cover.JPG (69622 bytes)

 

الباب الرابع:الكنائس الشرقية غير الخلقدونية والشرقية الكاثوليكية

 

مقدمـــة

الكنائس الرئيسة في فلسطين والأردن أربع هي: الرومية الأرثوذكسية واللاتينية والرومية الكاثوليكية الملكية والأنكليكانية ومعظم مسيحي فلسطين والأردن من اتباعها ويجوز تسمية هذه الكنائس بالعربية (1)، وليس بالضرورة من حيث رئاساتها الكنسية ومنشؤها، بل من حيث جوها العام وطقوسها التي تعربت على مر العصور. أٌما بقية كنائس فلسطين والأردن فهي كنائس صغيرة، إذ إنها لا تجمع معا سوى بضعة آلاف وجميعها شرقية الجذور ورسولية الأصل، وهي الكنائس المارونية والكلدانية والسريانية والأرمنية والقبطية والحبشية. ووقعت في بعض هذه الكنائس حركات انشطار داخلية على اثر ظاهرة اتحاد بعض أبنائها بالكنيسة الكاثوليكية، ولذا فإنها تصنف إلى فئتين: كنائس شرقية غير خلقدونية وكنائس شرقية مثيلة منشطرة عن كنائسها الأم ومتحدة بروما. وتلتقي هذه الكنائس حول النقاط التالية:
- قلة اتباعها في فلسطين والأردن مقارنة بالكنائس الأربع الكبرى.
- ظاهرة الانشطار والازدواجية، إذ لها مثائل متحدة بالكنيسة الكاثوليكية تحافظ على ليتورجيتها الشرقية.
- جذورها الشرقية القديمة.
- ظاهرة الخصوصية والقومية، إذ أن اتباع هذه الكنائس ينتمون إلى عرق معين كالعرق الأرمني أو السرياني، ويستعملون لغة قومية غير عربية في الليتورجيا كالسريانية والأرمنية والقبطية. ومن الصعب أن يحدث تسرب بين اتباع هذه الكنائس فيما بينها، أو من الكنائس الأربع الكبرى إليها. فعلى سبيل المثال من غير الممكن أن ينضم سرياني أو أرثوذكسي أو لاتيني من اصل فلسطيني إلى الكنيسة الأرمنية، والعائق دون ذلك القومية واللغة الأرمنية. ولكن قد تجد بسهوله من تسرّب من أتباع هذه الكنائس الأربع الكبرى، ويشجع على ذلك خلفية اللغة والقومية العربية المشتركة بين أبناء الكنائس الأربع الكبرى، فتجد بين أتباع الكنيسة اللاتينية أعدادا لا بأس بها من الأرمن والسريان والكلدان.
- لا تقيم رئاسات الكنائس غير الخلقدونية والمتحدة بروما في فلسطين (ما عدا الأرمن الأرثوذكس)، بل في البلاد العربية المجاورة، في مصر وسوريا والعراق والحبشة ولبنان، بينما رئاسات الكنائس الرئيسة تقيم رسميا في القدس. أي أن وجود هذه الكنائس في فلسطين حاليا يشكل امتدادا لوجودها الأصلي في المناطق المجاورة لفلسطين.
- تدعو الكنائس الأربع الكبرى أتباع الكنائس الشرقية غير الخلقدونية بالكنائس النسطورية أو المونوفيزية أو اليعقوبية، بينما تسمي هذه الكنائس نفسها أرثوذكسية، فالأرثوذكسية بمعنى الإيمان القويم أمر نسبي تدعيه كل كنيسة لنفسها وترفضه لغيرها، ولذا يفضل تسمية هذه الكنائس باصطلاح " غير خلقدونية " وليس بالنسطورية والمونوفيزية أو اليعقوبية. وتسميتها "غير الخلقدونية" يستند على أسس تاريخية وليس عقائدية أو لاهوتية، لأن هذه الكنائس رفضت تعاليم المجمع الخلقدوني (سنة 451م).
- ليس للكنائس الشرقية الكاثوليكية حقوق في الأماكن المقدسة حسب نظام الستاتو كوو.
- أقامت رئاسات الكنائس غير الخلقدونية والكاثوليكية الشرقية المحلية في القرن التاسع عشر في القدس، ولم تنطلق هذه الكنائس خارج القدس إلى المدن والريف الفلسطيني أو عبر الأردن. فهدف هذه الكنائس الأول المحافظة على حقوقها في الأماكن المقدسة وحشر اتباعها حول الأماكن، فلم تتوسع خارج دائرة القدس، بينما امتدت الكنائس الأربع الكبرى إلى سائر أنحاء فلسطين وشرق الأردن.
- تم في الكنائس غير الخلقدونية والكاثوليكية والشرقية في القرن التاسع عشر تطور ونمو أسوة بالكنائس الكبرى ولكن بدرجة أقل. وخلفية هذا التطور متعددة الوجوه ومتشعبة: فهو امتداد لتطور الكنيسة الأم القائمة خارج فلسطين، أو مرتبط بالظروف الفلسطينية الداخلية وبمواقف الكنائس القائمة أصلا في فلسطين تجاهها.
ينقسم هذا الباب إلى فصلين: الأول، الكنائس الشرقية غير الخلقدونية والثاني، الكنائس الشرقية الكاثوليكية.

