herusalemcover.JPG (30056 bytes)الباب الثاني: البطريركية اللاتينية الأورشليمية



الفصل الثالث
البطريرك يوسف فاليركا، 1847 - 1872

 

مقـدمــة
فاليركا عَلَمٌ لامعٌ في الشرق المسيحي، فهو الذي أنشأ الكيان البطريركي الكاثوليكي اللاتيني في العصر الحديث، معتمداً على تعاون الرهبان الفرنسيسيين· وكان لا بدّ لهذا التعاون أن يمرّ بمراحل قاسية تكاد تصل إلى طرق مسدودة· فإن الوجود الرهباني الذي لا تُنكر مآثره الطيبة، اكتسب حقوقاً وامتيازات كرستهما السياسة العثمانية أسوة بالطوائف الأخرى· فها هو البطريرك القادم من بعيد ولكنه الخبير بالشرق يريد أن يدير دفّة الكنيسة بطريقة جديدة· فلم يهمل دور الأماكن المقدسة التقليدي، بيد أنه من ناحية أخرى وجّه رعايته إلى المسيحيين القرويين البعيدين عن تأثير هذه الأماكن ببطريركياتها ورهبانها· فخاطب المسيحيين وسائر المواطنين بلغة يفهمونها، فغدت المسيحية مسيـحية القـروي في حقـله والبـدوي فـي باديـته· أمـا لغـته فهـي المدارس والرعـايا والإكليروس الوطني الذي يتحسس آلام الشعب ويعيش آماله وطموحاته، وقد تزوّد بسلاحين نادرين في العصر العثماني هما العلم والانفتاح·
إن الخير العميم الذي أرسى البطريرك فاليركا أصوله وجذوره نرى ثماره اليوم، لا على مسيحيي الشرق فحسب، بل على غيرهم من إخوتهم في الأرض والوطن· وتمّ إنشاء الكيان البطريركي الجديد في ظروف مادية ومعنوية قاسية، مما قد يدهش القارئ، وخاصة ظروف العمل وطبائع الأشخاص والمؤسّسات ومسوغات الغايات ···، ولكن لاننسى أننا نعالج مسألة تاريخية في العصر العثماني، بكل ما يعنيه هذا العصر من تعقيدات مذهبية وطائفية وقانونية في ظلّ نظامي الملل والامتيازات، وفي حقبة من الزمن ذابت فيها الحدود بين القومية والدين، وتضاربت فيها مصالح القوى العظمى في ثنايا المسألة الشرقية· ففي ظلمة الليل العثماني الذي حلّ في فلسطين في مطلع القرن السادس عشر، تحركت روما في منتصف القرن التاسع عشر، وقد غدت الظروف مؤاتية، لخير الشرق الديني والإنساني معاً· ووجدت في المنسنيور فاليركا ذلك الشخص المناسب الذي أعاد تنظيم الوجود الكاثوليكي وحدّد معالمه، وجعل من كنيسة القدس كنيسة محلية مزدهرة وعالمية بعلائقها بالكنائس الاخرى وبإكليروسها المختلط من العرب والاجانب، ومن الكهنة الأبرشيين والرهبان، وبأماكنها المقدسة التي غدت واحات تأمل وصلاة، يؤمّها الحجاج من كافة انحاء العالم·
وها هم من حوله كهنة عرب وأجانب يخدمون في كنيسة محلية في بلد عربي، فأخذ دور العناصر العربية في الإكليروس البطريركي يبرز يوماً بعد يوم في عصره وعصر خلفائه، إلى أن بلغ أوجه ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين· فإذا بالبطريركية الأورشليمية شرقية الجذور عالمية الملامح على غرار الكنيسة الأورشليمية في عصور المسيحية الأولى·
ولد جوزبه فاليركا في 9 / 4 / 1813 في مدينة لوانو بالقرب من جنوه· وكان السابع بين ثمانية عشر ولداً وعمل والده في مهنة البناء· تلقى دراسته الابتدائية في كلية فينالبورغو (Finalborgo)، وتبرعت بنفقات دراسته سيدة كريمة لفقر ذويه، ثم التحق بالمعهد الإكليريكي في البنغا (Albenga)· وتابع تعليمه العالي في جامعة الحكمة في روما، وحصل على شهادتي دكتوراه في اللاهوت والحق القانوني الكنسي، ودرس في الجامعة اللغات الفرنسية واللاتينية واليونانية والعبرية والعربية، واتقن فيما بعد اللغات الكلدانية والتركية والكردية·
سيمَ فاليركا كاهناً في 17 / 12 / 1836، وعمل بعد سيامته في مجمع نشر الإيمان، حيث تسلّم الإشراف على قسم الوثائق الصادرة في اللغات اللاتينية واليونانية والعربية· في حزيران 1841 عُيّنَ سكرتيراً للقاصد الرسولي في سوريا ونائب حلب الرسولي المنسنيور فلارديل· وبين عامي 1842 - 1847 التحق بالمنسنيور تريوش (Trioch) القاصد الرسولي لبلاد ما بين النهرين وفارس، فوضع نفسه في خدمة الكنيسة الكلدانية هناك، وتعاون مع الآباء الدومنيكيين في المَوْصِل· وفي عام 1847 عزم المنسنيور تريوش إرسال الأب فاليركا، إلى روما ليتباحث مع مجمع نشر الإيمان في بعض شؤون القصادة· وفي هذه الأثناء كان البابا بيوس التاسع ينوي استدعاءه لمهمة جديدة، وفي إسطنبول تسلّم الأب فاليركا وكان في طريقه إلى روما، رسالة عاجلة من الكردينال فرنزوني عميد مجمع نشر الإيمان يستدعيه إلى روما >لأمور مهمة<· فتحرك على عَجَل ووصل روما في أواخر حزيران 1847، ولم يكن يعلم سبب استدعائه إلى روما ومغزى الرسالة· فقد قرر البابا إعــادة الكرسـي البطـريـركـي اللاتـيـنـي إلـى الـقـدس، وقـد تـمّ اخـتيار فاليركا في 16 / 5 / 1847 لهذا المنصب· وأنَّى له أن يعرف ذلك من رسالة الكردينال المبهمة· وكان عمر الأب فاليركا آنذاك أربعة وثلاثين عاماً· ورسم قداسة البابا فاليركا أسقفاً في 10 / 10 / 1847(1)·

horizontal rule


1) بطريرك المدينة المقدسـة:
أ) إلى المدينة المقدسة:
في شهر كانون الثاني 1848 تمّت ترتيبات السفر إلى فلسطين، فأبحر البطريرك فاليركا على متن سفينة فرنسية متوجهاً إلى يافا(2)· وصحب البطريرك أمين سره الأب باتستا كافاتسي (Battista Gavazzi) وخادمه سانتي فنتوريني (Sante Venturini)، وتزوّد بقليل من الأمتعة الضرورية وبعشرة آلاف فرنك ليواجه نفقات الإقامة في فلسطين· وصلت السفينة إلى يافا في 15 / 1 / 1848، وما أن لمح المستقبلون السفينة التي تقل البطريرك في الأفق ولم يكن ليافا ميناء آنذاك، حتى انطلق مركب في عُرض البحر مجتازاً المناطق الصخرية الخطرة ترفرف عليه راية حراسة الأراضي المقدسة، وعلى متنه خمسة رهبان قدّموا إلى البطريرك الضيف تحيات حارس الأراضي المقدسة برنردينو دي مونتيفرانكو (Bernardino di Montefranco) ومجمع الرهبنة· وعلى الشاطئ أدّت التحية للبطريرك القادم ثلةٌ من حرس الشرف العثماني واصطحبته إلى دير الرهبان الفرنسيسيين، حيث كان في استقباله ممثلو الطوائف المسيحية· وبعد استراحة قصيرة، اتّجه موكب البطريرك إلى القدس ماراً بالرملة وأبو غوش· وفي أبو غوش استقبل البطريرك وكيل حراسة الأراضي المقدسة الأب سبستيان فيهيل (Sabastian Vehil) الذي رافقه حتى قرية عين كارم على مسافة ستة كيلومترات من القدس· وفي عين كارم قلده الوكيل نيابة عن حارس الأراضي المقدسة وسام جمعية فرسان القبر المقدس الخيرية، وكان ذلك آخر وسام يقلده، لأن هذا الحق أي تقليد أوسمة الجمعية انتقل إلى البطريرك القادم·
وقبل ظهر اليوم السابع عشر من كانون الثاني 1848، وصل إلى عين كارم حارس الأراضي المقدسة وعدد من الرهبان الفرنسيسيين وممثلو الطوائف المسيحية والقناصل ووجهاء المدينة وعدد غفير من المستقبلين· وفي استقباله في القدس كتب قنصل فرنسا في فلسطين اليوس جوريل (Hellouis Jorelle) إلى وزارة الخارجية الفرنسية: "وصل أمس المنسنيور فاليركا البطريرك الكاثوليكي، ودخل القدس باحتفال واستقبل بحماسة· اتخذتُ الترتيبات المناسبة بالتنسيق مع الدير (الفرنسيسي) كي يكون الاستقبال فخماً بقدر المستطاع، لأنّ ذلك ضروري في مثل هذه البلاد التي تهتم بالمظاهر· وتمّ الاستقبال على أفضل وجه، فقد توجهنا مرتدين الزي الرسمي مع موظفي قنصليتنا لاستقبال فخامته على مسيرة ساعتين من المدينة· وكان معنا هناك حارس الأراضي المقدسة وقسم من أعضاء مجمعه وقنصل سردينيا، وسار معنا لاستقباله أكثر من ستمائة شخص من مختلف الأديان"(3)·
وشاركت الحكومة في الاستقبال، إذ أرسل ظريف مصطفى باشا حاكم القدس فرقة من الجند على رأسها القواس باشا لترافق البطريرك إلى القدس، وقدم له حصاناً يمتطيه· وما أن اجتاز أسوار القدس حتى اطلق العسكر العثماني طلقات مدفعيتهم تحية لمقدمه(4)· وخُتِمَتْ مراسم الاحتفال في كنيسة المخلّص في القدس حيث ألقى البطريرك كلمة باللغة العربية في جموع المصلين والمستقبلين·
وكان البطريرك المتبحر باللغة العربية قد أعدّ رسالته الراعوية الأولى، وطبعها في روما في 31/10/1847 في اللغتين العربية واللاتينية، وهذا مطلعها:"رسالة راعوية· إلى الإكليروس وكافة المؤمنين الساكنين في أبرشية أورشليم البطريركية· يوسف فاليركا· بنعمة الله ورحمة الكرسي الرسولي بطريرك على أورشليم· إلى جميع الذين هم في المدينة والأبرشية من أحباء الله الإخوة المحترمين كهنة وأعوام مؤمنين· السلام والبركة الرسولية"(5) ·
ب) في ضيافة الآباء الفرنسيسيين:
