والامتيازات نفسها التي كان بطريرك القسطنطينية الأرثوذكسي يتمتع بها· فنال من السلطان عبد الحميد في 7 كانون الثاني 1848 براءة بسلطته المدنية على الروم الكاثوليك· فتحرّرت الطائفة كلياً من كل سلطة خارجية، فبنى في القسطنطينية كنيسة وأقام فيها نائباً بطريركياً يمثّله لدى الباب العالي· وحصلت بقية الطوائف الكاثوليكية الشرقية على الامتيازات عينها التي حصل عليها البطريرك مظلوم، واعترفت السلطنة العثمانية بسلطة بطاركتها المدنية، فانتهى بذلك الدور المؤقت الذي قام به الكاهن - البطريرك الأرمني الكاثوليكي في إسطنبول(43).
ب - أبرشية عكا للروم الكاثوليك:
تقع منطقة الجليل جغرافياً شمال فلسطين، ولكن إدارياً في الكنيسة الملكية الكاثوليكية يتبع الجليل ومركزه أبرشية عكا متروبوليت صور، الذي يتبع بدوره بطريرك أنطاكيا· وسبق تكوين أبرشية عكا قيام النيابة البطريركية الأورشليمية للروم الكاثوليك(44). وأقدم المراجع تثبت تبعية عكا لصور في عصر أول البطاركة الملكيين الكاثوليك كيرلّس السادس طناس 1734 - 1759(45). وذَكرَ اسقفها مكاريوس العجمي عام 1759 على أنّها تابعة لبطريركية أنطاكيا(46). والاحصاءات المتوفرة حول أبرشية عكا تعود لعام 1907 ونلخصها كما يلي(47): عدد المؤمنين 923ر13 نسمة، عدد الكهنة 38 منهم 24 راهباً مخلصيّاً· عدد المدارس 17 للذكور و 10 للإناث· ومركز الأبرشية عكا وفيها كنيسة واحدة ويقيم فيها الأسقف وكاهن واحد وأربعة رهبان مخلصيين، وفي الرعية مدرسة للذكور وعدد مؤمنيها 580 نسمة· وتضم أبرشية عكا 32 قرية ومدينة مجموع كنائسها 98 كنيسة(48) ·
جـ - الروم الكاثوليك في أبرشية أورشليم البطريركية في عهد البطريرك مكسيموس الثالث مظلوم (1833-1855) - النصف الأول من القرن التاسع عشر-
لم تُكوّن الكنائس الكاثوليكية الشرقية ثِقلاً دينياً ومدنياً في فلسطين لقلّة عدد أتباعها مقارنة بالكنائس الكبرى، ولتأسيسها الحديث في البلاد المجاورة لفلسطين، لذا مثّل هذه الكنائس نواب بطريركيون تقلدوا أحياناً الدرجة الأسقفية· لم تحتج هذه الكنائس على مبادرة الكرسي الرسولي بإعادة تأسيس البطريركية اللاتينية سنة 1847، ولم تصطدم مصالحها بمصالح البطريركية أو الآباء الفرنسيسيين، إذْ ليس لها طموحات معينة في فلسطين أو حقوق في الأماكن المقدسة حسب فرمانات الستاتوكوو· اختلف هذا الواقع بالنسبة لكنيسة الروم الكاثوليك، التي عَدّت نفسها وريثة الكثلكة في فلسطين بجناحيها الشرقي والغربي ·
الكنيسة الملكية سورية المنشأ ترعرعت في الديار السورية واللبنانية ثم امتدت إلى فلسطين، فظلّ مركز ثقلها في سوريا حيث أقام بطاركتها، "في بطريركيتي الإسكندرية والقدس عدد ضئيل من الكاثوليك الملكيين ومعظمهم مهاجرون من سوريا ولبنان، ورعى هؤلاء المؤمنين الآباء الفرنسيسيون إلى أنْ صدر قرار مجمع نشر الإيمان في 13 آب 1773 الذي عهد بإدارة شؤونهم للبطريرك الملكي الأنطاكي المقيم في لبنان"(49). ويؤكد هذه الحقيقة المؤرخ سيريل شارون: "كانت تقيم فئة قليلة العدد من الملكيين الكاثوليك في الناصرة عام 1772، والناصرة تابعة لأبرشية عكا، التي بدورها تبعت بطريركية أنطاكيا· أمّا القدس فَحُلّت قضية المؤمنين الملكيين فيها بأن ضُمّت إلى بطريركية أنطاكيا، وعدد مؤمنيها قليل جداً· ولا يوجد في هذه البلاد (أي القدس) سلطات كنسية ملكية متكاملة، فبطريرك أنطاكيا هو المدبر الرسولي لمؤمني القدس، ومثّله نائب بطريركي بدرجة أسقف أحياناً"(50). وفي موضع آخر يحدد شارون أنّه في منتصف القرن التاسع عشر:" لم يكن في المدينة (القدس) إلا ثلاث أسر ملكية وعشرون في يافا"(51)، وأنّ عائلات القدس الثلاث هي أسر ثلاثة موظفين عثمانيين(52). أما تقرير وزارة الخارجية الفرنسية (1842 - 1843) الذي يذكره حجّار فيقدر عدد الروم الكاثوليك في القدس بخمسين نفساً(53).
هناك نظريتان لشرح هذا الواقع، أي عدم تطور كنيسة الروم الكاثوليك ونموها أسوة بالبطريركية اللاتينية التي أُعيِدَ تأسيسها عام 1847· النظرية الأولى لمؤرخ البطريركية اللاتينية الأب بيير مدبييل، ويتفق معه في الرأي مؤرخ الكنيسة الملكية سيريل شارون وندعوها اصطلاحاً >نظرية مدبييل<، أما النظرية الثانية فهي لمؤرخ الكنيسة الملكية المنسنيور جوزيف حجّار وندعوها اصطلاحاً >نظرية حجّار<·
1 - >نظرية مدبييل<(54).