horizontal rule



الفصل الأول
الكنائس الشرقية غير الخلقدونية

مقــــدمة

تمت في القرون المسيحية الأولى عدة انشطارات في حضن الكنيسة الواحدة، أدت إلى إبراز كنائس مستقلة ظهرت ضمن البطريركيات الأربع الشرقية: أنطاكيا والإسكندرية والقسطنطينية والقدس. وأهم هذه الانشطارات ما يلي:
- عام 431 مجمع أفسس والانشطار النسطوري، وإفراز الكنيسة النسطورية في بلاد ما بين النهرين وفارس.
- عام 451 مجمع خلقدونيا والانشطار المونوفيزي، وأفرز السريان في سوريا، والقبط في مصر، والأرمن في آسيا الصغرى وأرمينيا، وسميت هذه الكنائس باليعقوبية.
لم تكن خلفية هذه الانشطارات دينية بحتة، بل قومية ولغوية، لعدم توصل أتباع هذه الكنائس إلى تفاهم مشترك حول العقائد لصعوبة تحديد الألفاظ والمعاني اللاهوتية في لغاتهم القومية. ولهذه الكنائس صلات قديمة بفلسطين يعود بعضها إلى العصر الرسولي. أما حقوقها في الأماكن المقدسة حاليا فثانوية، ما عدا الأرمن الأرثوذكس، فهم الطرف الثالث مع اللاتين والروم في ستاتو كوو الأماكن المقدسة العثماني، وكان لبعض هذه الكنائس كالكنيسة النسطورية والسريانية تاريخ حافل ودور جلل في فلسطين تضعضع في العصر العثماني، ولا بد من ذكره لرسم صورة كاملة لوجود الكنائس الشرقية غير الخلقدونية في فلسطين عبر العصور.
تضم الكنائس غير الخلقدونية أعراقا عدة كالسرياني والقبطي والأرمني والحبشي. وتداخلت التسميات ذات الدلالة العرقية واللغوية والعقائدية والطقسية، مما يقود الباحث إلى متاهات، ومثل على ذلك السُريانية كأمة ولغة وكنيسة.
السُريان هم الأقوام الذين سكنوا سوريا الحالية وبلاد ما بين النهرين والسُريانية هي لهجة تطورت من اللغة الآرامية السامية المحكية في هذه المناطق منذ القرن الثامن قبل الميلاد. وقد وصلت المسيحية إلى بلاد ما بين النهرين وفارس حوالي عام 150م. ووجدت الأحرف الأبجدية السُريانية للهجة الآرامية الشرقية، أي السُرياني الشرقي في الرها عاصمة إمارة أوسرويني. وصارت اللغة الآرامية في ثوبها الجديد اللغة الليتورجية للكنائس الشرقية من شاطئ البحر الأبيض المتوسط غربا حتى بابل شرقا، ومن أرمينيا شمالا حتى تخوم الجزيرة العربية جنوبا (2).
وتفرق متكلموا اللغة السُريانية أحزابا وكنائس وأقواما: فعلى المستوى اللغوي، ظهرت اللغة السُريانية الشرقية، (المحكّية بين مسيحيي العراق)، والسُريانية الغربية (المحكّية بين مسيحي بلاد الشام). وعلى الصعيد الكنسي العقائدي، هناك الكنيسة النسطورية واليعقوبية. والجماعات السُريانية هي الموارنة والكلدان والملكيون والآشوريون، ولكل تسمية من هذه التسميات دلالة تاريخية معينة أو تشير لحدث تاريخي - ديني خاص. وسنعرض بإيجاز تاريخ كل جماعة أو كنيسة من العائلة السُريانية وغيرها من الكنائس غير الخلقدونية وعلائقها بفلسطين.