أعلن الكرسي الرسولي عن قيام البطريركية اللاتينية الأورشليمية قبيل شهور من وصول البطريرك فاليركا إلى القدس، وأُعِيدَ تأسيس هذه المؤسسة القديمة الجديدة في آن واحد، بقرارات مجمع نشر الإيمان وتعليماته· وهذه القرارات والتعليمات أشبه بمخطط هندسي رُسِمَ على الورق، وكان على البطريرك أن يقوم بتنفيذه في موقع العمل في القدس· وبدأت مهمة البطريرك العسيرة، إذْ لم يكن يملك من وسائل العمل والتنفيذ إلاّ القليل، فليس لديه بيت خاص به ولا كنيسة ولا إكليروس أو جهاز ينفذ معه هذا المخطط· بطبيعة الحال اتجّه البطريرك إلى الآباء الفرنسيسيين طالباً منهم العون والتعاون كما جاء في تعليمات الكرسي الرسولي· فقدّم له الرهبان مسكناً في ديرهم، واتخذ البطريرك حارس الأراضي المقدسة نائباً له، ومجمع حراسة الأراضي المقدسة مجلساً استشارياً، أمّا كهنة رعايا البطريركية فكلهم من الآباء الفرنسيسيين ما عدا خوري رعية حيفا الكرملي وعيّنَ المنسنيور فاليركا الأب باولو برونوني الفرنسيسي نائباً له في قبرص·
جـ) البطاركة الثلاثة:
لم تكن الحركة المسكونية الداعية إلى الوحدة والحوار البنّاء بين الكنائس المسيحية في أوجها في منتصف القرن التاسع عشر كما هو الحال اليوم· فقد أدّى التماس والصراع على الأماكن المقدسة بين مختلف الطوائف المسيحية إلى جو من الحيطة والحذر في العلائق بين رؤساء هذه الطوائف، خاصة بين حراسة الأراضي المقدسة وبطريركية الروم الأرثـوذكــس· فـفي مســاء وصـول المنســنيور فـالـيركـا إلـى القـدس، بعث البطريرك الأرثوذكسي كيرلّس الثاني أحد أساقفته إلى باشا القدس يسأله: "هل حصل البطريرك الجديد على تصريح خاص من الحكومة العثمانية ليدخل القدس بهذه الأبّهة؟"(6)· أما المنسنيور فاليركا فقد أعرب عن نيته بالمبادرة إلى زيارة رؤساء الطوائف المسيحية في المدينة والمسؤولين المدنيين، ولكنه أجّل زيارته وانتظر قدوم المهنئين إليه، "لئلا يخلق بذلك أسبقية ربما تؤدي إلى الحد من حرية خلفائه"(7)·
اجتمع بطاركة القدس الثلاثة؛ اللاتيني والأرثوذكسي اليوناني والأرثوذكسي الأرمني في ديوان باشا القدس بفضل جهود الباشا، بعدما وصل إليه كتاب رسمي من الباب العالي مفاده: "أن لا فرق بين البطريرك الجديد والبطريركين الآخرين اليوناني والأرمني"(8)· وأشار الباشا إلى أن علائق الصداقة يجب أن تسود بين البطاركة: "إنّ الصعوبات الحالية حول الأماكن المقدسة، يجب أنْ تُعالَج وتُحلّ بالطرق الرسمية وبكل محبة وتفاهم"(9)· ودعا الباشا البطاركة إلى الاجتماع في كنيسة القيامة، وأمام جمع غفير ألقى الباشا كلمة ناشد فيها رؤساء الطوائف الثلاث الوحدة والتعاون، ودعاهم إلى مصافحة علنية دليلاً على تفاهمهم· وبعد هذا الاجتماع زار البطريركان اليوناني والأرمني البطريرك اللاتيني زيارة رسمية·
د) أبرشية البطريرك فاليركا:
شرع البطريرك فاليركا في تفقد أبرشيته وأخذ يزور الرعايا ويطّلع على أحوالها· وأولى الكنائس والمدارس جُلّ اهتمامه، وكان في كل رعية للآباء الفرنسيسيين مدرسة للأولاد، ولكن لم يكن المعلمون أكْفَاء وبخاصة معلمو اللغات، "فطلب المنسنيور فاليركا تقوية تعليم اللغات، واقترح أن يُبْعَث المرسلون الجدد إلى حريصا في لبنان لدراسة اللغة العربية، وآخرون إلى نيقوسيا لدراسة اليونانية"(10)· أما مدارس الفتيات فكانت قليلة، فعمل المنسنيور فاليركا حالاً بالتنسيق مع الفرنسيسيين على قدوم راهبات ماريوسف وكان لهن دير في لارنكا، "فالبطريركية اللاتينية لم تكن كنيسة جاء المنسنيور ليحكمها ويدبر شؤونها، بل أتى ليحييها من جديد"(11)·
فهذا الشعب الموكول إلى البطريرك لم يكن من السهل التعامل معه على الرغم من صفاته الحسنة، فقد تميز بعدم رسوخ قناعاته الدينية وباللامبالاة وقلة الثبات في الإيمان، وكثيراً ما كان يهدد كهنة الرعايا وحراس الأراضي المقدسة بالارتداد عن الكثلكة· ويعزو المنسنيور فاليركا تردي الأوضاع الروحية والدينية لدى الشعب المسيحي إلى السبب التالي: اعتماد الشعب في حياته المادية والمعيشية على الأديار، بالإضافة إلى ضعف الثقافة الدينية والتربية المسيحية في غياب إكليروس وطني يتفهم عقلية البلاد ويتكلم لغتها(12)· وبلغ عدد المؤمنين اللاتين في البطريركية آنذاك 4141 نفساً، حسب تقرير أعده المنسنيور فاليركا لمجمع نشر الإيمان بتاريخ 18/6/1848(13)·
هـ) التعاون البطريركي الفرنسيسي:
لجأ المنسنيور فاليركا إلى الآباء الفرنسيسيين لإصلاح الأوضاع السائدة· فالإمكانات المادية والإنسانية من مرسلين ومؤسسات متوفرة في حراسة الأراضي المقدسة، وكان فاليركا يطمح إلى إنشاء أبرشية نموذجية، "يجب أن تكون القدس نواة الحركة الدينية في الشرق "(14)· ولم يُكتَب لهذا التعاون المنشود أن يتحقق بسهولة، فقد غابت السُلطة البطريركية عن القدس ما يقارب ستة قرون، على أثر سقوط عكا آخر معاقل الصليبيين في القرن الثالث عشر· ففي هذه الحقبة أدار الآباء الفرنسيسيون شؤون الكنيسة الفلسطينية، وغدا حارس الأراضي المقدسة رئيس الإرسالية· والآن أصبح البطريرك مقيماً في القدس بكامل صلاحياته، بعد ستة قرون من تسمية البطاركة الفخريين للقدس في الغرب، ولكن دون جهاز يُمَكّنه من العمل بموجب الصلاحيات المخوّلة إليه على الأقل في السنوات الأولى· أما الجهاز القديم الذي اضطلع بالمسؤولية سابقاً أمام الكرسي الرسولي فما زال قائماً، ومن الطبيعي أن تظهر الصعوبات بين البطريرك وحراسة الأراضي المقدسة بعد أن أسدل الستار على مراسم الاستقبال· وهذه مرحلة طبيعية في كل مؤسسة يعاد فيها توزيع الأدوار والمسؤوليات، فلا بدّ من المرور بمرحلة مضطربة قبل الوصول إلى التعايش والاستقرار·
لم يكن الصراع الذي دار بين البطريرك والرهبان خافياً علينا، وذلك واضح من التقارير التي كان يرسلها البطريرك، وأهمها التقرير(15) الذي كتبه بعد سنتين من إقامته في القدس· ولم يكن المنسنيور فاليركا ليكتب هذا التقرير الذي يقع في 160 صفحة، لولا الضيق الذي ألمّ به· فقد علم المنسنيور عن طريق مجمع نشر الإيمان أن الآباء الفرنسيسيين وجهوا إلى روما عدة شكاوى بحقه، مما حداه على الإفصاح علانية عن عدم رضاه(16)· فقد تسلّم المنسنيور فاليركا رسالة من الكردينال فرنزوني في ربيع عام 1849، فيها عدة تنبيهات وتحذيرات، فأدرك أن هناك >مؤامرة حقيقية<(17) تحاك حوله في روما· كما أنّ صديقاً له حذّره من هذه المؤامرة في رسالة خاصة بتاريخ 4/8/1848، "في الرابع من شهر آب الماضي، كتب لي أسقف من روما يقول: علمت بطريقة غير مباشرة أن آباء الأرض المقدسة (الفرنسيسيين) يحيكون مؤامرة حولكم، أكتب لكم بذلك بناءً على الصداقة التي تربط بيننا لتأخذوا الحذر لأنفسكم"(18) · فبسبب الضيق الذي أحس به المنسينيور فاليركا(19)، كتب تقريره هذا وقدمه لمجمع نشر الإيمان، وقد أبحر إلى إيطاليا في الأول من أيلول 1849· ويَُعدّ تقرير فاليركا دراسة جيدة لأوضاع فلسطين في عصره، حيث يلقي الضوء على علائق البطريركية بحراسة الأراضي المقدسة ووضع المسيحيين في الأبرشية· وفيما يلي عرض لأهم ما جاء في التقرير·
1) تبعية الإكليروس لسلطتين (تداخل السلطات):
"كان على الفرنسيسيين أن يؤمّنوا بصورة مؤقتة كل شيء للبطريرك البالغ من العمر أربعاً وثلاثين عاماً، والذي وصل إلى القدس وحيداً: فكنيسة كون - كاتدرائية البطريرك هي كنيسة المخلّص الراعوية الفرنسيسية، ونائبه العام هو حارس الأراضي المقدسة، ومجلسه الاستشاري هو مجمع الآباء الفرنسيسيين، وإكليروسه هم كهنة الرعايا الفرنسيسيون"(20)· فتداخل السلطات كان محتماً على الأقل قبل تكوين أجهزة البطريركية الخاصة وإكليروسها التابع مباشرة للبطريرك· وستحاول روما تدارك الأمر بتعليماتها وتوصياتها لتساعد البطريركية وحراسة الأراضي المقدسة في الوصول إلى تطبيع العلائق بينهما ولتسوية مرضية للطرفين· إلاّ أن تجاور السلطتين وتداخلهما أدّى إلى >صلات صعبة<(21) بين الرهبان والبطريرك، "والرهبان الذين اعتمدوا على البطريرك في تسيير أعمالهم غدوا أشخاصاً مشبوهين، استثنتهم جمعيتهم على قدر المستطاع من الاضطلاع ببعض المسؤوليات ومن توليتهم المناصب الكنسية، مما اعاق الثقة بين كهنة الرعايا والبطريرك"(22)·