تحققت امكانات نمو الكنيسة الملكية الكاثوليكية في سوريا وليس في فلسطين لسببين: اولاً، سيطرة أخوية القبر المقدس اليونانية على الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين، فقد حافظت الأخوية على امتيازاتها وحقوقها في الأماكن المقدسة وقاومت أي حركة تحرر عربية في الكنيسة الأرثوذكسية· وظاهرة الكنيسة الملكية الكاثوليكية المتحدة بروما أصلاً حركة تحرر عربية من استبداد العثمانيين واليونان، لهذا قاومها الإكليروس اليوناني· ثانياً، الاحتكار الفرنسيسي للعمل الإرسالي في فلسطين الذي لم يوفر جواً مشجعاً لنموالكثلكة في الطقس الشرقي· والاحتكار الفرنسيسي كان ساري المفعول على الرهبان اللاتين من غير الفرنسيسيين الذين رغبوا في العمل في فلسطين· وأولت حراسة الأراضي المقدسة رعايتها للنفر القليل من الكاثوليك الشرقيين في فلسطين، ومنهم قلة في القدس· بإعادة تأسيس البطريركية اللاتينية في عهد البطريرك فاليركا عام 1847، كُسِرَ طوق الاحتكار الفرنسيسي - اليوناني، وفُتِحَت فلسطين للعمل الإرسالي بكل صوره، ونال الأردن نصيبه من النهضة الدينية التي قادتها البطريركية، إذْ كان نسياً منسياً على هامش الحياة الكنسية الفلسطينية·
ويعلّل شارون ضعف الكنيسة الملكية في فلسطين بقوله: "إنّ السبب الحقيقي نجده في تدني مستوى الإكليروس الذي عهدت إليه خدمة الملكيين: فالكهنة الأبرشيون متزوجون، وهم أصلاً من الفلاحين الذين انتقلوا من الأعمال الزراعية إلى خدمة الهيكل في غضون شهرين أو ثلاثة من الاستعداد السريع· أما الرهبان الباسيليون، فليسوا أفضل ثقافة من الكهنة الأبرشيين"(55)· ويمتدح شارون الإكليروس البطريركي اللاتيني الذي لديه موارد مادية جيدة أحسن استغلالها· والإكليروس اللاتيني خليط من الأجانب والعرب، ويتفق الجميع على حسن إعداد هذا الإكليروس· وبما أنّ غاية العمل الرسولي الكاثوليكي خلاص النفوس المنتمية إلى أي طقس ليتورجي، والإكليروس الملكي حتى وقتنا هذا (1911) غير قادر على خدمة الرعايا الفلسطينية كما يجب، لذا علينا أن نفرح لما يقوم به الإكليروس اللاتيني من أجل المؤمنين وإنقاذهم من الإهمال المقصود الذي أراده الإكليروس اليوناني في القدس، وغاية هذا الإكليروس ليس بكل تأكيد الاعتناء بالأمور الروحية· ولكن من المتفق عليه في حين تطور الإكليروس الملكي وتحسن إعداده وتثقيفه، سيأخذ مكانه المناسب في فلسطين وغيرها من المناطق· ويصرح كثيرون من الإكليروس البطريركي اللاتيني أنّ رعاة النفوس الشرقيين في حين إعدادهم وتثقيفهم تثقيفاً جيداً، سوف ينضم إليهم الكثيرون ممن تبعوا الطقس اللاتيني وغيرهم من المسيحيين أيضاً(56).
يقدّم شارون ثلاثة حلول لقضية الطقوس والصلاحيات الملكية واللاتينية المتداخلة في فلسطين(57):
أ - أن تهمل الكنيسة المؤمنين وتتركهم لمصيرهم المحتوم في جهلهم الديني، أي أنْ تتوقف البطريركية اللاتينية عن ضمّ المهتدين للكثلكة إليها، وهذا أمر لا يليق بالكنيسة الكاثوليكية·
ب - أنْ يتحول كهنة البطريركية اللاتينية إلى الطقس الملكي الشرقي، بما في ذلك من صعوبات على صعيد الصلاحيات الأسقفية· ويُعلّق شارون على ذلك بقوله: يكفي أنْ نعرف طبيعة الشرق لندرك استحالة هذا الحل عملياً، فكيف سَيَنْضَمّ اليوم (1911) إكليروس بكامله، فيه عدة كهنة من أصل أوروبي إلى كنيسة لم يقم فيها تشريع كنسي واضح المعالم ونظام راسخ بعد ستين سنة من الأحداث التي ذكرناها (أي منتصف القرن التاسع عشر)(58).
جـ - الحل الثالث أنْ ينضمّ المهتدون للكثلكة إلى البطريركية اللاتينية باتباع الطقس اللاتيني كما تمّ حتى يومنا هذا (1911). ويكفي أن نتفحص بتمعن سير الأمور لنرى "أن ظروفاً قاهرة على الصعيد المكاني وخاصة الشخصي حدت بالكرسي الرسولي على تبني هذا النظام الذي يبدو للوهلة الأولى مضاداً لمبدأ الحفاظ على الطقوس الشرقية في الكنائس الشرقية"(59)(60)·
2 - >نظرية حجّار<(61):
صاحب هذه النظرية المنسنيور جوزيف حجّار وملخصها: إنّ سياسة البابا بيوس التاسع هي استيعاب الكنائس الشرقية وصهرها في البوتقة اللاتينية الرومانية من خلال عمل المرسلين الأوروبيين· إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية على يد بيوس التاسع حقق هذه السـياسـة: "إن إعـادة تأسـيس البطريركية الـلاتينية يـذكّر بالتجربة الصليبية في المدينة المقدسة، ويؤكّد ميل الكثلكة الرومانية للامتداد في قلب الشرق المسـيحي"(62). فقامـت إذاً البطريركيـة اللاتينية بالاشـتراك مع حـراســة الأراضي المقدسـة بلتْنَنَة الشـرقيين في حضن البطريركية اللاتينية، على حساب الكنائس الشرقية المتحدة بروما(63).
لا شكّ أنّ نظريتي مدبييل وحجّار تحملان في طياتهما جزءاً من الحقيقة· ويظل رأي شارون الأفضل في هذه القضية الشائكة، ذلك "أنّ ظروفاً قاهرة على الصعيد المكاني وخاصة الشخصي، حدت بالكرسي الرسولي على تبنّي هذا النظام الذي يبدو للوهلة الأولى مضاداً لمبدأ الحفاظ على الطقوس الشرقية في الكنائس الشرقية"(64).