horizontal rule

1- النســاطرة:
النسطورية (3) نسبة إلى نسطور بطريرك القسطنطينية، الذي عارض تعليم مجمع أفسس (سنة 431) حول لاهوت أمومة العذراء مريم، واستنكر تلقيبها بـ"أم الله" وفضل دعوتها بـ "أم المسيح" فحرم المجمع برئاسة بطريرك الإسكندرية كيرلّس ممثل البابا سيليستينوس الأول نسطور، فنفي إلى البتراء في بلاد العرب (سنة 436) وتوفي سنة 451.
وصلت إلينا بعض تعاليم نسطور في مقتطفات من خطاباته وكتاباته التي حفظها التاريخ، كما ذكرت تعاليم نسطور في حيثيات قرارات مجمع أفسس وكتابات كيرلّس الإسكندري. وأهم العقائد النسطورية هي نسبة مولد السيد المسيح وآلامه للطبيعة الإنسانية وليس الإلهية، ومن ثم يرفض النساطرة نسبة الأعمال الإنسانية في شخص السيد المسيح إلى طبيعته الإلهية. ولعل في عدم دقة التعبير والترجمات بين السريانية واليونانية واللاتينية سبب الخلاف الذي وقع بين نسطور والمجمع. أي أن الطرفين لم يتوصلا إلى تفاهم مشترك على صياغة المقولات اللاهوتية. فينتقد نسطور أن تلقب العذراء بـ "أم الله" أو "حاملة الله" (Theotokos)، إذ يعني ذلك أن مريم هي مصدر الطبيعة الإلهية. وقد يقبل نسطور بهذا اللقب على أن يضاف إليه لقب "مريم أم الإنسان" (Anthropotokos)، أو بالأحرى أكثر دقة "حاملة المسيح" أو "أم المسيح" (Christotokos). ويعترف نسطور باتحاد الطبيعتين في المسيح، ولكنه يفسر ذلك على أنه اتحاد ذو خاصية نفسية أدبية اكثر منه اتحادا ميتافيزيقيا.
بعد مجمع أفسس وتحريم المبدأ النسطوري، وجدت النسطورية أرضا خصبة بين مشارقة السُريان القاطنين على حدود الإمبراطورية البيزنطية والفارسية، وكان ذلك عاملا مساعدا على تحقيق الانشقاق بين أبناء الكنيسة الواحدة. "بعد مجمع أفسس كان يوجد حزب نسطوري قوي في شرق سوريا حول ايباس (هيبا) قائد المدرسة اللاهوتية في الرها، وايباس كان على ما يظهر نسطوريا. وفي أعقاب المصالحة اللاهوتية بين كيرلّس الإسكندري ويوحنا الأنطاكي، رفضها عدد من المطارنة وتقربوا بطريقة أوثق من الكنيسة في إيران، التي كانت قد اعتمدت رسميا النسطورية في سينودس سلوقية المنعقد سنة 486. وفي سنة 489 طرد الإمبراطور زينون النساطرة من الرها فهاجروا إلى فارس، ومنذ ذلك الحين انفصلت الكنيسة النسطورية عن الكنيسة البيزنطية التي كان مقرها الأساسي في القسطنطينية. وقد أكد النساطرة موقفهم بطريقة أوضح في سينودس 612 عندما اعتمدوا المبادئ المخالفة للكنيسة الجامعة: طبيعتان واقنومان. وقد أقصوا تماما كلمة (Theotokos) أي والدة الإله مريم. وقد ازدهرت هذه الكنيسة على الرغم مما لاقت من اضطهادات تحت حكم الساسانيين وغزوات الأتراك والتتر. ودليل ازدهار هذه الكنيسة مدارسها اللاهوتية في سلوقية ونصيبين، وانتشار أديارها وحركتها التبشيرية في جزيرة العرب والهند (ملابار) والتركستان والتبت حتى الصين، وقد وجد في مدينة "سين غان فو" في الصين نقش على الحجر باللغتين السُريانية والصينية، يرجع عهده إلى سنة 871" (4).
نالت الأماكن المقدسة في فلسطين وخاصة القدس، حظا وافرا من اهتمام الرهبان والمؤمنين النساطرة، إذ يذكر المؤرخون رحلاتهم المتواترة إلى مصر لزيارة أديار الرهبان. وفي طريقهم إلى مصر، توقف الحجاج في فلسطين لزيارة الأماكن المقدسة، وكانت هذه الزيارة أمتع ما في رحلتهم (5) وكوّن الحجاج القادمون إلى القدس وبعض معتنقي النسطورية من أهل البلاد جالية نسطورية في القدس منذ منتصف القرن السابع الميلادي. ويذكرهم المؤرخ جيبون (Gibon) في عداد طوائف القدس آنذاك وهي، اليونانية واللاتينية والنسطورية. ويصف جيبون اكليروسهم بأنه فقير مقارنة بالطوائف الأخرى. ويذكر التاريخ أول أسقف نسطوري في القدس سنة 893 تبع متروبوليت دمشق الذي لقبه "متروبوليت دمشق والقدس والساحل". وفي منتصف القرن الحادي عشر، صار في القدس متروبوليت مقيم، وحفظ التاريخ لقبه سنة 1283 وهو "متروبوليت طرابلس والقدس" (6)، وتبع لمتروبوليت القدس أربعة اساقفة (7). وامتلك النساطرة ديرا على جبل الزيتون وجزءا من كنيسة القيامة. وكان لهم دير في وادي الأردن بين أريحا ونهر الأردن عثر علماء الآثار على بعض بقاياه (8). ومجموع أديار النساطرة في القدس ثلاثة: دير القديس انطونيوس القبطي ودير الرسل ودير حلول الروح القدس.