من البديهي أن السُلطة الأسقفية المحلية هي السُلطة الشرعية في الكنيسة، ومن ناحية أخرى فإن حراسة الأراضي المقدسة تتمتع بامتياز الإشراف على الأماكن المقدسة وإدارتها، مما حتّم عرقلة التعاون وقيام علائق ناضجة بين السُلطتين، فالأسقف المحلي في الحق القانوني الكنسي هو رئيس الأبرشية، ولكنه في فلسطين يتعامل مع حراسة الأراضي المقدسة التي اكتسبت على مرّ السنين حقوقاً وامتيارات معترفاً بها على المستوى الدولي· ويحلل المنسنيور فاليركا في تقريره هذا الوضع من الناحية الكنسية الراعوية، بتبلور ثلاثة محاور للسُلطة برزت بإعادة تأسيس البطريركية وهي: الكرسي الرسولي وحراسة الأراضي المقدسة والبطريركية(23)· وكل من الأخيرين يفهمان توزيع السُلطة بشكل متباين: فمن وجهة نظر حراسة الأراضي المقدسة، يمثّل الرهبان الكرسي الرسولي، فالبطريرك يطيع أوامر الكرسي الرسولي من خلالهم ويخضع لهم كخضوعه لقاصد رسولي أو سفير بابوي· أما من وجهة نظر البطريرك، فيعتمد الرهبان في وجودهم على الكرسي الرسولي الذي يمثّله البطريرك ويدير الأبرشية ببركته وسُلطته، فعلى الرهبان أنْ يطيعوا الكرسي الرسولي من خلال الأسقف الذي يمثّله(24)· ويحاول البطريرك دعم رأيه بتحليل موقف الرهبان: "لدى الرهبان فكرة مبالغ فيها عن امتيازاتهم، ويظنون أنّ لهم حقوقاً استثنائية فوق العادة على الأسقف المحلي"(25)، ويتخذ الامتياز الفرنسيسي في الأماكن المقدسة وكيان الأبرشية أبعاداً جديدة: "بأن يصير الامتياز سُلطة والشاذ قاعدة، وتغدو السُلطة مستعبدة للامتياز"(26)· ويناشد البطريرك الأطراف المعنية بالرجوع إلى الأصول القانونية الكنسية وتنقية المفاهيم، وهذا لن يحدث الا بتدخل الكرسي الرسولي، "ليحثّ على احترام ما انبثق عن سُلطته"(27)· وما انبثق عن سُلطة الكرسي الرسولي بنظره هو الكيان البطريركي، ولذا يرجو مجمع نشر الإيمان وقداسة البابا البتّ في العلائق بينه وبين الرهبان وتعيين حدود امتيازاتهم(28)·
2) المالية وصرف الحسنات للمؤمنين والتثقيف الديني:
"حتى إعادة تأسيس البطريركية دعمت مؤسسات الإحسان عمل الكنيسة الروحي، فأصبحت الركيزة الرئيسة له· ومدّت هذه المؤسسات يد المساعدة للشعب بأغنيائه وفقرائه"(29)· وليس لنا أن نحكم على طريقة العمل هذه، فقد يكون لها مسوغاتها في العصر الذي ساد فيه الفقر والحرمان، وما زالت مؤسسات الإحسان القديمة نشيطة، خاصة في القدس حتى يومنا هذا· ويعلق المنسنيور فاليركا على عمل هذه المؤسسات: "أمست الوسيلة الرئيسة، إنْ لم تكن الوحيدة للحفاظ على الكثلكة في هذا الجزء من الكنيسة"(30)· فمنع الحسنة عن غير مستحقيها قد يؤدي مراراً إلى ارتدادهم عن الكثلكة، فعندما أعيد تأسيس البطريركية أصبح ذلك الشعب الذي نشأ على عقلية الإحسان يتبع روحياً البطريرك بينما ظلت مسؤولية الإحسان والنظام المالي بيد الرهبان، فتبع الشعب لهم مالياً واقتصادياً(31)، فالبطريرك الذي بيده السلطان الروحي يفتقر لوسيلة العمل شبه الوحيدة التي يحتكرها الرهبان· فعلى البطريرك في كل مشاريعه وتحركاته أن يرجع إلى الرهبان الذين يرتبط بهم مالياً ···،" وليس بوسعهم فقط استعمال الفيتو في كل مشروع يطرحه البطريرك، بل ويضعون العراقيل دون تنفيذ ذلك المشروع"(32)· فسُلطة البطريرك إذاً غير فاعلة ومرتبطة بالرهبان، والشعب نفسه يرى ذلك(33)·
وينطلق المنسنيور فاليركا في تقريره من هذه الدائرة المالية المفرغة إلى حقل التعليم والتربية· فقد اقتصر التثقيف الديني في عصره على الكرازة باللغة الايطالية التي تفهمها أقلية ضئيلة من الشعب، أما كرازة يوم الأحد فكانت باللغة العربية الدارجة، وتقتصر على شرح الإنجيل، أما المدارس فقليلة متدنية المستوى والمطبوعات نادرة(34)، ويطالب البطريرك بحلول جذرية تؤدي إلى خلق جيل كاثوليكي لا يعتمد في إيمانه على مؤسسات الإحسان(35)· لذلك يدعو إلى رفع مستوى المدارس وإنشاء إكليروس، "فالبطريركية بلا إكليروس وطني ما هي إلاّ شبح وسخرية"(36) ·
نعود مرة ثانية إلى المسألة الاقتصادية حيث يعرض المنسنيور فاليركا جملة اقتراحات: كأن يخصص لحراسة الأراضي المقدسة الحسنات التي يجمعها الرهبان من البلاد المسيحية، وتخصص للبطريركية الحسنات التي يجمعها كهنة الرعايا· أو أنْ يعطى ربع أو خمس أو حتى سدس مجمل الحسنات· أو أنْ لا ينال شيئاً من ذلك، فيدعو إلى تبرع عام (Puplica Carità)، وهذا الحل الأخير سيثير التساؤلات ويؤذي الرهبان(37)·
3) المنسنيور فاليركا يقدم استقالته إلى الكرسي الرسولي:
لم ينحصر الخلاف بين البطريرك وحراسة الأراضي المقدسة في جملة مبادئ متناقضة آمن بها الطرفان، كتصريف الأمور الأبرشية من إحسان وتثقيف وامتيازات وتوزيع السُلطات، بل برز الخلاف في كثير من الأمور الحياتية اليومية: في زيارة الرعايا والتشريعات الليتورجية وقضايا الأماكن المقدسة ونقل سجلات جمعية فرسان القبر المقدس الخيرية من حوزة الرهبان إلى البطريرك(38)· كل هذه النقاط والصدامات التي أُثيرت مراراً وتكراراً دفعت البطريرك، وربما في لحظات يأس وبؤس، إلى تقديم استقالته أو التلميح بها غير مرة في تقريره ومراسلاته مع مجمع نشر الإيمان، مصرحاً بألمه وحزنه شاعراً بأنه في غير موضعه وفي المكان غير المناسب، "كتبتُ لمجمع نشر الإيمان غير مرة عن حالتي، وأعترف أني كنت سأغادر الأبرشية بعد وصولي"(39)· "··· أعتقد أنه من الأفضل حالياً العودة إلى الحالة الماضية، بإلغاء البطريركية أو أن تُعهد السُلطة البطريركية إلى رئيس الرهبان"(40)· وفي رسالة من المنسنيور فاليركا إلى مجمع نشر الإيمان بتاريخ 28/3/1849، تتردد كلمات كهذه: "لا أُخفي على سيادتكم حزني ··· حالتي الحزينة ··· كتب لي صديق من روما يحذرني من المؤامرات التي تحاك ضدي ··· أنا الآن تعب ··· لعل روما اخطأت في إعادة تأسيس البطريركية ···"(41)·
و - سفر المنسنيور فاليركا إلى إيطاليا وفرنسا:
قرّر المنسنيور فاليركا السفر إلى إيطاليا ليعرض حجته بنفسه ويعرف ما له وما عليه· وكان متأكداً من موقف الكرسي الرسولي تجاهه، وهو الذي خدمه بإخلاص في لبنان والمَوْصِل وفلسطين، فأبحر من يافا في الأول من أيلول 1849، ووصل إلى الشواطئ الإيطالية في آخر الشهر· وانتظر أربعة عشر يوماً ليحصل على تصريح لدخول مملكة نابولي، حيث أقام البابا في مدينةچياته(Gaete) من أعمال نابولي، بسبب الظروف السياسية التي حالت دون إقامة قداسته في روما كالمعتاد·
وقابل المنسنيور فاليركا عند وصوله إلى إيطاليا صديقه الحميم المنسنيور برنابو (Barnabo) سكرتير مجمع نشر الإيمان، وأطلعه على ملف كامل حول البطريركية حوى التقارير التي قدمها المنسنيور فاليركا والأخرى التي كُتِبَت فيه، وطلب منه إعداد تقرير شامل يرفعه لمجمع نشر الإيمان، وهو التقرير الذي نحن بصدده· أما الكاردينال فرانزوني فنصحه بالحِلم وشجّعه، ولكن ذلك لم يمنع البطريرك من التصريح له:" أنا موافق، إلاّ أنه لن يكون بوسعي الرجوع إلى القدس دون ضمانات قوية ورسمية"(42)· وبعد أيام اجتمع البطريرك بقداسة البابا بيوس التاسع في مقابلة خاصة عرض فيها البطريرك أن يستقيل من منصبه: "أُلقي هذا العبء (أي البطريركية) عند أقدامكم وأرجو منكم بتواضع أن تعفوني منه"(43)، فشجّعه قداسة البابا بيوس التاسع على المضي قدماً في تحمل المسؤولية، قائلاً له: "إن الصليب لا يُلقى جانباً عندما ترافقه نعمة العيش في القدس"(44)·
سأل البطريرك قداسة البابا أن يزوّده بتوصيتين إلى السفير البابوي في فرنسا وإلى رئيس الجمهورية الفرنسية ليبحث معهما مسألة الأماكن المقدسة· وقد اختفت مؤخراً سنة 1847 النجمة الفضية في مغارة بيت لحم في موضع ميلاد السيد المسيح، وهذه النجمة تثبت حقوق اللاتين في المهد· فوافق قداسته على منحه التوصية الأولى، وتَحفّظَ بالنسبة للثانية، وحوّله إلى الدوائر المختصة لتزوّده بكتاب توصية إلى السفير البابوي في باريس·
وفــي طـريقـــه إلــى بــاريـس زار المنـســـنيور فـالـيركـا ذويـه فــي بـلــدة لــوانو وأخــذ قسـطاً مـن الـراحـة· وفـي فرنسا قابل المسؤولين في رابطة نـشر الإيمان (Association de la propagation de la foi) وهي جميعة خيرية أخذت على عاتقها مساعدة الإرساليات· فشرح البطريرك للمسؤولين فيها وَضْعَ أبرشيته والمشاريع التي يأمل تحقيقها· كما قابل السفير البابوي في باريس وقنصل فرنسا في القدس السيد بوتا، وكان صديقاً له في المَوْصِل وقد نُقِلَ إلى القدس· وقدّم البطريرك شرحاً وافياً لوزير خارجية فرنسا ورئيس جمهوريتها عن الأماكن المقدسة والتطورات التي حصلت بعد اختفاء النجمة الفضية في مهد بيت لحم· وأرادت الحكومة الفرنسية في هذه المناسبة أن تُظهِرحُسن نيتها تجاه البطريرك، وقد عارضت اختياره لمنصب البطريركية سابقاً، فقدمت له عشرين الف فرنك فرنسي لدعم مشاريعه، ولكن لم يبتْ في قضية اختفاء النجمة من مهد بيت لحم· وعاد البطريرك إلى القدس يحمل الضمانات اللازمة للقيام بمهمته·
ز) تعليمات مجمع نشر الإيمان حول النظام الكنسي في الأبرشية الأورشليمية:(45) ·
(Decretum Sacrae Congregationis de Propaganda Fide a Sanctissimo Domino Nostro Pio Papa IX.).