ومع الأخذ بعين الاعتبار الظروف التي مرّ ذكرها، فقد نالت فلسطين نصيبها من الازدهار العام الذي دبّ في الكنيسة الملكية الكاثوليكية في القطر السوري في عصر البطريرك مكسيموس الثالث مظلوم· فهبّت ريح التطور والتقدم من الشمال السوري إلى فلسطين في الجنوب، وأنجز رجال الكنيسة السورية بعض المشاريع المهمة في فلسطين فقد كانت بلاد الشام وحدة واحدة متماسكة في العصر العثماني· وأهمّ الإنجازات والمشاريع في النيابة البطريركية الأورشليمية في عهد البطريرك مظلوم ما يلي(65):
3 - الكاتدرائية ودار النيابة البطريركية في القدس:
لم يكن للروم الكاثوليك في القدس مقر أو كنيسة حتى الثلاثينات من القرن التاسع عشر، "فما أن امتدت صلاحيات مظلوم إلى المدينة المقدسة، حتى تمنّى أنْ يبني فيها مقراً وينقل إليها معهد إكلـيريـكي عين طـراز"(66). ورفـض الأســاقفة اقتراحـه بنقـل المعهد الإكليريكي إلى القدس أثناء انعقاد مجمع القدس(67). وتعززت صلاحيات مظلوم في القدس لمّا منحه البابا غريغوريوس السادس عشر إنعاما شخصياً لقب بطريرك أنطاكية والإسكندرية وأورشليم· فكلّف البطريرك سنة 1836 انطون أيوب أفندي، زعيم طائفة الروم الكاثوليك في القدس بشراء الأرض الضرورية لبناء كنيسة كاتدرائية ومقر· فحاول انطون أيوب شراء الصلاحية، وهي قديماً حسب التقليد الكنسي بيت جَديّ السيد المسيح يواكيم وحنّه، بالقرب من باب القدس الشرقي المعروف بباب الأسباط أو باب ستي مريم، فلم تفلح مساعيه، فاشترى أرضاً واسعة بالقرب من باب الخليل· وبدأ البناء عام 1844 بعد أن منحت السلطنة الفرمان لبناء الكنيسة والمقر البطريركي· ويذكر ذلك مؤرخ يوناني عاش في القدس يسمى نيوفيت القبرصي (Neophyte de Chypre) في مخطوطة حققها هنري موسيه: "اشترى آنذاك الكاثوليك العرب أرضاً فيها بيت متهدم وحديقة· ولما بدأوا بـناء الأسـاسـات من حـسن حظهـم أنّهـم عثروا على أخـربة فـيها حجـارة تصلـح للبناء· والكنيسة مكونة من ثلاثة أروقة، ويسكن البيت حالياً راهبان وشماس وخادم"(68)·
وصل البطريرك مظلوم إلى القدس في 6 نيسان 1848 وقدكان العمل على وشك الانتهاء منه في الكنيسة، فلم يبقَ إلاّ بناء القبة· وأتى البطريرك من صيدا قاصداً عكا فيافا ثم القدس، وكان قد حصل على الفرمان العثماني في 7 كانون الثاني 1848، الذي يحرر كلياً الروم الكاثوليك دينياً ومدنياً، فاستُقْبِلَ كالمنتصر، إذْ إنه محرر الملّة الرومية الكاثوليكية ومحـقق اسـتقلالها(69). وتعود أهمية الكنيســة لأنهـا تعـني "نصـراً أدبيـا علـى اليونـانيين المتسلمين كنيسة القيامة في المدينة المقدسة، التي لم يجرؤحتى ذلك الحين كاهن كاثوليكي من الطقس الشرقي على إقامة قداس فيها إلاّ سراً أو بصفة خاصة (أي ليس قداساً عاماً يحضره المؤمنون) في إحدى المزارات الفرنسيسية(70). " دشّن البطريرك الكنيسة في 24 أيار 1848، وسُمّيت كنيسة البشارة، ووضع حجر الأساس للهيكل· "وبلغت النفقات نحو خمسين ألف قرش، وهو مبلغ كبير، دفع البطريرك مكسيموس مظلوم نصفه على الأقل من ماله الخاص، وعمل اكتتاباً بين عامة الشعب في سائر الأبرشيات لدفع الباقي"(71).
غادر مظلوم القدس في تشرين الأول 1848 إلى دمشق بطريق البر، والتقى بطريرك أنطاكيا الأرثوذكسي، على الرغم مما بينهما من خلاف حول قضية القلنسوة وغيرها من القضايا· وفي 14 آذار 1849 أصدر البطريرك بياناً إلى أساقفته دعاهم فيه إلى مجمع يُعقَد في القدس· فغادر دمشق في 17 آذار، ووصل القدس في 12 أيار 1849·
4 - سنودس القدس:
احتجّ ثلاثة أساقفة على عقد المجمع في القدس ورفعوا احتجاجهم إلى روما، مبدين أسباب معارضتهم وهم: متروبوليت صور اغناطيوس قاروط ومتروبوليت بيروت اغابيوس رياشي وأسقف بعلبك اثناسيوس عبيد:"فالقدس بعيدة والسفر اليها صعب ومكلف، ولم يكن فيها آنذاك إلاّ ثلاث عائلات ملكية، وهي عائلات موظفين حكوميين· وطالب الأساقفة أن يعقد السنودس في سوريا وأن يرأسه مندوب عن الكرسي الرسولي"(72). أخفقت المعارضة، وعقد السنودس جلساته العشر في القدس بين 24 أيار - 25 حزيران 1849(73). ودار السنودس حول أمور تنظيمية ولاهوتية وقانونية خاصة بالكنيسة الملكية، ووقعت خلافات جذرية بين المجتمعين، مما أدّى إلى زعزعة الثقة بقرارات السنودس التي وقعها الأساقفة بعد تردد (70) "فقد سعى البطريرك إلى أنْ يوقع الأساقفة القرارات التي كان قد صاغها وأنْ تُنفّذ حالاً· فأشار بعض الأساقفة بوجوب مصادقة الكرسي الرسولي أولاً على القرارات· فأجابهم البطريرك مكسيموس: "وهل يتوجب علينا أن نرفع كل أمر من أمورنا إلى الكرسي الرسولي؟ فنحن ملتئمون في سنودس ونقرر ما نراه مناسباً"(75)·