بلغ عدد النساطرة في القدس في أوج ازدهارهم 8200 أسرة أي 42 ألف نفس، ولكن فييه يشكك في الرقم الوارد في المصادر النسطورية، ويقدر الرقم الصحيح ببضع مئات (9). وتلقّت الكنيسة النسطورية ضربة قاسية على يد التتر: "كان لغزوة تيمورلنك واضطهاده (سنة 1380) أسوأ الأثر في الكنيسة النسطورية وكاد يعدمها" (10). فأخذ عدد الطائفة النسطورية في القدس يتناقص بمرور الزمن، وفقدوا كثيرا من ممتلكاتهم لحساب الطوائف الأخرى، ويعتقد ميناردوس أن الربّان يوسف كان آخر الرهبان النساطرة المقيمين في القدس، وتوفي سنة 1614. وجاء بعد الربّان يوسف بعض الرهبان في زيارات متقطعة لتدبير البقية الباقية من النساطرة، وكان آخر هؤلاء الرهبان الزوار في القرن الثامن عشر (11).
لعل أكثر إثارة في تاريخ النساطرة في القدس، حجّهم من بلادهم البعيدة إلى الأماكن المقدسة(12). فقد غدت فلسطين عبر العصور ملتقى الحجيج من مختلف الأصقاع. ولم يكن الحج إلى القدس سهلا يسيرا: فعلى الحاج النسطوري القاطن في بلاد فارس أو بلاد ما بين النهرين قطع مسافة حوالي 1200 كيلو متر ليصل إلى فلسطين مرورا بحلب. ولم تنظر السلطات المدنية دوما بعين الرضى إلى نشاط المسيحيين النساطرة التقوي. إذ أن الشرق تقاسمته إمبراطوريتان متعاديتان بيزنطة وفارس. وبعد أن توحد تحت راية الإسلام، وقع جزء منه تحت الحكم الصليبي. فالسفر من منطقة إلى أخرى كان يشكل خطرا محدقا، ويضطر المسافر إلى دفع ضرائب وأتاوات باهظة، وقد يتهم بالجاسوسية لإحدى دول المنطقة. وعلى الرغم من الأخطار المحدقة بدرب الحجّ، لم ينقطع سيل الحجاج، إذ أنّ للقدس في قلوب الشرقيين سحرا لا يقاوم. فقد قيّم الشرقيون زيارة القدس في ضوء تاريخ الخلاص الإلهي عبر الكتاب المقدس: ففي القدس لاحت تباشير الخلاص بالفداء وموت المسيح وقيامته، وفيها ختامه بيوم الحشر، وحسب التقليد سيتم في المدينة المقدسة. لهذا بنيت كنائس مشارقة ومغاربة السُريان في ضوء مفهومهم لتاريخ الخلاص: فقدس الأقداس يرمز إلى السماء، وأروقة الكنيسة إلى الأرض، والمنبر في وسط الكنيسة إلى القدس مركز الأرض. وعلى المنبر صليب يذكّر بالجلجلة حيث دفن آدم حسب ما جاء في التقاليد القديمة، وغفرت زلته بدم المسيح الذي انسكب عليه. فمن ينوي الوصول إلى السماء (ويرمز إليها بقدس الأقداس) عليه المرور بالقدس (ويرمز إليها بالمنبر)؛ على أن يؤمن بما جاء في الكتب، ويكسب مغفرة خطاياه بالمسيح. فالقدس كانت إحدى دعائم التقوى الليتورجية السُريانية بشطريها النسطوري واليعقوبي.
لاقت فكرة الحج إلى القدس رواجا شعبيا، فأخذ المفكرون ورجال الاكليروس يقيّمون وينتقدون هذه الزيارات المتوالية الطويلة، مشيرين إلى سلبياتها وإيجابياتها. ومن سلبيات الحج إلى القدس: تفريغ الأديار من رهبانها بتوجههم للقدس، ونقل الأموال المحلية إلى بلاد أجنبية. كما قال السيد المسيح للسامرية أن عبادة الله يجب أن تتم بالروح والحق، وليس بالضرورة في القدس (راجع يوحنا 21:4 - 24)، بينما يبرر عامة الشعب مبدأ الحج إلى القدس على أنه شرف للحجاج التبرك بقبر المسيح ومشاهدة كل مكان له صلة بحياة السيد المسيح والرسل. وكثيرا ما حدا بالمؤمنين على زيارة الأماكن المقدسة نذر قطعوه على أنفسهم أو رفع الشكر لله على انعاماته وأفضاله. وجُلّ ما يتمناه الحاج غسل ملابسه في نهر الأردن ومسحها بقبر المخلص. وعن تحضيرات الحج الروحانية: على الحاج التخلي عن الشهوات الأرضية ومحبة الوالدين والتفرغ للعبادة وذكر الله. ويوجز غريغوريوس بن العبري (Gregoire Bar Hebraeus) في نهاية القرن الثالث عشر شروط الحج التحضيرية بما يلي(13):-