صدرت هذه التعليمات على أثر الخلاف الذي نشأ بين البطريرك فاليركا والرهبان الفرنسيسيين وزيارة فاليركا إلى روما· وأهم ما جاء في التعليمات ما يلي:
- يتم انتقال المرسلين من الرهبان بين فلسطين وسوريا ومصر دون إذن البطريرك·
- لا يُنْقَل أو يُبَدّل كهنة الرعايا من الرهبان الا بإذن البطريرك·
- تفويض الكهنة المساعدين يتم عن طريق حارس الأراضي المقدسة بعد موافقة البطريرك على التفويض·
- يحق لرئيس الرهبان أن يتابع امور كهنة الرعايا من رهبانه بما يخص الحياة الرهبانية، أما بما يخص الحياة الراعوية فيَسْتَشير البطريرك·
- على الرهبان الزوار (غير المقيمين) أن يستأذنوا البطريرك لإلقاء العظات·
- تخضع القضايا الناشئة بين الرهبان والمؤمنين إلى قضاء البطريرك·
- تخضع مطبوعات الرهبان لرقابة البطريرك·
- يطلب الرهبان والزوار الإذن من حارس الأراضي المقدسة لإقامة الصلاة في كنيسة القيامة، وفي حالة نشوء خلافات بين طالبي الإذن وحارس الأراضي المقدسة يُرجَع بذلك لحكم البطريرك·
- ينوب من يفوضه البطريرك في إقامة الصلاة والاحتفالات الدينية·
- يحدد البطريرك نظام الصلوات والتعليم الديني في الأبرشية، مع الأخذ بعين الاعتبار فائدة الشعب·
- يحق للبطريرك مراقبة الكتب الممنوعة·
- تخصص كنيسة المخلّص لإقامة الاحتفالات الدينية برئاسة البطريرك، وستصدر تعليمات خاصة بذلك·
- إنّ البطريرك هو الجهة التي تُعْتَمد للانتساب لجمعية فرسان القبر المقدس الخيرية·
- تُرسل الحسنات إلى صندوق حراسة الأراضي المقدسة، ويشرف البطريرك على إدارته وتدقيقه·

horizontal rule


2 - الإكليروس البـطريركـي
صحب المنسنيور فاليركا عند دخوله القدس في 17/1/1848 كاهن ايطالي هو الأب كافاتسي، وأصبح كهنة الرعايا من الرهبان خاضعين للبطريرك فيما يخص الأمور الراعوية· وقد فكّر المنسنيور فاليركا في إنشاء إكليروس بطريركي علماني خاص به، ويعمل بإمرته ليواجه مسؤولية تكوين الرعايا في البطريركية· وكان قد أوصى الكرسي الرسولي بإنشاء مثل هذا الإكليروس وتمنى البطريرك تحقيق ذلك: "البطريركية بلا إكليروس وطني ما هي إلاّ شبح وسخرية"(46)· فها هو يسرع في ضمّ أول كاهن لاتيني عربي إليه هو الأب عبدالله كمنداري من بيت لحم، وقد درس في روما ورُسم فيها كاهناً· ولما لم يكن في فلسطين آنذاك إكليروس علماني ينضم إليه، التحق بالرهبنة الفرنسيسية وارتدى الثوب الرهباني دون أن ينذر النذور الرهبـانية، فظل كــاهناً علمانياً ينتظر اللحظة المناسبة لتحقيق رغبته في الانضمام إلى إكليروس أبرشي علماني· فما أن اتّصل بالبطريرك حتى طلب منه المنسنيور فاليركا خلع الزي الرهباني وارتداء الثوب الكهنوتي والدخول في خدمته فوراً، فكان أول كاهن عربي في الإكليروس البطريركي·
أ) فلسفة الإكليروس المختلط:
وضع البطريرك فاليركا خطة عمل مبتكرة لضمان مستقبل الكنيسة الكاثوليكية في فلسطين، وتقوم خطته على تكوين إكليروس بطريركي مختلط من العرب والأجانب· ويشرح أحد معاصريه هذه السياسة بقوله: "أراد المنسنيور فاليركا أن يلتحق به كهنة من كل الشعوب إلى جانب العناصر العربية المحلية، فيجمع بذلك ممثلين من كل الاجناس حول الأماكن المقدسة"(47) ·
ب) الإكليريكيون العرب الأوائل في غزير/ لبنان:
"بحث المنسنيور فاليركا في الرعايا التي زارها كبيت لحم والناصرة والقدس عن الدعوات الكهنوتية، وطلب بإلحاح من الأسر أن تقدم أبناءها لخدمة الرب"(48)· فتَجمّع لديه سنة 1848 عشرة مرشحين· ولمّا لم يكن للبطريركية معهدها الإكليريكي الخاص، أرسلهم إلى مدرسة الآباء اليسوعيين في غزير/لبنان· ورَسَمَ فاليركا ثلاثة من الإكليريكيين العشرة كهنةً، عملوا في خدمة البطريركية وهم:
1) الأب سمعان اسحق
ولد في القدس سنة 1839، رُسِمَ كاهناً سنة 1863، عمل معلماً في المعهد الإكليريكي، وخدم الرعايا في نابلس وبيت ساحور ورام الله والطيبة والسلط· توفي في دار البطريركية في القدس سنة 1889 عن عمر يناهز الخمسين عاماً(49) ·
2) الأب انطون مرقس
ولد في القدس سنة 1838، رُسِمَ كاهناً سنة 1863، شغل المناصب التالية: مدير المراسم والاحتفالات الدينية في البطريركية وممثلاً للملّة اللاتينية لدى السلطات العثمانية· عُهِدَ إليه عام 1880 بمهمة زائر رسولي لدى الأقباط الكاثوليك بمصر، وظل يقوم بهذه المهمة مدة اثنتي عشرة سنة، وتقاعد في دار البطريركية سنة 1892 بعد إصابته بمرض عضال، وتوفي سنة 1906 عن عمر يناهز ثمانية وستين عاماً(50)·
3) الأب يوسف طنوس
ولد في الناصرة سنة 1838، عُهِدَ إليه بالمهام التالية: التعليم في المعهد الإكليريكي البطريركي سنة 1863، ثم سكرتير القصادة الرسولية في بيروت سنة 1866، وأمين سر البطريركية سنة 1866، ومستشار لاهوتي للبطريرك فاليركا في المجمع الفاتيكاني الأول سنة 1869· وأسس سنة 1880 جمعية راهبات الوردية· توفي سنة 1892 في الناصرة عن عمر يناهز أربعة وخمسين عاما(51) ·
جـ) الكهنة الأوروبيون الأوائل في الإكليروس البطريركي:
قرع المنسنيور فاليركا أبواباً عديدةً طالباً العون والغوث، سائلاً النفوس الكريمة من كهنة إيطاليا وفرنسا وبلجيكا أن ينضمّوا إلى الإكليروس البطريركي· واستغلّ زياراته إلى الغرب لإلقاء الخطب حول إمكانات العمل في فلسطين للكهنة الأوروبيين، وأسفرت حملته عن انضمام عدد من الكهنة إليه· وشكّل الكهنة الأجانب بجانب العناصر العربية نواة الإكليروس البطريركي اللاتيني، وغدا المعهد الإكليريكي بعد سنوات الرافد الرئيس للدعوات الكهنوتية في البطريركية· وفي اشهر الكهنة الأجانب الأوائل التالية:
1) الأب تيوفان ديكيفوفيليه (Theophane Dequevauviller)
فرنسي الأصل، التحق بخدمة البطريركية سنة 1851، وشغل منصب نائب البطريرك العام وأمين سر البطريركية وتوفي سنة 1864(52)·
2) الأب بارتلوميو كارديتو (Bartolomeo Cardito)
إيطالي الأصل، التحق بالبطريركية سنة 1852 وشارك في تأسيس رعية بيت جالا وجفنا·
3) الأب بيير كوتا (Pierre Cotta)
فرنسي الأصل، التحق بخدمة البطريركية سنة 1852، وشغل منصب وكيل المعهد الإكليريكي، وأسس رعية رام الله وتوفي سنة 1863(53).
4)الأب جان موريتان (Jean Morétain)
فرنسي الجنسية، إنضمّ إلى الإكليروس البطريركي سنة 1852· وأسس رعية بيت جالا وبيت ساحور، وبنى عدة كنائس في الأبرشية وتوفي سنة 1883(54) ·
5)الأب لويس بويه (Louis Poyet)
فرنسي الجنسية، انضمّ إلى الإكليروس البطريركي سنة 1852· علّم في المعهد الإكليريكي، ورشحه المنسنيور فاليركا إلى مجمع نشر الإيمان ليكون نائباً بطريركياً عاماً، وتوفي سنة 1893(55) ·
د) المعهد الإلكليريكي البطريركي:
بعد أربع سنوات من تأسيس البطريركية، تحققت أمنية البطريرك بافتتاح المعهد الإكليريكي، وقد توفر لديه عدد من الكهنة ليعلّموا في المعهد· ولم يباشر فاليركا بإرسال كهنته القلائل إلى قرى فلسطين ومدنها، بل فضّل أنْ يؤمّن المستقبل البعيد للأبرشية بفتح المعهد الإكليريكي بجوار دار البطريركية سنة 1852· واحتفظ البطريرك برئاسة المعهد، وعيّن أخاه الأب ليوناردو فاليركا نائباً له، وكان أخوه راهباً كرملياً في حيفا، حصل على إذن من مجمع نشر الإيمان بالانفصال عن ديره لفترة محددة والعمل في خدمة البطريركية· ودرّس في المعهد الأب بويه والأب روجين تومازي، وكان الأب كوتا وكيلاً ومعلماً للغة اللاتينية، والأستاذ يوسف الدقاق اللبناني معلماً للغة العربية· أما تلامذة المعهد الأوائل سنة 1852 فهم انطون ديكها من القدس وفيشنسو كوستانسي من البندقية وثلاثة قبارصة هم شارل كنتوني وتيوفيل سالاتوفيتش واميل زخريا· وانضمّ إليهم في كانون الأول 1853 الإكليريكيون العشرة الذين بعثهم المنسنيور فاليركا إلى غزير في لبنان، فبلغ عدد طلاب المعهد خمسة عشر طالباً· وفي سنة 1857، انتقل المعهد الإكليريكي إلى بيت جالا، وانضمّ إليه سنة 1856 أربعة إكليريكيين فرنسيين هم جان رييه وجوزيف كودرك وجوليان بوست وايتيان جولي(56)·
وجّه البطريرك عدة نداءات إلى المعاهد الإكليريكية في إيطاليا وفرنسا، يدعو الإكليريكيين إلى الانضمام إلى بطريركية القدس· وافتتح نداءه إلى طلاب المعاهد الإكليريكية الفرنسية بكلمات ارميا النبي : "الأطفال طلبوا خبزاً ولم يكن من يكسره لهم" (إرميا: 4:4)، وتتكرركلمات إرميا النبي في ندائه· ويشرح منسنيور فاليركا طبيعة العمل في أبرشية القدس ومغرياته وصعوباته: "إن أبرشية القدس الإرسالية الجميلة الغنية بالذكريات يعوزها العَملة ···"(57)· ويعرض على الإكليريكيين شروط العمل معه "بغير أجر أو راتب"(58)· أما صعوبات العمل فيلخصها بأربع نقاط(59):
- اللغة العربية التي على المرسل إتقانها على الرغم من صعوبتها·
- طبيعة الشعب الذي سيتعامل معه المرسلون·
- تقدم العمل ببطء·
- أوقات الفراغ الطويلة، إذْ إنّ عدد المسيحيين في الإرساليات يتراوح بين مئة أو مئتي نفس· وعلى المرسل استغلال أوقات فراغه في المطالعة والقيام بوظيفتين مطلوبتين منه: فعليه أن يكون طبيباً، "بقليل من المبادئ الطبية ونزر يسير من الأدوية التي يؤمنها مسـتشفى القدس، سيقدم المرسل خدمات حقيقية ومهمة للبشرية المتألمة"(60)· أما الوظيفة الثانية فهي أن يقضي بالعدل بين الناس، "ستصل للمرسل قضايا الفلاحين للنظر فيها، ولا يخشى أن يُسأل، من أقامك علينا قاضياً؟ ويسعى إليه حتى الأرثوذكس والمسلمون مستغيثين بحياده"(61)·
أما إيجابيات الانضمام إلى أبرشية القدس فهي (62).
- وجود الأماكن المقدسة في فلسطين·
- حياة الإكليروس البطريركي العائلية·
- الرياضة الروحية السنوية التي يتوجب على كل مرسل الاشتراك فيها·
- الدورات اللاهوتية الشهرية التي تعقد في المقر البطريركي لتثقيف الإكليروس·
ويختتم المنسنيور فاليركا نداءه بكلمة تشجيعية للإكليريكيين الفرنسيين هي: "القدس تستحق إيثاركم"(63).