أدّت الخلافات إلى زعزعة الثقة بالسنودس فلم تقره روما· فرُفِعَت القرارات إلى الكرسـي الرسـولـي وتقع فـي خمسـة أجـزاء مقسـمة علـى فصـول ومـواد: في الأسرار والسلطات الأسقفية والنظام الكنسي والحياة الرهبانية والليتورجيا وخمسة ملاحق· فعهد بها الكرسي الرسولي للبطريرك اللاتيني فاليركا لدراستها بصفته مستشاراً للكرسي الرسولي، فخبرته الجيدة بالشرق أهّلته لهذه المهمة، "وقدّم دراسة مطولة بالإيطالية حول القرارات، ولكنه لم يتطرق إلاّ للفصول الأربعة الأولى من الجزء الأول· ودراسته غير متحيزة بل مشجّعة، ولكنه لم يتردد في الانتقاد حيث تدعو الضرورة لذلك"(76)· فلم يصادق الكرسي الرسولي على قرارات السنودس، ويعزو حجّار ذلك إلى اعتراضات الأساقفة التي شكّكت في السنودس، مما حدا بالدوائر الرومانية إلى تجميد قراراته في 9 حزيران 1850(77)· ورفع الأساقفة الثلاثة المذكورون آنفاً التماساً إلى روما في 30 آب 1850 يؤكدون فيه معارضتهم (78)(79)·
عزم البطريرك مظلوم على تعيين نائب له في القدس عام 1836، فرسم الأب إيليا فنده (ملاتيوس) أسقفاً لهذه الغاية· ولكن نيّة البطريرك لم تتحقق، وعيّن الأسقف المذكور نائباً له في إسطنبول· وفي عام 1846، عيّن الخوري الياس قطان نائباً له، واستمر الخوري قطان في منصبه حتى عام 1874· وفي عصره "اشترت البطريركية مقبرة للطائفة في شهر تشـرين الـثانـي 1848 وقـد تـولّـى أعمـال السـكرتـاريـا فـي المجـمع الأورشـليمي سـنة 1849"(80)·
توفي البطريرك مظلوم في 23 آب 1855، "وفي عهد بطريركيته ازداد عدد أبناء طائفته عشرين ألفاً، فأضحوا سبعين ألفاً· وكان عدد الأساقفة ثمانية فأصبحوا ثلاثة عشر· ويُعدّ البطريرك مظلوم من أكابر بطاركة الطائفة الملكية الكاثوليكية، إذ له عليها الفضل في تحريرها وتنظيمها"(81).
د - الروم الكاثوليك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر·
أثّرت شخصيتان فاتيكانيتان تأثيراً جذرياً في الكنائس الشرقية الكاثوليكية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهما، البابا بيوس التاسع والبابا ليون الثالث عشر·
1 - البابا بيوس التاسع (1846 - 1878):
كان الإنجاز الأول لبيوس التاسع إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية سنة 1847، ويُعدّ بذلك في نظر الشرقيين مُحَقّق مركزية الكنيسة الرومانية بلتْنَنَة الكنائس الشرقية: "في عهد البابا بيوس التاسع قويت في روما النزعة المركزية الخاصة بإدارة الكنيسة"(82)· أما المرسوم البابوي "Reversurus" الذي صدر في 12 تموز 1867 بمناسبة ارتقاء المطران حسّون السدة البطريركية الأرمنية، فيكرّس السمة المركزية الرومانية· وأهم ما جاء فيه: أنّ سنودس الأساقفة يُعْقَد برئاسة البطريرك دون اشتراك الكهنة أو تدخّل المؤمنين، وبوسع البابا التصديق على انتخابات الأساقفة الجدد أو رفضها(83)· ونتج عن المرسوم البابوي ردود فعل قوية في مختلف الكنائس الشرقية أدّت إلى أزمات حادة عصفت بالعلائق الطيبة بين الكنائس الشرقية والكرسي الرسولي· أما المجمع الفاتيكاني الأول (1869 - 1870)، فقد جاء في خط بيوس التاسع الإداري الرامي إلى تقوية النفوذ الروماني والتأكيد على العصمة البابوية [العصمة هي في التعليم البابوي الكنسي الرسمي بما يخص العقيدة المسيحية والأخلاق، وليس رأي قداسة البابا الشخصي]· أما >الرجل القوي< المقرّب من بيوس التاسع والخبير في شؤون الشرق، فكان بطريرك القدس اللاتيني فاليركا الذي أيّد مبدأ العصمة البابوية· وأبدى معظم الأساقفة المتحدين بروما "وجهة نظر الكنائس الشرقية في عدم مناسبة تحديد عصمة البابا، لئلا تتسع شقة الخلاف بينهم وبين الأرثوذكسيين· ولما أصرّت الأكثرية في المجمع على تحديدها، وافق على ذلك بطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس يوسف ووقع البيان المجمعي مع هذه الإضافة التي اقتبسها عن نص مجمع فلورنسا: >مع المحافظة على حقوق البطاركة<(84)· ففي نظر الشرقيين قد أسفر المجمع الذي لم ينه أعماله عن إخفاق ذريع فيما يخص الكنائس الشرقية(85)· أمّا عصر بيوس التاسع فلا يتفاءل به الشرقيون عموماً خيراً، وخيّم توتر شديد على السنوات الأخيرة من حبريته، وحتى وفاته ظلت القضايا الرئيسة مُعلّقة دون حل· وعانت الكثلكة الشرقية أزمة ثقة في أسباب وجودها ومصيرها(86)·
2 - البابا ليون الثالث عشر (1878 - 1903):
يُشكّل عصر البابا ليون الثالث عشرعهد انفراج وازدهار، وهو الذي أبدى " تفهّماً أوسع لأوضاع الكنائس الشرقية"(87)· فقد تقرّب ليون الثالث عشر من الكنائس الشرقية الأرثوذكسية والكاثوليكية، وعمل جاهداً على تقوية الوحدة الكنسية الشرقية المتصدعة وإعادة الثقة المتبادلة بينها وبين الكرسي الرسولي ·
قابل الشرقيون انتخاب ليون الثالث عشر بسلبية وتشاؤم، إلى أن أبدى حسن نيته في إشراك الشرقيين بتحضير وتنفيذ برامجه الرامية إلى نهضة الكنائس الشرقية· وملخص سياسة ليون الثالث عشر، العمل على نهضة الشرق بمشاركة الشرقيين أنفسهم· وأبدى احترامه وحرصه على الطقوس الشرقية، فحرّك همّة الكنائس الشرقية لتقرير أهدافها وتثبيت دعائمها، وتمّ ذلك من خلال عدة مشاريع لتنميتها وتقويتها: فافتُتِحَ المعهد الإكليريكي الملكي في القدس عام 1882، والأرمني 1883 في روما(88)· وكما كان المجمع الفاتيكاني الأول قمة خط بيوس التاسع في إدارة الكنيسة، كان مؤتمر القدس القرباني الذي عقد عام 3981 في القدس تتويجاً لسياسة ليون الثالث عشر الشرقية الرامية إلى نهضة الكنائس الشرقية·