- أن يندم الحاج على خطاياه، ويردّ ما قد سرقه من غيره، ويرجع الأمانات لأصحابها وينقّى من كل شر.
- أن المال المستخدم للإنفاق على رحلة الحج، يجب أن يكون من مصدر شرعي وليس كسبا حراما.
- أن لا يمارس الحاج عملا تجاريا أثناء رحلته إلى الأماكن المقدسة.
- إذا كان الحاج غنيا، بوسعه التزود بالمال للإنفاق على نفسه وعلى فقراء الحجاج. أما الحاج الفقير فليو كل أمره لله، ولا يضجر غيره من الحجاج بتوسلاته، بل يكتفي بما يقدم له. ولا يحدد غريغوريوس زيا معينا للحجاج، وينصح التزود بالإنجيل. وموعد السفر غير محدد، ولكن يفضل وصول القدس في فترة الأسبوع المقدس قبيل الأعياد الفصحية. واعتاد السريان اليعاقبة تلاوة صلاة السفر في الكنيسة على نية الحاج قبيل رحيله طالبين من الله حفظه سالما.
أما آداب السفر إلى القدس حسب غريغوريوس(14) فأهمّها: أن يحذّر الحاج من نطق الشتائم والكلام الرديء، وأن يكون لطيف المعشر وديعا، وأن يسير على قدميه أن أمكن وليس ممتطيا دابته، وأن يرتدي زيا بسيطا ولا يتفاخر بالثياب الثمينة التي يقود ارتداؤها إلى الكبرياء. ولكل مرحلة من مراحل السفر وزيارة الأماكن المقدسة مزامير معينة على الحاج تلاوتها. وعند وصوله إلى القدس في يوم عيد الفصح، يفضل غريغوريوس أن يرتدي الحاج ملابس بيضاء، لأنّ اللون الأبيض يرمز إلى النعمة والخلاص والأسود إلى الخطيئة والموت.
أما أهّم المشاهد المقدسة التي اعتاد الحجاج زيارتها، فهي نهر الأردن والجلجلة والقبر المقدس وعلية صهيون وجبل الزيتون. وعلى القبر المقدس وضع الحجاج الهدايا التذكارية كالصلبان والشموع لتبريكها وتوزيعها على أصدقائهم حين عودتهم إلى بلادهم. كما زار الحجاج كنيسة الجسمانية ومهد السيد المسيح. وتصل رحلة الحجاج ذروتها ليلة سبت النور في كنيسة القيامة. ومن بين الحجاج من اختار الإقامة الدائمة في القدس ولم يعد إلى بلاده. ويقدم غريغوريوس رأي المعارضين للإقامة في القدس (15): أن من اختار القدس مسكنا عليه أن يتحلى بصفات القداسة، فالقدس مدينة مقدسة والخطيئة فيها تحسب مضاعفة على مرتكبها. ومن جهة أخرى، وصف السيد المسيح القدس بأنها قاتلة الأنبياء والمرسلين (راجع متى 37:23 - 39)! فلماذا التهافت على الإقامة فيها!
وقد لقّب الحاج إلى القدس بـ "المقدسي" أي زائر القدس. ونشأت حول الحج ومغامراته قصص وروايات خرافية لا تمت إلى وقع الأحداث بصلة، وان دلّ ذلك الأدب على شيء فعلى شعبية الحج في الأوساط النسطورية وأثره في المخيلة الشعبية. وعند وصول الحاج إلى بلاده كان يجرى له استقبال وصلاة في كنيسة الرعية، ويقدم الهدايا للكنيسة والأصدقاء. ويبدو أنّ استقبال الحاج كان أفخم وأهم على المستوى الكنسي لدى السُريان منه لدى النساطرة. وعند وفاة الحاج يتم تكفينه بالكفن الذي جلبه من القدس وقد باركه على قبر السيد المسيح وتشير الصلوات الجنائزية في ذلك العصر إلى زيارة الحاج إلى الأماكن المقدسة كعلامة لتقواه ومكانته الاجتماعية.
تابع قلّة الحجاج والرهبان سفرهم من فلسطين إلى مصر، لزيارة الأديار القبطية في الصحراء. وقد عدّ الرهبان النساطرة واليعاقبة مصر بلاد الرهبنة، إذ نشأت في صحاراها الحياة النسكية والرهبانية. وهكذا كانت القدس ملتقى الثقافات والأمم والكنائس المسيحية على مرّ العصور، ومعبرا وطريقا للفكر والحياة الروحية بين المؤمنين.
اتحد السواد الأعظم من النساطرة بالكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر، وعرفوا آنذاك بالكلدان. والكلدان اسم عرقي قديم أطلقته روما على النساطرة المتحدين بها. بينما سمّي النساطرة غير المتحدين بروما بالأرثوذكس أو الآشوريين. ويبلغ عدد النساطرة 80 ألفا في العراق وإيران وسوريا، 5 آلاف في الهند، 25 ألفا في الأمريكيتين(16).