وقد قطف المنسنيور فاليركا ثمار جهوده، وحقّق حلمه بإنشاء الإكليروس المختلط من العرب والأجانب، فتسلم الرعايا وشغل المناصب في البطريركية اولئك الذين أشرف بنفسه على تربيتهم الكهنوتية وتعليمهم في المعهد الإكليريكي· أما أول كاهن من الإكليروس البطريركي منحه البطريرك السيامة الكهنوتية، فهو الأب انطون ديكها المقدسي في 8/3/1856، ثم الأب رييه وكودرك الفرنسيين في 20/9/1856 في كنيسة القيامة(64)·
خَلَفَ الأب عبد الله كمنداري الأب ليوناردو فاليركا في نيابة رئاسة المعهد الإكليريكي سنة 1859· وفي سنة 1862، تنازل البطريرك عن رئاسة الإكليريكية للأب منصور براكّو، الذي سيعتلي الكرسي البطريركي خليفة له سنة 1873· ورُسِمَ في عهد البطريرك فاليركا حتى سنة 1872 ستة عشر كاهناً تخرجوا في الإكليريكية، سبعة منهم عرب وأربعة فرنسيون وخمسة قبارصة· وآخر كاهن سامه البطريرك فاليركا هو الأب انطون رزق من الناصرة، "ولد في 31/10/1848، ورسم كاهناً في 24/2/1872، وتوفي في 19/1/1932"(65)·
هـ) قانون الإكليروس البطريركي:
بعد أن تكوّن الإكليروس البطريركي الذي رافقه المنسنيور فاليركا منذ تأسيسه صدر قانون الإكليروس البطريركي عام 1864 بعنوان:
(66)(Regulae a Clero Diocesis Patriarchalis Hierosolymitanae Servandae) ·
وقد استوحى المنسنيور فاليركا روح هذا القانون من تعليم القديس اوغسطين وشارل بوروميه والفونس ليغوري وظروف الحياة في عصره(67)· وصادق الكرسي الرسولي على القانون "وتبناه في الأبرشيات الجديدة في أمريكا"(68)· وأهم ما جاء في هذا القانون ما يلي:
- الحث على روح الوحدة بين الإكليروس البطريركي الذي ينتمي كهنته إلى جنسيات مختلفة·
- تنظيم الإكليروس على أساس المحبة الأخوية والحث على الحياة الجماعية المشتركة·
- دار البطريركية هي ملتقى جميع الكهنة وهي بمثابة بيتهم، خاصة في حالة المرض والشيخوخة·
- تَبّنى القانون عدة مبادئ من الحياة الرهبانية ووضع الأطر السليمة لإدارة رعايا البطريركية، وقد وجه المنسنيور فاليركا رسالتين راعويتين للكهنة والمؤمنين سنتي 1853 و1865 لتنظيم عمل المرسلين في الرعايا·
وبعد صدور قانون الإكليروس البطريركي، شكّل المنسنيور فاليركا مجلساً قانونياً جديداً، مجلس قانونيي القبر المقدس (Les Chanoines du Saint Sépulcre) وضَمّ كهنة عرباً وأجانب· وسام البطريرك الأب منصور براكّو أسقفاً وعينه مساعداً ونائباً له سنة 1866·
و - دار البطريرك والكنيسة الكون كاتدرائية(69).
في عام 1848 حلّ المنسنيور فاليركا ضيفاً على الآباء الفرنسيسيين، فسكن في دير المخلّص إلى أن يتوفر له منزل مستقل ينتقل إليه· في سنة 1849 قدمت له حراسة الأراضي المقدسة بناءً مكوناً من ثماني غرف أُعدّ لاستقبال الحجاج· وفي سنة 1852 وضعت حراسة الأراضي المقدسة تحت تصرف البطريرك داراً مجاورة للمقر البطريركي، واستأجر هو داراً أخرى، فتمكن من فتح المعهد الإكليريكي في الحرم البطريركي، ونُقِلَ المعهد عام 1857 إلى بيت جالا· وفي سنة 1860 قدم الباب العالي أرضاً فسيحةً ليشيّد عليها المقر البطريركي الدائم· وانتقل البطريرك إلى الدار البطريركية الجديدة عام 1865 ويصفها البارون دي فاندلبورغ: "إنّ الدار البطريركية ليست قصراً أسقفياً، فالمنسنيور فاليركا الذي بناها قدّر أن تكون مسكناً للأسقف وكهنته معاً، فهي أشبه بدير أو معهد إكليريكي أو بيت جمعية رهبانية· وتقع دار البطريركية في شمال غربي القدس، وهي بناء واسع من طابقين"(70)· ولا تزال هذه الدار مقر بطاركة القدس حتى يومنا هذا وملاذاً للكهنة المسنين، وتضم بين جدرانها مكاتب البطريركية ودوائرها· وقد تمّ بناء الكنيسة الكـون كــاتدرائية وتـقع بجـوار المـقــر الـبـطريركي سنة 1872· ودشّنها البطريرك في 11/2/1872، وبُنِيَت على نفقة جمعية فرسان القبر المقدس الخيرية التي تبرعت بالقسط الأكبر من تكاليف البناء، "وكان المنسنيور فاليركا المؤسّس والمهندس الوحيد لكل من الكنيسة والمقر البطريركي"(71)·

horizontal rule



3 - إرسـاليــات البـطـريـركــيـة
جاء في كُتيّب عن حياة المنسنيور فاليركا لأحد كهنة البطريركية: "عندما تسلم المنسنيور فاليركا زمام الأبرشية بلغ عدد الكاثوليك فيها 4200 نفس، تجمعوا حول أديار الآباء الفرنسيسيين"(72)· ولم ينحصر المنسنيور فاليركا في هذا الإطار الضيق، بل انطلق مع فريق من الكهنة يؤسس الرعايا ويبني الكنائس ويفتح المدارس ويقدم الرعاية الدينية للمؤمنين· ولم يكن ذلك بالأمر السهل، فقد حفل تاريخ الإرساليات بين سنتي 1853 - 1872بضروب الإخفاق وتوالى عليها الفشل والنجاح· وأسّس فاليركا إحدى عشرة إرسالية هي التالية:
أ) إرسالية بيت جالا:
أسّس البطريرك رعية بيت جالا سنة 1853، فكانت باكورة الإرساليات البطريركية، وأهمّ المشاريع الكبرى التي وضعت الكيان البطريركي حديث الولادة على المحك، وجعلت مصير البطريركية مرهوناً بنجاحها في بيت جالا·
تقع بيت جالا جنوبي القدس بتسعة كيلومترات وكيلومترين غربي بيت لحم· وتسكنها أغلبية أرثوذكسية وقلة من الكاثوليك: "في مطلع القرن التاسع عشر بلغ عدد الكاثوليك في بيت جالا مئتي نفس"(73)، بينما تجاوز عدد الروم الأرثوذكس الألف·ولمّا جاء مرسل البطريركية إلى القرية كان عدد الكاثوليك قد تناقص فلم يجد الاّ عشرة فقط(74).
خدم رهبان مار فرنسيس في بيت لحم رعية بيت جالا، ولكنهم لم ينجحوا في الاستقرار في القرية، وحال دون ذلك المقاومة العنيفة التي لاقوها من بطريركية الروم وأهل القرية· ولمّا أصبحت هذه الإرسالية تابعة للبطريركية، أضحى "من المؤكد أنّ نفوذ البطريرك وحده قادر على كسر طوق سيطرة البطريركية الأرثوذكسية اليونانية"(75)· فاشترى الأب عبدالله كمنداري في بيت جالا بيتاً لحساب البطريركية، واتفق مع مالك البيت على أن يشغل الدور الأول وتبني البطريركية الدور الثاني مسكناً لمرسلها، فشرع الأب عبد الله بالبناء(76)·
1) الأب موريتان في بيت جالا:
في 15/11/1853 توجّه مرسل البطريركية الأب موريتان إلى بيت جالا، فقد جاء في مذكراته: "بعد أن باركني غبطة البطريرك وبارك إرساليتي، غادرت القدس يرافقني الأب آلار (Allard) وعبدالله وقواس البطريرك وخادم· وحملنا معنا اللوازم الضرورية لبيت صغير وكنيسة على أربعة جمال أو خمسة"(77)· وجد الأب موريتان قلة من المؤيدين في القرية، وهم قدامى اللاتين، وكثرة من الأرثوذكس المستائين· وما أنْ حلّت القافلة في القرية حتى أسفرت المعارضة عن إجراء عملي سريع، فحلّ أحدهم حبال الإبل وسرّحها باتجاه بيت لحم· وجرح في أثناء المشادة التي نشأت بين الأب عبد الله وسكان القرية الأب موريتان في ساقه، فأرسل الأخيرعلى وجه السرعة الأب آلار ليعلم البطريرك بالحوادث التي جرت(78)·
2) البطريرك فاليركا في بيت جالا:
لم تلقَ شكاوى البطريرك والقنصل الفرنسي بوتا أذناً صاغيةً عند باشا القدس العثماني، فعزم البطريرك أن يتوجه بنفسه إلى بيت جالا، "ليتصدى للعاصفة التي هبّت بوجه مرسله، وليرى هل يجرؤ اليونانيون أو الباشا على اخراجه من هناك بالقوة" (79)· فوصل البطريرك إلى بيت جالا في 27/11/1853، برفقة القنصل الفرنسي وأمين سر القنصلية السيد ليكيه (Lequeux)· فأمر البطريرك العمال بمتابعة بناء البيت غير المكتمل ليَصْلُح للسكن· ولكن بطريركية الروم أعلمت الباشا العثماني في القدس بأنّ البطريرك فاليركا يبني كنيسة في القرية، فأمره بإيقاف العمل، فاحتجّ البطريرك ورفض مغادرة القرية وتابع العمل في بناء البيت(80)·
وقعت المناوشات الأولى يوم 3/12/1853، إذْ حاصر البيت حوالي 150 رجلاً مسلحاً· فقام البطريرك بتنظيم المقاومة والمفاوضات في آن واحد، فتراجع عمال البناء وخَدم البطريرك والقواسان داخل البيت، ووصل لنجدة البطريرك بعض المسيحيين اللاتين من بيت لحم وإخوة الأب عبد الله وأمين سر القنصلية الفرنسية، وأخيراً حُلّت الأزمة بالمفاوضات وعلا صراخ مؤيدي البطريرك >افتحوا الصلاة<(81)· فانفكّ الحصار من حول البيت، وأقام البطريرك الصلاة يوم الأحد في 4/12/1853 لأول مرة في بيت جالا· وفي هذه الأثناء، "باع الياس الشاعر مالك البيت القديم بيته مرة ثانية لبطريرك الروم ليقبض ثمنه مرة ثانية، وأشرك مالكين فيه" (82) · وبناء على عقد البيع الأخير ادعت بطريركية الروم بأنها مالكة البيت الوحيدة، وطالبت السلطات العثمانية بتسليم البيت لها وإخلائه من القاطنين فيه· وقد تحالف أهل القرية مع زعماء القرى المجاورة لطرد اللاتين من قريتهم مقابل تبعية بيت جالا على الصعيد العشائري لهؤلاء الزعماء(83)·
وقع الاشتباك الثاني يوم الجمعة 6/12/1853، وبدأت المناوشات حين دخل ثلاثة مسلحين دار الإرسالية، وطلبوا من البطريرك الرحيل عن القرية، وشهر أحدهم سيفه بوجهه· وتفادى الأب كوتا ضربة موجهة إليه، ولكن جُرِحَت يده وسقط على الأرض· فتشجّع سكان البيت وتمكنوا من إخراج المسلحين وتحصنوا داخله· وانفكّ الحصار مساء 10/12/1853بوصول الجند العثماني من القدس، بعد أن طلب القنصل الفرنسي من الباشا التحرك بسرعة لتفادي النتائج الوخيمة لمثل هذه الحوادث(84).