3 - مؤتمرالقدس القرباني سنة 1893:
عُقِدَ المؤتمر القرباني في القدس بين 13 - 12 أيار 1893· وترأس جلسات المؤتمر مبعوث البابا الخاص الكردينال لانجينيه (Langénieux)· وعُقِدَت جلسات المؤتمرالثماني في كنيسة المخلّص الفرنسيسية· وأمّ القدس ألف حاج أوروربي كاثوليكي لزيارة الأماكن المقدسة وحضور جلساته· واشترك في أعماله بطريرك القدس اللاتيني بيافي وبطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس يوسف وممثلو الكنائس الشرقية وعدد من الأساقفة ورؤساء الأديار الرهبانية· ووصف المؤتمر بأنه مجمع كنسي مُصغّر عقد في قلب السلطنة العثمانية(89)· وجاء المؤتمر ضمن خطة ليون الثالث عشر ونظريته للشرق المسيحي، "وما أن عقد المؤتمر القرباني في القدس، حتى أخذ الكرسي الرسولي يعمل على إظهار نيته الحسنة بكل الوسائل لتشجيع رجوع الأرثوذكسيين إلى الكثلكة· أما الحفاظ على الطقوس الشرقية فقد كانت أهم ركائز سياسة ليون الثالث عشر"(90)· كما يُعَد المؤتمر وثيقة أساسية "لتنـظيم العلائق بين الكنائس الشرقية والمرســلين الـلاتين"(91)· ويـرى كـلــود سـيتـنـس (Claude Soetens) ما للمؤتمر من صلة في التقارب الكاثوليكي الأرثوذكسي والحفاظ على الطقوس الشرقية في الكنيسة الكاثوليكية، فيقترح إدراجه في تاريخ العلائق بين الكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنائس الشرقية وليس ضمن المؤتمرات القربانية· إذْ إنّ المؤتمر لم يبحث أموراً لاهوتية بقدر ما ناقش مواضيع إدارية كنسية مشرقية(92). فقد إتّجه ليون الثالث عشر منذ اعتلائه السدة البطرسية إلى فتح قنوات الاتصال بين الكرسي الرسولي والدول غير الكاثوليكية، كروسيا القيصرية والسلطنة العثمانية، دون اللجوء إلى الدور الفرنسي التقليدي بتمثيل الكثلكة في الشرق· وقد احتكرت فرنسا هذا الدور لقرون طوال خلت· كما أن الطريق الوحيد للكنائس الشرقية للتخلص من الهيمنة الروسية عليها، هي العودة إلى الكثلكة مع الاحتفاظ بطقوسها واستقلالها· وأخذ البابا بعين الاعتبار تيار اللتْنَنَة القائم، وقد اتُهِمَت به حراسة الأراضي المقدسة والبطريركية اللاتينية ومجمع نشر الإيمان، وقاد هذا التيار رجال الكنيسة الإيطاليون· أما تيار الكنائس الشرقية المتحدة بروما، فتبناه الآباء الانتقاليون، وقاده العنصر الفرنسي من رجال الكنيسة· وقد لمس الفرنسيون أنّ مجمع نشر الإيمان يميل إلى الاستغناء عن الدور الفرنسي او التقليل منه في الوساطة التقليدية بين الكنيسة والسلطات العثمانية· راهن الآباء البيض والانتقاليون على خيار الكنائس الشرقية الكاثوليكية، وعلى دور هذه الكنائس في تقديم الكثلكة للشرقيين، وليس الكنائس اللاتينية والمرسلين اللاتين، فَعُدّ وجودهم وعملهم في الشرق تعدياً على حقوق الشرقيين واستقلالهم· أمّا على الصعيد السياسي، فقد خشيت الدول الكاثوليكية تعاظم النفوذ الفرنسي على حسابها في السلطنة العثمانية من خلال المؤتمر القرباني والنهج المشرقي الكاثوليكي الذي رعاه الفرنسيون· وعلى الصعيد الكنسي، حقق المؤتمر هدفه في منح الكنائس الشرقية الكاثوليكية دورها في العمل الكنسي في الشرق، وربما على حساب المؤسّسات اللاتينية التي حاول ليون الثالث عشر كبح جماحها والحد من نشاطها· وأمّا هدف المؤتمر في التقارب الكاثوليكي الأرثوذكسي فقد أخفق، إذ عجز المؤتمرون عن جذب الكنائس الأرثوذكسية للكثلكة التي شكّت في حسن نية الكرسي الرسولي، وخشيت أن تكون مقولة الكنائس الشرقية صورة جديدة أو حلاً بديلاً للمؤسّسات والكنائس اللاتينية القائمة في الشرق·
تابع البابا ليون الثالث عشر سياسته المشرقية بعد اختتام المؤتمر القرباني، فعقد مؤتمراً في روما للأساقفة الشرقيين بين 24 تشرين الثاني - 14 كانون الأول 1894، فكان بمثابة >مؤتمر قمة<(93)(94)· وعقد المؤتمر ثماني جلسات ترأس معظمها البابا نفسه· وطلب البطريرك غريغوريوس يوسف تكوين مجمع خاص للكنائس الشرقية مستقل عن مجمع نشر الإيمان، فحقّق البابا طلبه وأمر بتشكيل >اللجنة الكردينالية الدائمة< في 19 آذار 1895، للعمل على الوحدة المسكونية والنظر في قضايا الكنائس الشرقية· وصدرت الرسالة البابوية >مقام الشرقيين< (Orientalium Dignitas) بتاريخ 30 تشرين الثاني 1894، فكانت الرسالة في الخط العام للسياسة الفاتيكانية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر التي تحث على دعم الكنائس الشرقية وتقويتها·
وقد أتاحت سياسة البابا ليون الثالث عشر المشرقية للكنيسة الملكية الكاثوليكية مزيداً من التطور والنمو، إذْ أخذت الكنائس الشرقية تلقى رعاية الكرسي الرسولي ودعمه· ونالت فلسطين حصّتها من النهضة التي عمّت الكنيسة الملكية· واعتلى العرش البطريركي الأنطاكي آنذاك البطريرك اكليمنضوس بحوث (1856 - 1864)، وحدثت في عصره أزمة تبنّي التقويم الغريغوري في الكنيسة الملكية· أمّا البطريرك غريغوريوس يوسف (1864 - 1897) فجدد المدارس وبنى أخرى جديدة وشيّد ما ينيف على عشرين كنيسة ورسم أحد عشر أسقفاً، ونظّم الأبرشيات وأسّس أخرى جديدة، وعاصر البابا ليون الثالث عشر· وأهم معالم تاريخ الكنيسة الملكية في فلسطين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ما يلي:
4 - النواب البطريركيون:(95)
شغل منصب نائب البطريرك الملكي الأنطاكي في القرن التاسع عشر في القدس تسعة نواب هم:
1) الخوري الياس قطان: (1846 - 1874) وهو أول نائب بطريركي، وعيّنه في القدس البطريرك مظلوم·
2) المطران امبروسيوس عبده: (1875 - 1876) رسم أسقفاً على اسم النيابة الأورشليمية سنة 1860، وأقام فيها دون أن يمارس صلاحياته النيابية حتى عام 1866، حيث نُقِلَ إلى زحلة· وبعد وفاة النائب الخوري الياس قطان (1846 - 1874) تسلّم المطران امبروسيوس عملياً نيابة القدس عام 1875 - 1876· وكان نائباًَ عن البطريرك غريغوريوس يوسف·
3) الخوري يوسف خوام: ( 1876 - 1880) وكان نائباً عن البطريرك غريغوريوس يوسف·
4) الخوري أغناطيوس معقد: (1881 - 1886) وكان نائباً عن البطريرك غريغوريوس يوسف· وفي عهده فتح الآباء البيض معهد القديسة حنّه الإكليريكي (الصلاحية)، وابتاعت البطريركية مرحلة درب الصليب السادسة عام 1883، وفُتِحَت رعية نابلس والرملة عام 1885، وفي العام نفسه أُغلقت رعية نابلس·
5) الخوري روفائيل زلحف:(1886) وكان نائباً عن البطريرك غريغوريوس يوسف·
6) الأرشمندريت باسيليوس امارة: (1886 - 1889) وكان نائباً عن البطريرك غريغوريوس يوسف· وفي عهده فُتِحَت إرساليتا بيت جالا وبيت لحم، ثمّ أُغلقتا·
7) الاكسرخس فيليب ملك: (1890 - 1895) وكان نائباً عن البطريرك غريغوريوس يوسف· وفي عهده فُتِحَت إرساليتا بيت ساحور والطيبة وعُقِدَ مؤتمر أورشليم القرباني عام 1893·
8) الخوري يوسف قاضي: (1895 - 1898) وكان نائباً عن البطريرك غريغوريوس يوسف ورُقّي عام 1903 إلى الدرجة المتروبوليتية على كرسي حلب، ثم انتُخِبَ بطريركاً على الكرسي الأنطاكي عام 1919 باسم ديمتريوس الأول·
9) الاكسرخس فيليب ملك (1899 - 1903) وكان نائباً عن البطريرك بطرس الرابع الجريجيري (1898 - 1902)· وأُسّست في عهده رعية رام الله عام 1899·
5 - معهد القديسة حنّه الإكليريكي (الصلاحية):
تقع كنيسة القديسة حنه والمعهد الإكليريكي وبيت الآباء البيض شرقي القدس داخل الأسوار، بالقرب من باب الأسباط إلى الجنوب من الحرم القدسي الشريف، في منطقة فسيحة تُعْرَف شعبياً بالصلاحية(96)· وتمنّى البطريركان فاليركا ومظلوم الحصول على الصلاحية لبناء دار البطريركية، فلم تفلح مساعيهما، فكانت من نصيب الحكومة الفرنسية، "على أثر حوادث القرم (1856) التي فيها انتصرت دولتنا (السلطنة العثمانية) على روسية صدرت الإرادة السنية بأن تمنح للدولة الفرنسوية منزل القديسة حنّه حيث تمّ سر الحبل بلا دنس وولادة العذراء"(97)· شرعت الحكومة الفرنسية بترميم الآثار القديمة من عام 1870 - 1877· وعُرِضَ على المنسنيور لافيجيري (Lavigerie)(89) رئيس أساقفة الجزائر ومؤسّس جمعية الآباء البيض أن يشرف كهنته على الموقع الفرنسي: " تمّ الاتفاق بين الجانبين: كنيسة القديسة حنّه أرض فرنسية يقوم بخدمتها اثنا عشر كاهناً من الآباء البيض، وتدفع لهم الحكومة الفرنسية راتباً سنوياً قدره 12 ألف فرنك، وعلى الآباء إنشاء مدرسة عليا للعلوم التوراتية والأثرية"(99)·
في الأول من شهر تشرين الأوّل عام 1878 جاء أربعة من الآباء البيض إلى القدس وتسلّموا كنيسة القديسة حنّه· وفي 26 تموز 1879 دشّن البطريرك اللاتيني منصور براكّو كنيسة القديسة حنّه المُرمّمَه· ولمّا زار لافيجيري القدس عام 1878 استقبله البطريرك اللاتيني، إذْ إنّ دير الآباء البيض ضمن صلاحياته الأسقفية· وسلّم القنصل الفرنسي لافيجيري مفاتيح الدير· وأبدى الكردينال احتراماً وتقديراً للكنائس الشرقية وطـقوسـها ودافـع عـن اسـتقلالـها، وعَدّ نـشر الطقـس اللاتيني بين أتبـاعـها تعـدياً علـى صـلاحـياتـها، فحـذر كهـنته من الانجراف فـي تيـار اللتْنَنَة:"إن لتْنَنَة الشرقيين خطر فادح ارتكبه المرسلون اللاتين في الشرق، فليس لتيار اللتْنَنَة حظ بالنجاح في الأيام القادمة"(100). فقد كان لافيجيري من محبي ومؤيدي الكنائس الشرقية، "واكتفى الآباء البيض الأوائل في القدس بدراسة الوضع القائم وجمع المعلومات بناء على توصية مؤسّسهم"(101)·
التزم لافيجيري بالاتفاق المُوقع مع الحكومة الفرنسية، ولكنه لم يتحمس لمشروع معهد عالٍ للدراسات التوراتية والأثرية· فقد أخذ الآباء الدومنيكيون على عاتقهم تنفيذ مثل هذا المشروع، فخطر بباله إنشاء معهد إكليريكي شرقي بإدارة الآباء البيض· وطرح الآبـاء البيض في القـدس عـدة أفكــار: كإقـامـة مســتشفى أو ميتم للأطفـال أو مـدرسـة زراعية أو رعاية مسيحيي شرق الأردن أو إنشاء معهد إكليريكي شرقي · وقد لفتت الفكرة الأخيرة اهتمام الآباء، إذ إنّ حالة الإكليروس الشرقي أثارت اهتمامهم(102).