horizontal rule



2- السريان الأرثوذكــس:
كان أغناطيوس الأنطاكي أسقف أنطاكيا في القرن الثاني أول من ذكر في كتاباته "الكنيسة السريانية" على أنها كنيسة بلاد سوريا(17). فقد انتشرت المسيحية في سوريا على يد الرسل أنفسهم، وغدت أنطاكيا تقود الفكر المسيحي في سوريا جنبا إلى جنب مع الإسكندرية. لم تسلَم الكنيسة السورية من بذور الفتنة والانشقاق على أثر المجمع الخلقدوني سنة 451. فعلى الصعيد الديني لم ينه مجمع أفسس (431) الخلافات التي كان نسطور سببا فيها. فلم تلبث المشاحنات أن تجددت بين أتباع مدرسة الإسكندرية والمدرسة الانطاكية. والذي أشعل نار الفتنة من جديد كان اوطيخا: "ظهر في القسطنطينية رئيس دير اسمه اوطيخا معروف بإعجابه الشديد لكيرلّس والتمسك بحرفيته بدون أن يفهمها تماما. بدلا من أن يتبع اوطيخا القديس كيرلّس في تفسير الصيغة المشهورة: ليس في المسيح إلا طبيعة واحدة متجسدة في اللوغس (الكلمة) صار يقول: قبل التجسد كان للمسيح طبيعتان، ولكن بعد الاتحاد لم يبق إلا واحدة هي الإلهية، ويفسر ذلك قائلا: بقيت الطبيعة الإلهية على ما كانت عليه، وذابت البشرية فيها كما يذوب ماء البحر نقطة العسل التي تسقط فيه"(18).
وقد تصدّى الأسقف أوسيبيوس الدوريلي (Eusebe de Dorylee) لتعليم اوطيخا، فاقنع فلافيانوس أسقف القسطنطينية أن يعقد مجمعا محليا في القسطنطينية حرم فيه اوطيخا، فردّ على الحرمان بأن دبّر عقد مجمع محلي في أفسس سنة 449 ساند آراءه واضطهد فلافيانوس، ولم يصغ لنصائح نواب بابا روما ليون، فأمر الأخير بعقد مجمع في خلقدونيا سنة 451 حرم فيه تعاليم اوطيخا. وتبنّى تعاليم اوطيخا السواد الأعظم من السُريان والأرمن والقبط. وقد وجدوا في ذلك فرصة سانحة لإعلان ثورتهم وسخطهم على حكامهم البيزنطيين من خلال رفضهم للتعليم اللاهوتي الذي يقول بطبيعتين في المسيح على انه تعليم بيزنطي: "إن كراهية السُريان للحكام البيزنطيين تفسر مقاومتهم وتعصبهم تجاه المجمع الخلقدوني" (19). وأقرّ السُريان أنّ في السيد المسيح طبيعة واحدة، ولذلك دُعي هذا التعليم بالمونوفيزيه.
أما تسمية السُريان باليعاقبة فتعود إلى الأسقف المونوفيزي يعقوب البرادعي، الذي رسم أساقفة على المذهب المونوفيزي لتقوية التيار المعارض للمجمع الخلقدوني ومقاومة النفوذ البيزنطي. ويرفض السُريان وغيرهم من المونوفيزيين تلقيبهم باليعاقبة، ويفضلون تسمية أنفسهم بالأرثوذكسية. وعندما يسأل السُريان عن مونوفيزيتهم ينكرون ذلك، ويشرحون اتحاد الطبيعتين في السيد المسيح بطريقة مختلفة عن التعليم الكنسي الرسمي، ويدّعون الأرثوذكسية مع شجبهم للمجمع الخلقدوني. ففي الواقع التاريخي ليست النسطورية أو اليعقوبية هرطقة بالمعنى الحرفي أو انقساما عن الكنيسة الجامعة بقدر ما هي انشطار في الكنيسة الواحدة على خلفية قومية سياسية لغوية. وقيّم المونوفيزيون الفتح العربي على أنة تحرير لهم من تسلط البيزنطيين الذين حكموا البلاد والعباد دينا ودنيا.
كانت علائق السُريان اليعاقبة بفلسطين وثيقة لقربها من مواقعهم وتجمعاتهم، وأتوا فلسطين حجاجا وسياحا أسوة بالنساطرة، واستقروا حول الأماكن المقدسة بأعداد كثيرة. وللسُريان في القدس ديران: دير المجدلية الذي صار مقر الأسقف السرياني حوالي سنة الألف. وسكن الدير سنة 1235 سبعون راهبا، ارتقى منهم أربعة إلى الرتبة الأسقفية. وهجر السُريان ديرهم في القرن الثالث عشر أو الرابع عشر، وسكنوا دير القديس توما. والدير الثاني هو دير القديس مرقس، وحسب التقليد القديم هو بيت القديس مرقس، ويعود تأسيسه إلى القرن الخامس أو السادس، وسكنه السُريان منذ سنة 1472 حتى يومنا هذا. وفي الدير مكتبة قديمة قيمة تحوي مئات الوثائق التاريخية التي تُعدّ مصدرا مهما لتاريخ فلسطين. وسجّل التاريخ أسماء سبعة أساقفة سُريان كانوا رهبانا في هذا الدير(20).
يعد السُريان الأساقفة الاثنين والخمسين بعد القديس يعقوب، أول أساقفة القدس، أساقفة لهم أيضا، وكذلك تَعدّهم سائر الكنائس. وهذه الحقبة الأولى من الأساقفة السُريان في سلسلة أساقفتهم على القدس. والحقبة الثانية تبدأ سنة 575 غداة الانشطار الخلقدوني، إذ كان في القدس أسقفان أحدهما مونوفيزي والآخر ديوفيزي (أي يؤمن بالطبيعتين).وحسب الحوليات السريانية، فانّ ثيودوسيوس هو أول الأساقفة السُريان المونوفيزيين، واستشهد على يد الديوفيزيين حوالي سنة 575. ومن الصعب تحديد هوية الأسقف هل هي مونوفيزية أو خلقدونية لتردّد الأساقفة المقدسيين بين التيارين. أما كيرلّس الثالث فكان أول أساقفة السُريان على القدس بعد الفتح العربي سنة 750. وتبع الأسقف المقدسي السُرياني بطريرك أنطاكيا السُرياني. ويمكن القول بأنّ سلسلة الأساقفة المونوفيزيين غداة الانشطار الخلقدوني قد نشأت في القرنين السادس والسابع الميلاديين(21).
وسلسلة الأساقفة السُريان في القدس حتى القرن السابع عشر غير متتالية، وحدث فيها فترات فراغ. وأطلق الصليبيون في مصادرهم لقب سُريان على كافة المونوفيزيين، إذ انهم لم يميّزوا بين التسميات العرقية والعقائدية، وان دلّ ذلك على شيء فعلى غلبة العنصر السُرياني على بقية الكنائس المونوفيزية فسمي الجزء بالكل، وفي الواقع ظلّ الأسقف السُرياني الأسقف الوحيد لسائر المونوفيزيين في القدس حتى القرن الثالث عشر، فأقام الأقباط أسقفا مستقلا وتبعهم الأرمن(22).
فقدَ السُريان في القرن السابع عشر إبان الحكم العثماني كغيرهم من الطوائف المونوفيزية، الكثير من حقوقهم في الأماكن المقدسة والأديار (كدير العدس)، ويبدو أنّ السُريان فقدوا حقوقهم في كنيسة القيامة لصالح الأرمن الذين غدوا الطائفة المونوفيزية الأقوى في العصر العثماني. فقد أدار الكنيسة السُريانية في أوج ازدهارها بطريركها الأنطاكي يعاونه 20 متروبوليتا و 13 أسقفا. وفي نهاية القرن السادس عشر تراجع العدد إلى سبعة متروبوليتية وأسقفين(23). وبحلول القرن التاسع عشر، قلّ اتباع هذه الكنيسة لتعرضها لمصائب وكوارث شتّتت أبناءها ودمرت الأسقفية، "فأصبح عددهم في القرن التاسع عشر 200 ألف نسمة تجمعوا في شمال سوريا حول مقر بطريركيتهم في دير الزعفران بالقرب من ماردين"(24). أمّا في القدس "فالطائفة السريانية صغيرة وهي برعاية أسقف يتكوّن إكليروسه من كاهن وشماس ... ويملكون كنيسة قديمة وديرا على جبل صهيون يقال أنّه بيت القديس مرقس، وهذا كلّ ما بحوزتهم من أملاكهم الكثيرة في الماضي"(25). وعددهم في القدس حسب إحصائية شولتز سنة 1845 عشرون نفرا(26). واستقر عدد من السريان في بيت لحم وبعض مدن فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، على اثر هجرات عديدة من بلادهم في شمال سوريا وتركيا. ويضمن ستاتو كوو الأماكن المقدسة حقوقا ثانوية للسريان بجانب الأرمن والروم واللاتين في القيامة والمهد وقبر العذراء(27).