وأسفر الهجوم على البيت عن إصابة المبنى بأضرار بالغة، وجرح سبعة أشخاص منهم الأب كوتا، وأصيب البطريرك بحجر في ساقه· توقع البطريرك أنّ الأرثوذكس سوف يستغلون غيابه ليلة عيد الميلاد في بيت لحم لتصفية الإرسالية، فألغى دخوله الاحتفالي في كنيسة المهد ليلة 24 - 25/12/1853، وأقام صلاة العيد في بيت جالا·
استمرت المناوشات بلا نتيجة حتى 6/2/1854، فتعرضت الإرسالية لهجوم خاطف حطّم ما تبقى من زجاج المبنى، فطالب البطريرك والقنصل الفرنسي قاضي القدس باتخاذ إجراءات رادعه لمعاقبة المعتدين، وكان حافظ باشا قد توفي في 16/1/1854· فألقى الجند العثمانيون القبض على شابين صغيرين واتهموهما بتحطيم الزجاج· فرفض البطريرك هذا الحل وتدخل لإنهاء المهزلة واطلاق سراح الشابين، لأن المعتدين ما يزالون في القرية يتجولون حول الإرسالية دون رادع، وقد عملت الجهات المؤيدة لهم على حمايتهم، على الرغم من أن عشرين جندياً رابطوا في القرية لهذه الغاية· وإذ ذاك وجّه القنصل بوتا إلى السلطات العثمانية في القدس الإنذار الأخير، إذا لم تتخذ الإجراءات لإلقاء القبض على المعتدين وترميم البيت، وأنذر أنه سيتوجه مع البطريرك إلى يافا احتجاجاً على تواطؤ الموظفين الأتراك· ومن يافا سيرفعون القضية إلى الباب العالي، لينقلا بذلك قضيتهم من المستوى المحلي إلى المستوى السياسي وعلى أرفع المستويات، فغادر البطريرك والقنصل بوتا بيت جالا في 7/2/1854 إلى منفاهما الطوعي في يافا·
يلخص توما بنورة أحداث هذه الحقبة من تاريخ بيت جالا بقوله: "عندما عاد البطريرك إلى أرض فلسطين (من سفره إلى روما وباريس) جاء ليستقر في بيت جالا، حيث أسّس أول طائفة لاتينية فيها عام 1853 ميلادي، وهذا ما أثار عليه المتاعب الجديدة من البطريركية الأرثوذكسية وممثليها في بيت جالا والطائفة الأرثوذكسية فيها، فهاجموه محاولين قتله مع من معه"(85) ·
3)المنفى الطوعي في يافا:
حلّ البطريرك فاليركا ضيفاً في يافا على رهبان مار فرنسيس طوال ستة أشهر ينتظر جواباً من إسطنبول، وقد طلب معاقبة المعتدين وبناء كنيسة في بيت جالا· وفي 4/3/1854، وصل باشا القدس الجديد يعقوب باشا، ولم يكن في جعبته إلاّ وعود شفوية مبهمة· فعاد بوتا إلى القدس واتصل بالسفارة الفرنسية في إسطنبول، فلم ينلْ إلاّ وعوداً مبهمة أيضاً، ووبخته السفارة الفرنسية في الأستانة على مغادرته مركز عمله في القدس دون إذنها· فراسل بوتا حينئذٍ وزارة الخارجية الفرنسية مباشرة، داعياً حكومته للتّدخل في الأستانة والضغط على السفارة الفرنسية، كي تعمل على صدور فرمان بناء الكنيسة ومعاقبة المعتدين على البطريرك والإرسالية، "فتجاوز بوتا بذلك حدود الحذر والفطنة، وهذا نادراً ما يحدث في الدبلوماسية، مخاطراً بمنصبه ومستقبله السياسي، متمماً ما كان يعتقد أنه واجبه كقنصل وصديق للبطريرك"(86)· فأسفرت خطوة بوتا عن تحرك السفارة الفرنسية، فأرسلت للقنصل كتاباً وزارياً (Lettre Vizirielle) (87) صادراً عن الباب العالي يأمر بمعاقبة المعتدين في حوادث بيت جالا، وإرسال ثلاثة من أعضاء ديوان الباشا في القدس للأستانة لمحاكمتهم، وقد ثبت تواطؤهم مع المعتدين· فألقى الباشا القبض على المعتدين، وعمل على تنفيذ أمر الأستانة بشأن أعضاء ديوانه·في 27/2/1854 - 1/شوال/1270هـ· صدر فرمان بناء الكنيسة· وتبعه كتاب وزاري آخر موجّه إلى باشا القدس يأمره بأن "يقدّم الأرض المناسبة على نفقة الباب العالي لبناء كنيسة في بيت جالا"(88)· وفي 15/8/1854، رست السفينة التي تحمل الفرمان في مياه يافا، وقُرئَ الفرمان علناً في ديوان الباشا في القدس بحضور وجهاء المدينة·
4) عودة البطريرك فاليركا إلى القدس:
"صمّم البطريرك أن يرجع إلى القدس ويدخل المدينة رسمياً بناءً على نصيحة صديقه بوتا، لأن الإساءة إلى شخصه كانت علنية، فالتعويض يجب أن يكون علنياً أيضاً"(89)· وانضمّ إلى البطريرك العديد من الأصدقاء في دخوله إلى القدس: القنصل الفرنسي والنمساوي ومصطفى أبو غوش ووجهاء الكاثوليك في بيت لحم وبيت جالا القدس والشيخ حمدان شيخ التعامرة (قرى شرقي بيت لحم)· وأطلقت صليات من الرصاص من برج داود على سور القدس تحية للبطريرك(90) ·
5) بناء كنيسة بيت جالا:
تمّ اختيار موقع الكنيسة بإشراف باشا القدس، فعَرَضَ على المنسنيور فاليركا أرضاً أميرية (ملكية حكومية) واسعة، زرع سكان القرية أجزاءً منها بأشجار الزيتون فعوضتهم الحكومة بدل مزروعاتهم حسب ما جاء في تعليمات الأستانة·
وفي 4/9/1854، شرع الأب موريتان في بناء كنيسة بيت جالا على الطراز الغوطي والدير الملحق بها· وأهدى الامبراطور نابليون الثالث ثلاث لوحات للكنيسة· وبُنِيَ المذبح من الرخام الأبيض، وقد استبدل به فيما بعد مذبح نحاسي هدية من إمبراطور النمسا فرنسوا جوزيف· ودشّن البطريرك الكنيسة والدير في 18/4/1858، وكان المعهد الإكليريكي قد انتقل إلى بيت جالا سنة 1857 قبل أن يتمّ البناء·
لم تكن الصعوبات الحقيقية في بناء الكنيسة وفي جلب المياه من الينابيع البعيدة على الدواب وإحضار الأخشاب من غور الأردن، بل في التعامل مع أهل القرية، فكتب موريتان في مذكراته: "عندما جئنا إلى بيت جالا انضمّ عدة أشخاص إلى طائفة اللاتين، آملين بأنْ نمدّهم بالمال· ولما تأكد هؤلاء من أننا لن نفعل ذلك، تراجعوا حالاً وتنكروا للطائفة، وحسناً فعلوا· ووقعت عدة محاولات لإغرائي وبطرق مختلفة، كأن أقبل حياً بكامله ينضم إلى طائفتي، أو أن يهتدي خمسمائة أو ستمائة شخص إلى الكثلكة بشرط أن أدفع عنهم الجزية والخراج فلم نرضَ بذلك، وصرّحتُ مراراً لمن عرض علي مثل هذه الصفقات، بأنني أفضل عشرة أشخاص ينضمون إلى الكنيسة الكاثوليكية دون إغراء مادي على ألفين بالمال، لأن الدين لا يقوم على المال· من جهة أخرى علم هؤلاء الناس أن دير الروم لن يقف مكتوف الأيدي، فإذا دفعنا لهم سيدفع هو أيضا، وهكذا يظل هؤلاء القرويون على ما هم عليه مستغلين الكنيسة التي تسدد الضرائب المستحقة عليهم"(91) ·
لم يؤمن الأب موريتان بمبدأ شراء الاتباع بالمال، بينما كان على استعداد لحماية سكان القرية من لاتين وأرثوذكس: "عدا الخدمات التي أقدمها لكل فرد في القرية، فقد عملت على حمايتهم جميعاً ارثوذكساً ولاتيناً من طغيان الأتراك ونجحت في ذلك"(92)· وثبّت باشا القدس الأب موريتان في مهمته وقد اطمأن لهيبته في القرية ووكّله بمعاقبة الخارجين على القانون بالسجن إذا اضطرّ لذلك(93)· وهكذا تمتع الأب موريتان بتأييد البطريرك فاليركا والقنصل بوتا، وكانت الظروف السياسية مواتية له: "فقد دخلت قوات الحلفاء (حرب القرم) البحر الأسود، وبدأ حصار سبستبول (مدينة على البحر الأسود)···، وكان يكفي أن تكون فرنسياً لتُعامل باحترام أكثر من غيرك"(94) ·
ويُعَد تأسيس رعية بيت جالا منعطفاً مهماً في تاريخ البطريركية اللاتينية، فعلى ضوء الخبرة التي خرج بها البطريرك افتتح الإرساليات الأخرى· وأثبت أنّه قادر على مواجهة الصعوبات والتصدي للأتراك وغيرهم، وبرهن على قدرته على الوصول إلى أرفع المستويات السياسية في فرنسا وتركيا، لتحقيق رسالته وتأمين حرية العمل للكنيسة الكاثوليكية في الأرض المقدسة·
ب) إرسالية جفنا:
تقع قرية جفنا على بعد 25 كم شمالي مدينة القدس، وقد تمّ الاتصال بأهل جفنا، وهم من الأرثوذكس، بفضل شخص يدعى خليل ياسمين، كان قد أمضى بضعة أشهر في المعهد الإكليريكي ولم يتابع دراسته، فعمل في التجارة بائعاً متجولاً متنقلاً بين القرى· وفي بيت جالا اطّلع على مواقف البطريرك وتطورات الأحداث التي أدت إلى افتتاح أول رعية للبطريركية اللاتينية· فصار خليل ياسمين بوق دعاية للبطريركية يروي في كل قرية يمرّ فيها هذه الأحداث· ويرد اسم خليل ياسمين في عدة وثائق كمعرّف وصلة بين أهل القرى والبطريركية(95)·
وفي سنة 1855 طلب أهل جفنا من البطريركية إرسال أحد الكهنة الى قريتهم: "عدة وفود من الأرثوذكس تطلب كاهناً لاتينياً ليثقفهم في الإيمان الكاثوليكي"(96)· فلم يتسرع البطريرك بإرسال كاهن إلى جفنا خوفاً من إثارة حساسية الأكثرية الأرثوذكسية فتتكرر أحداث بيت جالا الأليمة، ولذا أرسل البطريرك إلى جفنا معلماً للتعليم المسيحي، وتَبِعَ المعلم الأب انطون ديكها والأب كارديتو والأب ماري الفونس راتسبون· وكان هؤلاء الكهنة يترددون على جفنا يوم الأحد فقط· سار المنسنيور فاليركا على هذه الطريقة ليتأكد من صدق نيتهم حتى عام 1856، فعيّن الأب كودرك خوري رعية، وجاء ذكر جفنا في مراسلات البطريرك بهذه العبارات: "مدرسة جفنا التي فُتِحَت منذ شهرين تعد خمسة عشر طالباً، وفي عيد الميلاد تصالح مع الكنيسة الكاثوليكية نحو عشرين شخصاً بالغاً بين رجل وامرأة"(97)· بنى الأب كودرك دير جفنا الذي لا يزال حتى يومنا هذا مسكناً لخوري الرعية· وانتخبت رعية جفنا مختارها أسوة بغيرها من طوائف القرية بإشراف كودرك وموافقة باشا القدس العثماني·
أدّت ظروف ذلك العصر إلى ظهور المعارضة كما حدث في بيت جالا، وأسفرت المعارضة عن محاولة فاشلة لاغتيال خوري الرعية بإطلاق الرصاص عليه في ديره· وشرع الأب كودرك ببناء كنيسة غوطية صغيرة صمّم مخططها الأب موريتان سنة 1856، وجرت محاولة لإيقاف البناء فوجد لها العسكر العثماني حلاً· وتمّ بناء الكنيسة سنة 1859، وهي الكنيسة الحالية وقد رُمـِمت مراراً لقدمها·