وفي حزيران 1880، زار البطريرك غريغوريوس يوسف القدس، وطرح على رئيس الآباء البيض مشروع المعهد الإكليريكي: "لو أردتم أنْ تجمعوا في بيتكم هذا بعض الأولاد الشرقيين لكي تهذبوهم وتهيئوهم لأن يكونوا في المستقبل معلمين كاثوليكيين أو كهنة، لكنتم تؤدون إلى الشرق أجلّ الخدمات"(103)· ونُقِلَ الاقتراح إلى لافيجيري، فوافق الاقتراح أمنية الكردينال وتطلعاته(104)· عُرضَ المشروع على الحكومة الفرنسية مالكة الدير فأبدت رضاها، فالاقتراح يتجاوب مع تطلعات الحكومة الفرنسية في نشر اللغة والنفوذ الفرنسيين، فَمَنَحت الحكومة الفرنسية القروض الضرورية لافتتاح المعهد الذي عُدّ مدرسة فرنسية(105)· وعلى الصعيد الكنسي لم تجد روما مانعاً من أنْ يدير الآباء البيض معهداً إكليريكياً شرقياً، فصدر مرسوم عن مجمع نشر الإيمان في 18 آذار 1882 في هذا الشأن، مقرراً استقلال دير الآباء البيض تجاه الصلاحيات الأسقفية الإقليمية للبطريركية اللاتينية، وأن يتبع الدير مباشرة لروما من خلال القاصد الرسولي في سوريا، وكان آنذاك الفرنسيسي بيافي كحل مؤقت· وفي السنة عينها 1882، منح البابا المنسنيور لافيجيري درجة الكردينالية، فسأل الأخير الكرسي الرسولي "أن يتبع دير القديسة حنّه له مباشرة فكان له ذلك"(106)· فتمّت تبعيّة الدير مباشرة لروما من خلال إشراف الكاردينال عليه وليس القاصد الرسولي· ويُبَيّن العنوان الذي اختاره الأب كارالفسكي (شارون) لكتابه حول هذا المعهد الإكليريكي، طبيعة تكوين المعهد وإدارته: >المعهد الإكليريكي الملكي الكاثوليكي، دير القديسة حنّه في القدس، دراسة لمعهد إكليريكي شرقي بإدارة اللاتين<(107)·
في 2 كانون الأول 1882 بدأت السنة الدراسية بالمعهد بعشرين طالباً، وقسموا على صفين برعاية خمسة أساتذة· وسكن الطلاب الأوائل في مبنى دار النيابة البطريركية إلى أن جُهّز بناء المعهد في حرم دير القديسة حنّه، فانتقل إليه الطلاب في كانون الأول 1883· واشترى الآباء البيض بيتاً في عين كارم ليقضي فيه الطلاب العطلة الصيفية· وفي عام 1886 انتقل خمسة طلاب إلى دراسة الفلسفة في الإكليريكية الكبرى، ولغة التدريس فيها الفرنسية·
وفي عام 1890 أعطى المعهد أُكلَه برسامة الخريجين الأوائل وهما، الكسي عقل الدمشقي وثيودور صايغ الحلبي· وصارت الدراسة في المعهد بقسميه الأصغر والأكبر ثلاث عشرة سنة بدلاً من عشر سنوات· وتُدرّس المواد التالية في الإكليريكية الصغرى: العربية، الفرنسية، اللاتينية، اليونانية، التاريخ، الجغرافيا، العلوم والترنيم الكنسي، ولغة المخاطبة اليومية هي الفرنسية(108)· أما مساقات الإكليريكية الكبرى فهي: الفلسفة، اللاهوت العقائدي والأدبي والرعائي والروحي، الكتاب المقدس، الحق القانوني، التاريخ الكنسي ، الليتورجيا، الترنيم البيزنطي والخطابة· وبلغ عدد الطلاب عام 1896 في الإكليريكية الصغرى 78 طالباً، وعام 1902 (101)طالباً، وعام 1909 (110) طلاب· أما عدد طلاب الإكليريكية الكبرى، يتراوح بين 30 - 35 طالباً· وبلغ عدد الخريجين الإجمالي 79 كاهناً وشمّاساً حتى عام 1909، أي بنسبة 16% من رواد المعهد الإكـليريـكي(109) والتحـق الطـلاب بالمعهـد مـن سـائر أنحـاء البـطريـركيـة الأنطـاكية والإسكندرية والأورشليمية· ومعظم كهنته الخريجين من الكهنة الأبرشيين وقلّة من الرهبان· أمّا نسبة المستفيدين من أبناء النيابة البطريركية الأورشليمية من خدمات المعهد فمحدودة أو شبه معدومة، فقد كانت طائفة القدس الملكية الكاثوليكية قليلة العدد·
أما عن طريقة الالتحاق بالمعهد، فكانت بأن يُرشّح الأساقفة ورؤساء الأديار الرهبانية الطلبة، وتتمّ عملية الانتخاب بين المرشحين أثناء الجولة السنوية لأحد الآباء البيض على الأبرشيات والأديار، فالتحق سنوياً بالمعهد ما بين 20 - 25 طالباً إكليريكياً، ويتمّ الدخول في شهر أيلول· وحافظ طلاب المعهد على طقسهم الليتورجي الشرقي، وسنّ المشرفون على المعهد قانوناً يمنع انتقال الطلبة الشرقيين إلى جمعية الآباء البيض حفاظاً على مصلحة الكنيسة الملكية، وحتى لا يتسرّب الطلبة إلى جمعيات أو أبرشيات غربية· وحصل الآباء البيض المقيمون في القدس عام 1896، على إذن من الكرسي الرسولي لإقامة القداس في الطقس البيزنطي، وكان يقيم القداس قبل ذلك للطلبة كاهن ملكي كاثوليكي(110)·
هـ) إحصائية إجمالية للروم الكاثوليك في فلسطين في مطلع القرن العشرين:
تغطّي هذه الإحصائية النيابة البطريركية الأورشليمية، فشمالي فلسطين يتبع لأبرشية صور، ووردت بعض الإحصاءات عنه آنفاً، أما أبرشية فيلادلفيا أي شرق الأردن، فقد أُنْشِئت عام 1932· ومصدر هذه الإحصاءات الأب كارالفسكي (شارون): "قمت بنفسي في فلسطين بوضع الإحصاءات التي أقدمها لعام 1906 - 1907· مصادر معلوماتي متنوعة، معظمها شخصية وخاصة ومراقبة جيداً قدر المستطاع وأضمن صحتها"(111)· أهم الأرقام المتوفرة في الإحصائية المذكورة ما يلي:(112)·
1 - القدس: فيها كنيستان يخدمهما كاهن واحد وراهب مخلصي، وعدد مؤمنيها مائة نفر·
2 - يافا: بُنِيَت كنيستها عام 1901، بدل كنيسة قديمة بُنِيَت في عهد البطريرك مظلوم، وعدد مؤمنيها 500 نفر·
3 - بيت لحم: أُنْشِئت الرعية عام 1885، ثم ألغيت وأُعيدت عام 1902، فيها كنيسة تحت البناء، وعدد مؤمنيها 810 نفراً·
4 - بيت ساحور: فيها كنيسة وكاهن، وعدد مؤمنيها 40 نفراً·
5 - رام الله: فيها كنيسة وراهب مخلصي، وعدد مؤمنيها 70 نفراً·
6 - الرملة: فيها كنيسة وراهب مخلصي، وعدد مؤمنيها 35 نفراً·
7 - الطيبة: فيها كنيسة وكاهن، وعدد مؤمنيها 35 نفراً· أما إرساليتا بيت جالا ونابلس فقد افتُتِحتا عام 1885 ثم أُغلقَتَا·
- مجموع عدد الكنائس 8
- مجموع عدد الكهنة 8، كاهنان أبرشيان متزوجان واثنان أبرشيان عازبان وأربعة رهبان مخلصيين·
- مجموع عدد المؤمنين 1105 نفر (بما فيهم الطلاب الإكليريكيون في القدس)·
- معهد إكليريكي واحد في القدس، أُسِّس عام 1882
- لا يوجد مدارس للذكور أو للإناث، "ليس لطائفتنا مدارس ابتدائية في الأبرشية الأورشليمية ··· فإنّ قلّة عدد النفوس في أكثر الجهات يحول دون فتح المدارس"(113)·
وهكذا فإنّ مجموع الروم الكاثوليك في جميع أنحاء الأبرشية الأنطاكية وفي المهجر بلغ عام 1907 "144791 " نسمة (114)(115).

horizontal rule



خـاتمــة
الكاثوليكية تعني لغةً الجامعة والشمولية· والكاثوليكية من ميزات الكنيسة الأربع في قانون الإيمان >كنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية<· فالكثلكة جمعت في حضنها في فلسطين عدة كنائس وشعوب وملل، فللكنيسة الكاثوليكية في الأرض المقدسة عدة أشكال ورئاسات متنوعة، ولكنها مجتمعة في إيمانها الكاثوليكي الواحد· فهناك حراسة الأراضي المقدسة والبطريركية اللاتينية، وحراسة الأراضي المقدسة ضمن البطريركية اللاتينية بما يختص بالرعايا وشؤون المؤمنين، ولكنها شبه مستقلة بما يتعلق بالأماكن المقدسة وتنظيمها الداخلي والحياة الرهبانية· وهناك أيضاً كنائس الروم الكاثوليك والأرمن الكاثوليك والسُريان الكاثوليك والأقباط الكاثوليك والموارنة والكلدان· فالإيمان واحد والمرجعية الرومانية واحدة، ولكن على الصعيد المحلي هناك التعددية الليتورجية والرئاسية الكثيرة جداً مقارنة بمساحة البلاد وعدد السكان عموماً، ومن ثمّ عدد المسيحيين موازنة بمجموع السكان العام، وأخيراً الكاثوليك منهم· وقد أضفى القرن التاسع عشر اللمسات الأخيرة على هذه التعددية في حضن الكنيسة الكاثوليكية الجامعة التي لم تحاول صهر هذه الجماعات في بوتقتها في تنظيم كنسي واحد· فالتعددية في حضن الكنيسة الكاثوليكية في فلسطين هي ثمرة أحداث تاريخية جرت في القرون الغابرة كان آخرها القرن التاسع عشر بأبعاده الدينية والسياسية، هذا من ناحية، أمّا من ناحية أخرى فالتعددية لا تعني الانقسام والانشقاق بل التنوع في الوحدة· وقد حرصت الكنيسة منذ العصر الرسولي على هذه الأبعاد الرحبه· والوحدة هي أمنية السيد المسيح >ليكونوا واحداً كما نحن واحد< (يوحنا 17 : 11)، أما التنوع فهو من طبيعة البشر الذين خلقهم الله سبحانه وتعالى على صورته ومثاله في المحبة والادراك والروحانية، لكنهم متميزون في خصائصهم والوانهم وطباعهم· فتأتي كل جماعة مؤمنين عبر العصور بإرثها الثقافي والليتورجي لإثراء كنز الكنيسة الكبير، ولإشراك الجماعات الأخرى بما لديها من تعابير جديدة والحان وتنظيم وطقوس في إطار الإيمان الواحد والمعمودية الواحدة·
نسّق الكرسي الرسولي بين هذه الجماعات ورعى شؤونها من خلال القصادة الرسولية السورية حتى عام 1929، إذْ فصل البابا بيوس الحادي عشر فلسطين عن القصادة الرسولية السورية وألحقها بالقصادة الرسولية في القاهرة من خلال مُمثّل لها في فلسطين· وفي 11 شباط 1948، أمر البابا بيوس الثاني عشر بإقامة القصادة الرسولية في القدس، وتمتدّ صلاحيات القاصد الرسولي على فلسطين والأردن وقبرص· وكان المنسنيور غوســتاف تســتا ((Gustave Testa) 1948 - 1957) أول مـن شــغل هـذا المنـصـب (116)(117)·

الفهرست

غلاف الكتاب