horizontal rule



3-الأرمن الأرثوذكــس:
كان الأرمن من أوائل الشعوب التي تنصّرت، ومن غير المؤكد زمن وجودهم في فلسطين، "فحسب الوثائق الأرمنية، كان الأرمن في القدس منذ القرن الرابع في العصر البيزنطي، فسكن عدد غفير منهم جبل صهيون، وسمّي طريق هناك باسمهم، "طريق الأرمن" (Ruga Armeniorum)"(28) وتبع الأرمن من بعد المجمع الخلقدوني الأسقف السرياني المونوفيزي في القدس.
كوّنت بطريركية الأرمن الأورشليمية عام 1311 حين رفض رهبان دير مار يعقوب - وهو مقرهم في القدس - الإصلاحات التي أتى بها مجمع كيليكيا عام 1307، فنصّب رهبان القدس أسقفهم بطريركا عليهم (29) وأسمه سركيس(30). ومع بداية العصر العثماني عيّن العثمانيون بطريرك القسطنطينية المسكوني الأرثوذكسي بطريركا على سائر المسيحيين الخلقدونيين، وكذلك البطريرك الأرمني القسطنطيني على غير الخلقدونيين. والفرق بين البطريركين، أنّ سلطة الأول زمنية - روحية على سائر ملّته، أما سلطة الثاني فزمنية، لأنّ السلطات الروحية ظلّت محصورة بيد الكاثوليكوس الأرمني في اشميازدين (أرمينيا). لم يكن بطريرك القدس الأرمني في هذا التنظيم (القرن السادس عشر) مستقلا استقلالا تاما: فهو تابع لبطريرك القسطنطينية في الأمور الزمنية، وتابع لكاثوليكوس اشميازدين في الأمور الروحية.
وقد صدر نظام البطريركية الأرمنية في اسطنبول في 24 أيار 1860 وعدّل في 17 آذار 1863، وعدّل مرة أخرى عام 1888. وحسب هذا النظام، يرفع رهبان أخوية مار يعقوب الأرمنية أسماء سبعة مرشحين إلى الآستانة حيث يختار مجلس الأمّة الأرمني ثلاثة أسماء من بينهم، وينتخب أحدهم بالقرعة، ويمنحه العثمانيون براءة التعيين. فبطريرك القدس الأرمني ليس منصبا خاصا بالأرمن الفلسطينيين، بل هو شخصية رسمية ومسؤولة أمام الأمة الأرمنية عن حراسة الأماكن المقدسة. فللأرمن حقوق في كنيستي القيامة والمهد ويملكون دير مار يعقوب وبعض الأماكن المقدسة الأخرى. ويساعد البطريرك في مهمته مجلس استشاري من رهبان دير مار يعقوب، ولكن رتبة بطريرك الأرمن في القدس تظل رتبة مدنية، إذ انّه من الناحية الروحية يتبع كاثوليكوس اشميازدين رئيس الأمة الأرمنية، مع أنّ العثمانيين رفضوا دوما عدّه كذلك، فعلى الصعيد الكنسي يمكن القول أن بطريرك القدس الأرمني هو رئيس أساقفة أو متروبوليت يتبع كاثوليكوس اشميازدين روحيا لا مدنيا(31).
وبلغ عدد الأرمن في القدس في منتصف القرن التاسع عشر 350 نسمة(32) ومع نهايته 500 نسمة(33). كان القرن التاسع عشر بالنسبة للبطريركية الأرمنية فاتحة عهد جديد، إذا أقيمت معظم المؤسسات التعليمية الأرمنية في تلك الحقبة(34). فانشأ الأرمن مطبعتهم عام 1833، ومنذ عام 1866 صدر عنها مجلة صهيون نصف الشهرية وهي المجلة الرسمية للبطريركية. وزوّدت هذه المطبعة وحدها الكنائس الأرمنية في سائر أنحاء العالم بالكتب الليتورجية(35). وفي عام 1843 أسّس البطريرك الأرمني المعهد الاكليريكي اللاهوتي، فتخّرج فيه الرهبان وكهنة الطوائف ورجال الفكر والقيادة، فاحتلت بطريركية القدس بذلك الدرجة الثانية من حيث الأهمية الكنسية والثقافية بعد الكنيسة الأرمنية الأم في اشميازدين(36). وفي جوار البطريركية مدرستان للبنين والبنات، أسّست الأولى عام 1863 والثانية 1929(37). وبني المستشفى الأرمني سنة 1856 بسعة مائة سرير(38).

horizontal rule



4-الأقباط الأرثوذكــس(39):
لا شك أنّ العلائق بين مصر وفلسطين موغلة في القدم، فقد انتشرت الرهبنة في فلسطين على يد القديس ايلاريون تلميذ الأنبا انطونيوس مؤسس الرهبنة المصرية. أما الإسكندرية فهي إحدى البطريركيات الخمس، وتفخر بالقديس مرقس الذي نشر المسيحية في ربوعها. وانشطرت البطريركية الإسكندرية عن الكنيسة الجامعة على أثر المجمع الخلقدوني (451م). أما في فلسطين فقد شارك القبط في كنائس المونوفيزيين وأديارهم وتبعوا الأسقف المونوفيزي السرياني. ويعود تاريخ الأسقفية القبطية في فلسطين إلى منتصف القرن الثالث عشر، إذ كان لهم أسقف في القدس في عصر البطريرك القبطي كيرلّس بن لقلاق ( 1235 - 1243 )(40). وتحسّن وضع القبط في القدس على أثر الحروب الصليبية، إذ كان بين جنود صلاح الدين الأيوبي عدد من العسكر والموظفين القبط. وامتلك القبط في القدس ثلاث كنائس وجزءا من كنيسة القيامة. ويعود تاريخ دير السلطان وهو مقرهم في القدس إلى القرن الثالث عشر، وفيه تجاور القبط والأحباش. ويذكر وليامس تقليدا قديما يتمسك به القبط، وهو أن دير السلطان سمّي كذلك تيمنا بسلطان مملوكي تبرع بترميم الدير والإنفاق عليه، ويرجّح وليامس أنّ هذا التقليد يعود إلى أواخر العصر الملوكي قبيل استيلاء العثمانيين على فلسطين (41).
في القرن التاسع عشر بنى الأسقف القبطي أبراهام خانا للقبط في القدس، وشيّد الأسقف باسيليوس الثاني كنيسة الأنبا انطونيوس والدير التابع لها بالقرب من كنيسة القيامة، ولهم غير ذلك بعض الأوقاف في فلسطين. ويقدر عددهم في نهاية القرن الماضي بمائة نسمة(42)، وازدهر شأنهم في القرن التاسع عشر إبان الحكم المصري. ويرأس الكنيسة القبطية في فلسطين رئيس أساقفة تابع لبطريرك الكرازة المرقسية القبطية. وأول رئيس أساقفة القدس باسيليوس الأول ( 1236- 1260 ) (43). وللأقباط معبد صغير في كنيسة القيامة خلف القبر المقدس(44).