جـ) إرسالية اللد:
أعربت ثلاثون عائلة من اللد سنة 1856 عن رغبتها في الانتماء إلى الكنيسة الكاثوليكية وقد شجعهم على ذلك أحد سكان اللد ويدعى رزق الله دبّاس(98)، وهو أرثوذكسي اتصل باللاتين في الإسكندرية وانتمى إليهم· فعهد البطريرك إلى خوري رعية الرملة الفرنسيسي الدو براندو (Aldo Brando) بأن يعتني بأمرهم، ويبني لهم كنيسة ومدرسة· وخلفه الأب سيمون كاجابچوف (Samon Kajabekow) من الإكليروس البطريركي، وقد ولد في مقاطعة جورجيا في روسيا سنة 1820، ودرس اللاهوت في روما ولم يستطع العودة إلى بلاده، فانتدبه مجمع نشر الإيمان للعمل في الإكليروس البطريركي· فتسلم رعية اللد في 11/12/1857 إلى أن وافته المنية في 29/5/1906· وعُرف في تلك المنطقة وبين زملائه في الإكليروس البطريركي بلقب "الأب سمعان اللدّاوي"(99)·
د) إرسالية رام الله:
تقع رام الله على مسافة 16 كم شمالي القدس· واتّبعَت البطريركية في رام الله الخطوات عينها تقريباً التي اتّبعتها في جفنا، ويذكر البطريرك رام الله في رسالة إلى مجمع نشر الإيمان بقوله: "سألني بعض سكان رام الله عدة مرات في السنوات الماضية أن أفتح إرسالية في قريتهم" (100)· قيّم المنسنيور فاليركا هذه الطلبات وأجاب عليها بحذر: "مثل هذه الرغبات لا تخلو من مصالح ثانوية وإنسانية"(101)· "قررت حالياً أن أبعث معلماً إلى رام الله ليدرّس مبادئ الديانة لمن يتقدم إليه"(102)· وبعد فترة من تخصيص معلم الديانة المسيحية في رام الله، أراد البطريرك أن يتأكد بنفسه من نية أهل رام الله وصدق عزمهم: "رغبت في التأكد شخصياً من استعداد هؤلاء الناس، فزرتهم في طريق عودتي من الناصرة (إلى القدس)، فاستُقبِلت بمظاهر احترام لم أكن أتوقعها"(103)· والخطوة الثانية هي أن يقوم بخدمة رعية رام الله كاهن من البطريركية،" اقترح أن أبعث أحد كهنتي ليدعم ويطور مهمة معلم التعليم المسيحي"(104)· ففي عام 1856 فتحت البطريركية مدرسة بلغ عدد طلابها 40 طالباً· ولم تحِد البطريركية عن سياستها في إنشاء الإرساليات، إذ لم تَسْع إلى دعوة المؤمنين إليها بل انتظرت أن يتوجهوا نحوها غير متسرعة في تلبية رغباتهم، بل تتأنّى في تحقيقها لتتأكد من تصميمهم وثباتهم في الإيمان: "لم نعطهم أي شيء كان، بل تركتهم يتدبرون أمورهم بأنفسهم· واكتفيت بإرسال كاهن أيام الآحاد إلى رام الله، ولكن إذا استمرت الأمور على هذا النحو فيجب أن أعيّن كاهناً مقيماً عندهم"(105)· وتمّ اختيار الأب كوتا لهذه الغاية في بداية عام 1857، فاستأجر غرفة يقيم فيها حتى يتم بناء الدير· ويصف الأب موريتان مسكن زميله الأب كوتا : "سكن مؤقتاً في بيت كبير من بيوت الفلاحين وحالة البيت رديئة، واستعمل هذا البيت المكون من غرفة واحدة كنيسةً وغرفة نوم وصالة طعام وديواناً لضيوفه الكثيرين"(106)· وحسب سجلات كنيسة رام الله عمّدَ الأب كوتا أول طفل في رعيته بتاريخ 26/7/1857، وبارك أول اكليل في 27/2/1859، وصلى على جثمان أول متوفى في كانون الأول 1860·
ذكر الأب كوتا في رسالة إلى البطريرك بتاريخ 6/6/1860 أن عدد أبناء رعيته يبلغ 200 نفس، وقد طلب مؤخراً منه نحو 200 أرثوذكسي اعتناق الكثلكة، فأصبح المجموع 400 نفس، مما حرّك المعارضة الساكنة حتى الآن، والتي اعربت عن سخطها >بانتقام متّبع< في ذلك العصر، بقطع أشجار الزيتون والتين التي يملكها أحد أبناء الرعية في 2/5/1860· لم يتراجع الأب كوتا في رسالته ومشاريعه: إنَّ عدد الكاثوليك في تزايد منذ سنة، ولم تعد الكنيسة الصغيرة مناسبة فيجب أن نشرع في بناء كنيسة وتأمين معلمة للفتيات"(107)· ولكن حلم الأب كوتا لم يتحقق، فقد اختطفته يد المنون في 9/10/1863 بعد مرض عضال· وبُنيت الكنيسة سنة 1908 في عهد البطريرك كماسيي( Camassei) ·
هـ) إرسالية بيت ساحور:
يعود تاريخ الطائفة اللاتينية في بيت ساحور القريبة من بيت لحم إلى زمن دخول الآباء الفرنسيسيين الأراضي المقدسة عام 1347(108)· فاشترى الآباء الفرنسيسيون مزاراً يُعرف بحقل الرعاة في بيت ساحور، فقد جاء في التقليد المسيحي القديم أن الملائكة ليلة الميلاد ظهروا للرعاة في حقول بيت ساحور· وفي المزار قدم الرهبان الخدمات الدينية لرعية بيت ساحور حتى سنة 1820، حين فقد الرهبان ملكية المزار فأخذوا يقيمون قداس الأحد في بيت خاص· وفي عام 1848 طلب السيد سالم عيّاد من البطريركية أنْ تتولى العناية بالطائفة اللاتينية في القرية، فوعده البطريرك خيراً، ولم يَفِ بوعده إلاّ بعد عشر سنوات(109)· فأرسل البطريرك الأب موريتان سنة 1858 إلى بيت ساحور، وكان قد أنهى عمارة الدير والكنيسة في بيت جالا· وقد أقام الأب موريتان الشعائر الدينية في مغارة غربي القرية، ثم انتقل إلى بيت سليمان عياد في المنطقة نفسها(110)· وفيما بعد "اشترى الأب موريتان أرضاً وشيّد عليها ديراً وكنيسة ومدرسة صغيرة لأبناء الطائفة"(111)· ففي 13/7/1863 وضع حجر الأساس وتمّ البناء في 18/3/1864(112)· ذاع صيت الأب موريتان كمهندس بارع، فنُقل إلى السلط ليشرف على بناء أول كنيسة كاثوليكية في شرقي الأردن، ثم عاد إلى بيت ساحور وبنى الكنيسة الثانية عام 1877(113)·
وهكذا وفي غضون بضع سنوات أحاط البطريرك القدس برعايا يقيم فيها كهنة البطريركية وبنى الكنائس وفتح المدارس، وأخذ يعد العدة في سنة 1860 لينطلق إلى مناطق بعيدة عن مقره: كنابلس وبير زيت والطيبة والسلط·
و) إرسالية نابلس:
لم تكن المدن والقرى التي أنشأت فيها البطريركية إرساليات، كبيت جالا وبيت ساحور وجفنا مراكز إدارية، أما نابلس فقد كانت سنجقاً ومقراً للحاكم التركي(114).
فلا بدّ للبطريركية من أن يكون لها ممثل قريب من السلطات التركية، ومن هذا المنطلق سعت البطريركية إلى تثبيت أحد كهنتها في نابلس· وقد اخفقت محاولة البطريركية الأولى في تأسيس إرسالية في نابلس سنة 1860، إذْ لاقى الأب كورته(Courtais) الذي انتدبه البطريرك لهذه الغاية مقاومة من قبل متصرف نابلس وسكانها: "وهدّد بالعقاب كل من يستقبل الكاهن، وصدرت أوامر سريّة تمنع السكان من تأجيره بيتاً"(115)· فاقترح البطريرك على الأب كورته أن يسافر إلى بيروت ويعرض القضية على المسؤولين العثمانيين هناك· فعاد من بيروت بكتابي توصية لم يرحب بهما متصرف نابلس، بل تلكأ في تنفيذ أوامر رئاسته· فقررت البطريركية أن تؤجل إنشاء إرسالية إلى أن تحين الفرصة المناسبة· ولمّا أخذ حاكم نابلس يماطل في وعوده، أمر البطريرك الأب كورته بمغادرة المدينة وكان قد حلّ فيها ضيفاً على أحد المسيحيين·
وفي عام 1869 فتحت البطريركية إرسالية نابلس بعد أن اتصلت بطبيب كاثوليكي في نابلس يدعى دولت(Dolt) (116) كان يعمل في خدمة الجيش العثماني في نابلس، ونال هذا الطبيب الاحترام والتقدير لخدماته الطبيه· فكانت توصية الطبيب لدى حاكم نابلس أنجع من كتب التوصية الصادرة من بيروت· فاستأجر الأب جوليان بوست داراً في نابلس حوّل قسماً منها إلى كنيسة· وحلّ محله بعد فترة قصيرة الأب اوغستودي اكتس الذي كان يشغل منصب أمين سر القصادة الرسولية في بيروت، وقد عهد الكرسي الرسولي إلى المنسنيور فاليركا بمهمة الإشراف عليها عام 1858· "لم تشكّل رعية اللاتين في نابلس عبئاً على دي اكتس فقد كانت الرعية تعد 30نفساً موزعة على سبع أسر"(117)، فاتصل بمسيحيي القرى المجاورة ومنها رفيديا في ضواحي نابلس عام 1866· والجدير بالذكر أن دي اكتس عاصر انتشار الكوليرا عام 1865 واجتياح الجراد لفلسطين عام 1866، وكتب في هاتين الكارثتين تقريراً من ثلاثين صفحة وعدة رسائل تُعَد مصادر قيمة لأحداث تلك الفترة في فلسطين·
ز) إرسالية بير زيت:
كان الأب كودرك خوري رعية جفنا من أوائل المرسلين الذين انضمّوا إلى البطريركية وقد أتقن اللغة العربية، فصار البطريرك يعهد إليه بتدريب الكهنة الجدد، وكان ديره لا يخلو من بعضهم على مدار السنة. ووجد المرسلون متنفساً لنشاطهم في جفنا والقرى المجاورة· فعهد الأب كودرك إلى مساعديه الأب فيليب هلنبروك (Uhlenbrok) والأب جولي (Joly) بإنشاء إرسالية بيرزيت التي تبعد عن جفنا مسافة كيلومتر ونصف بناء على رغبة بعض سكان القرية· فاستأجر لذلك بيتاً ريثما يتم بناء الدير· ويروي الأب كودرك افتتاح الإرسالية بهذه الكلمات: "توجهت في مساء الأحد27/9/1859إلى بيرزيت برفقة الأب فيليب وجولي، وبعد أن تجمع اللاتين في البيت الذي هيأناه وحوّلناه إلى كنيسة صغيرة، تليت طِلْبَة القديسين وخطبت فيهم مهنئاً بافتتاح الرعية"(118)· لم تلبث المعارضة أن ظهرت في القرية فمنعت الأب فيليب من دخول بيرزيت، وحيكت مؤامرة أسفرت عن القاء القبض على أحد أبناء الرعية· ولم يُطلَقْ سراح السجين وتؤمّن حرية العمل لمرسلي البطريركية إلاّ بعد أن تدخّل قنصل فرنسا لدى الباشا العثماني في القدس· وبنى الأب جولي كنيسة بيرزيت بين عامي 1863-1865·