horizontal rule

5-الأحباش الأرثوذكــس:
صلات الأحباش بفلسطين قديمة قدم المسيحية (أعمال الرسل 27:8 - 28)(45) وذكر المؤرخون الأحباش كرهبان وحجاج في فلسطين في القرون المسيحية الأولى وأشهر من ذكرهم القديس ايرونيموس الذي عاش في فلسطين في الجيل الرابع الميلادي(46). وذكر الأحباش في فلسطين في العصر الصليبي كجماعات من الرهبان ولكن ليس لهم أسقف(47)، وأقاموا الصلاة جنبا إلى جنب مع الطوائف والكنائس المسيحية الأخرى في الأماكن المقدسة وخصوصا في كنيسة القيامة(48). وكان للأباطرة الأحباش علائق وثيقة برهبانهم في فلسطين، وقام الرهبان الأحباش بدور الوسيط بين بلادهم وأوروبا من خلال موقعهم في القدس، فمن القدس سافرت بعثة حبشية لحضور مجمع فلورنسا عام 1438(49). وبلغ الأحباش أوج ازدهارهم في فلسطين في القرن الرابع عشر. وفي العصر العثماني فقد الأحباش ممتلكاتهم في الأماكن المقدسة لعجزهم عن تقديم المال والرشاوى للحكام الأتراك(50). وتذكر المؤرخة بيدرسن (Pedersen) انّه عام 1678 اختفى الأحباش كليا من الأماكن المقدسة ولم تأت الحكومة الحبشية لنصرتهم، فالعلائق لم تكن حسنة بين الأحباش والعثمانيين، فناصر الأتراك الأرمن واليونان في الأماكن المقدسة على حساب الأحباش(51).
في القرن التاسع عشر يقدر وليامس عددهم بعشرين راهبا(52). وحاول الأحباش الاستنجاد بالقنصلية الروسية تارة وبالقنصلية البريطانية تارة أخرى، ولكن وساطة الطرفين ودعمهما كانا بمستوى ثقل الأحباش الملّي والكنسي في فلسطين. فلم تحسّن الوساطة والرعاية وضعهم الصعب في فلسطين تجاه الطوائف الأخرى والسلطات العثمانية(53)، ولكنه تحسّن في نهاية القرن التاسع عشر، بأن مدّ ملوك الحبشة يد المساعدة لرهبانهم، فاستملكوا بعض الأوقاف في القدس واريحا، وفتحت القنصلية الحبشية في القدس عام 1920 وأخذت ترعى شؤون الطائفة. وتولّى دير الأرمن الإنفاق على معيشة رهبان الأحباش فقدّم لهم المعونات المالية والغذائية. ولا يتجاوز عدد الرهبان الأحباش في فلسطين حاليا الخمسين شخصا (54)(55).

horizontal rule



خاتمــة

حافظت الكنائس الشرقية على موطئ قدم لها في فلسطين، على الرغم من الصعوبات الجسيمة التي واجهتها، والثمن الباهظ الذي دفعته هذه الكنائس لتحافظ على حقوقها وخصوصا في العصر العثماني.
في العالم يوجد مراكز قوى للكنائس المسيحية: ففي روما قيادة الكثلكة، وفي القسطنطينية وفيما بعد أثينا وموسكو مركز الأرثوذكسية، وفي ألمانيا مهد البروتستنتية اللوثرية، وفي لندن زعامة الكنيسة الأنكليكانية، أما القدس فهي موئل لجميع هذه الكنائس.
وقد استقطبت فلسطين حول أماكنها المقدسة مشاعر المسيحيين الروحية واختلافاتهم اللاهوتية وانقساماتهم التاريخية. وللكنائس الشرقية غير الخلقدونية نصيب في فلسطين، فزاحمت الكنائس الكبرى على اكتساب مواقع لها في فلسطين والاحتفاظ بها؛ فهي أقرب إليها جغرافيا، وتربطها بها صلات روحية وعرقية قديمة يعود بعضها إلى العصر الرسولي. ولهذا بوسعنا أن نصف روما بأنها كاثوليكية وأثينا بالأرثوذكسية ولندن بالأنكليكانية، أمّا القدس فتستقطب تحت جناحيها الجميع، فتسقط التسميات الطائفية لتظلّ القدس مدينة السيد المسيح والمسيحية. ويشارك المسيحية في هذه النظرة للمدينة المقدسة الإسلام واليهودية، فهي مدينة مقدسة للمسلمين واليهود. ولعلّ القدس تكون جامعة لهم جميعا في نعيم السلام، لا مفرّقة بين أبناء إبراهيم في جحيم الحروب وويلاتها. فتغدو الأماكن المقدسة تراثا روحانيا إنسانيا عالميا، يصلي فيها جميع البشر للإله الواحد رب الناس كل الناس. وترتفع الأفئدة والأيدي نقية طاهرة، وقد زالت منها مخالب الشر والكراهية، وتتصافح فوق قبر السيد المسيح وقبة الصخرة وحائط المبكى، فتصير القدس من جديد بيت المقدس، وأورشليم مدينة السلام! وهذه الامنيات الروحية لا تمس السيادة السياسية على فلسطين والقدس ، قلب فلسطين، إذ ان هذه السيادة عربية فلسطينية في نظرنا كما هي في المواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة.

 

الفهرست

غلاف الكتاب