لم تكن العوامل الدينية وحدها هي التي أدّت إلى المعارضة أو إلى اهتداء بعض الأرثوذكسيين إلى الكثلكة، بل مثّل الصراع القبلي والعشائري دوراً مهماً وكان الدافع لكلا الظاهرتين المعارضة والاهتداء· فتحول عشيرة أو عائلة إلى الكنيسة الكاثوليكية، كان يتم في أغلب القرى بسبب منافستها مع عشيرة أخرى بهدف الاحتماء بالبطريركية اللاتينية والاستفادة من نفوذها لدى السلطات العثمانية واتصالاتها بالقوى العظمـى وخاصة فرنسا· وقلما جمعت البطريركية في إرسالية واحدة بين أسرتين متنافستين قبلياً، وسوف يظهر بجلاء هذا الواقع في قرية الطيبة التي انتقل اليها الأب فيليب في مطلع عام 1860· ومن الأسباب التي دفعت بأبناء الكنيسة الأرثوذكسية إلى الكنيسة الكاثوليكية، تشدد الكنيسة الأرثوذكسية في السماح لأبنائها بالزواج بين أبناء العمومة الشائع في فلسطين والأردن، والذي يعود إلى أسباب اهمها الدافع الاقتصادي، الرامي إلى الحفاظ على ميراث الأسرة بيد أبنائها وعدم انتقاله إلى عشيرة أخرى بزواج الفتيات من الغرباء، بينما أخذت البطريركية اللاتينية تمنح السماح لزواج أبناء العمومة بسهولة·
ج) إرسالية الطيبة:
تُلْقِي رسالة موجهة من الأب انطون ديكها خوري رعية الطيبة إلى المنسنيور فاليركا الضوء على تأسيس إرسالية الطيبة· ومما جاء في هذه الرسالة أن الشيخين عيسى المصيص ومخائيل بركات من الطيبة، طلبا من البطريركية مرسلاً يخدم مسيحيي القرية· وقد انقسمت القرية إلى معسكرين متعاديين، عشيرة المصيص وعشيرة الخوري، والعشيرتان من أبناء الطائفة الأرثوذكسية· ولم يكن نداء عشيرة المصيص إلى البطريركية بدافع ديني محض، بل بسبب الصراع القبلي المستفحل في القرية· وقد كتب الأب هلنبروك إلى البطريرك يلمح إلى التحزبات في القرية ويؤيد فتح إرسالية فيها، فبرز أمام البطريركية هدف جديد: "إنّ موقع الطيبة مناسب لتحضير إرساليات شرقي الأردن، وكي تتعرف البطريركية على سكان الصحراء أصدقاء سكان الطيبة، إذْ نشاهد كل يوم جمالهم تدخل الطيبة"(119) وفي سنة 1859 زار الأب كودرك الطيبة يرافقه عدد من الكهنة، منهم الأب موريتان الذي اقترح حلاً بارعاً للنزاع القبلي في القرية: "أن نبني الكنيسة في موضع يقع بين العشيرتين، ونفتح للكنيسة بابين، باب من كل جهة، لنمكن العشيرتين من دخول الكنيسة دون أن تتقابلا فتقع المشاجرات بينهما· وكان موقع الكنيسة الأرثوذكسية غير مناسب لأنه في حي إحدى العشيرتين، فانقطعت العشيرة الأخرى عن دخول الكنيسة منذ أربع أو خمس سنوات"(120)· فوكّلت البطريركية الأب هلنبروك تأسيس إرسالية الطيبة في تموز 1860، ولكن يد المنون اختطفته في ريعان شبابه في 28/9/1860، وهو في الثامنة والعشرين من عمره· فخلفه الأب كورته الذي شرع في بناء الكنيسة سنة1861 وتمّ بناؤها سنة 1871· وشكّلت عشيرتا المصيص وبركات نواة الطائفة اللاتينية في الطيبة·
ط) إرسالية السلط:
أشرف الآباء الفرنسيسيون على الأماكن المقدسة في فلسطين ولم يعبروا نهر الأردن شرقاً· فحتى سنة 1866 لم يكن للكنيسة الكاثوليكية صلة في الأردن، "فانتظر البطريرك فرصة سانحة أوسبباً ما ليسرع وينصب خيمته هناك"(121)· فقد كان الأردن ضمن حدود بطريركية القدس·
وفي يوم من أيام عام 1866 قرع باب دير الأب دي اكتس في نابلس خيّالة من السلط وسألوه أن يرافقهم إلى بلدهم، فقد وقع فريسة المرض شخص لاتيني من بيت لحم كان يعمل في السلط، وألحَّ المحتضر أن يكون بقربه كاهن كاثوليكي في ساعة الموت· ورافق الأب دي اكتس الوفد السلطي إلى السلط وأتمّ الواجبات الدينية الضرورية بقرب المحتضر· فنشأت في هذه المناسبة صداقة حميمة بين الأب دي اكتس ومسيحيي السلط، فحلّ ضيفاً على الشيخ خليل نوري الزعمط الذي قدم بيته للكاهن ليقيم فيه ذبيحة القداس· فظهرت بين أرثوذكس السلط حركة عودة إلى الكثلكة، وعقدت الاجتماعات في بيت خليل نوري الزعمط لمناقشة هذه الخطوة من كل جوانبها، وأعلنت مجموعة من المسيحيين انضمامها إلى الكثلكة· فكتب دي اكتس إلى القدس يخبر البطريرك بما حدث، فوافق الأخير على بقائه في السلط، وعين الأب سمعان اسحق مساعداً له في نابلس· وشجّّع متصرف نابلس الأب دي اكتس في مشروعه هذا وكان صديقاً له، وألحق عضوين بمجلس سنجق نابلس نيابة عن رعية اللاتين، وهما أسعد سرافيم عن اللاتين في نابلس وصالح ناصر أبو جابر عن اللاتين في السلط· وفي نهاية عام 1869 ظهرت لدى الأب دي اكتس عوارض اختلال عقلي ، وكان المنسنيور فاليركا إذ ذاك في روما قبيل انعقاد المجمع الفاتيكاني الأول، فاستدعاه نائبه المنسنيور منصور براكّو إلى القدس، ولما لم تتحسن حالته سافر إلى ايطاليا سنة 1870، وتوفي سنة 1883·
خَلَف الأب موريتان دي اكتس في السلط ولم يكن اختياره للسلط صدفة، فهو المهندس البارع باني الكنائس في بيت جالا وبيت ساحور وجفنا· ويصف الأب موريتان سفره إلى السلط في مذكراته بهذه الكلمات: "بعث في طلبي من بيت ساحور المنسنيور براكّو النائب البطريركي العام، إذ كان المنسنيور فاليركا آنذاك في روما، وقال لي: أترغب في تسلم رعية السلط لخمسة أو ستة أشهر ريثما نجد كاهناً يقيم فيها؟ بالنسبة لي لم أكن مستعداً أن أغادر بيت ساحور، إذ إني لم أتمّ البناء الذي شرعت فيه· وأخيراً وافقت على نقلي إلى السلط لبضعة أشهر، إذْ كانت هذه رغبة البطريرك على شرط أن أعود إلى بيت ساحور"(122)· اصطحب الأب موريتان إلى السلط وفد من أهلها، وتسلّم الرعية في 25/10/1869· وخلال ثمانية عشر يوماً أقام الأب موريتان الصلاة في بيت خليل نوري الزعمط: "يتكون البيت حسب عادة البلاد من قسمين: القسم العلوي غرفة نوم الأسرة، وفيه نصبت المذبح، وفي الغرفة السفلى (وتستعمل اسطبلاً للماشية وخاصة في الشتاء) كانت تتجمع فيها الماشية وأبناء الرعية الذين لم يجدوا لهم موضعاً في الغرفة العليا· فعندما كنت أقول >الرب معكم< أو أعظ في الحضور، كنت أشاهد أمامي قروناً ورؤوس حيوانات أكثر من المؤمنين" (123)·
ثم استأجر الأب موريتان بيتاً أفضل من السابق وأسّس مدرسة: "كنت سعيداً وشعرت أنني أولد ثانية وأن أصبر منتظراً الأفضل ··· كنيستي مناسبة وأفضل من السابقة، لديّ غرفة ومدرسة ومطبخ صغير، ولكن حلّت بي المصيبة في أيام الشتاء، إذ نبعت في غرفتي عين ماء من الجدار على علو متر من أرض الغرفة، فاضطررت لحفر قناة في أرض الغرفة لتصريف المياه· إن الغرفة التي أسكنها في الدور الثاني وفي الدور الأول بيت الشيخ خليل نـوري الـزعـمط، ولكـنها تـقع على ســفـح جـبل ويـتـسـرب إلـيها المـاء مـن بـيـن طبـقات الصخر"(124) ·
ولم يتأخر الأب موريتان عن شراء أرض وبناء كنيسة مع جناحين على طرفيها للسكن، واستقدم العمال المهرة من بيت جالا وبيت ساحور، وقد شكّلوا معه فريقاً مدرباً على بناء الكنائس هناك· وتمّ العمل في بناء الكنيسة في 23/4/1871، فرجع الأب موريتان إلى بيت ساحور بعد التاريخ المذكور بثلاثة أيام. وبنى الآب جوزيف چاتي Gatti) (125) كنيسة ثانية فوق الأولى التي بناها الأب موريتان، تمّ العمل فيها سنة 1888· وزار المنسنيور فاليركا السلط لأول مرة عام 1872 في طريق عودته من بيروت إلى القدس·
ي) إرسالية شفا عمرو
أُسّسَت هذه الإرسالية عام 1869، فقد سكن شفا عمرو عام 1864 كاهن كرملي تولى رعاية راهبات الناصرة، فعهد إليه البطريرك عام 1867 بالإشراف على اللاتين في القرية وذلك، "لئلا ينتقل اللاتين إلى البروتستنتية"(126)· وفي عام 1869 تسلّمت البطريركية الإرسالية من الآباء الكرمليين وعُيّن الأب لويس بيكاردو (Louis Piccardo) خوري رعية· ثم خلفه عام 1887 الأب هنري بونس (Henry Pons)حتى عام 1901· واللاتين في شفا عمرو قلة، فغالبية سكانها من المسلمين والدروز، والطائفة المسيحية الأكثر عدداً هي الروم الكاثوليك·
ك) إرسالية يافا الناصرة
طلب بعض المؤمنين في يافا الناصرة عام 1865 من البطريرك فاليركا مرسلاً لقريتهم· فسأل البطريرك الآباء الفرنسيسيين في يافا الناصرة القيام بهذه الخدمة لعدم توفر الكهنة لديه، ففتح الرهبان في القرية كنيسة مؤقتة· وفي عام 1869 تسلّمت البطريركية الإرسالية وعيّنت خوري رعية الأب لويجي فاتّوري (Luigi Fattori) الذي بنى عام 1872 كنيسة صغيرة وديراً، وعام 1888 كنيسة أخرى· ودخلت راهبات الوردية الرعية عام 1885 للإشراف على المدرسة والعناية بالقطاع النسائي، وكانت إحداهن الأم ماري الفونسين مؤسسة راهبات الوردية، والتي تذكرها سجلات الرهبنة بهذه العبارات: إنّ مؤسستنا الفاضلة الأم الفونسين عاشت فيها (يافا الناصرة) في بدء حياتها الرسولية، وهناك القت بسبحتها في البئر حيث سقطت إحدى بنات المدرسة، فانتشلتها منها بأعجوبة دون أيما ضرر"(127)·

horizontal rule


4- الجمعيات الرهبانية والمؤسّسات الخيرية في عهد المنسنيور فاليركا:
كانت إرساليات البطريركية ولا تزال بحاجة إلى رديف داخلي ومساعدة خارجية· وقد وجد البطريرك فاليركا المساعدة الخارجية في هِبات الكرسي الرسولي وتبرعات الجمعيات الخيرية، وخاصة جمعية فرسان القبر المقدس الخيرية· أما الرديف الداخلي لمؤسّسات البطريركية، فقد كان الجمعيات الرهبانية الجديدة التي استدعاها لفتح الأديار والمدارس والمستشفيات في الأبرشية الأورشليمية وهي:
أ) راهبات القديس يوسف
أسّست اميلي دي فيلار (Emilie de Vialar) عام 1832 جمعية راهبات القديس يوسف في فرنسا· وافتتحت الجمعية مدرسة في لارنكا/قبرص سنة 1844· ودعاهنَّ البطريرك وحراسة الأراضي المقدسة إلى فلسطين سنة 1848، "فكّن أول جمعية راهبات تستقر في فلسطين منذ العهد الصليبي"(128)· فأنشأن مدرسة في القدس سنة 1848، ومستشفى سنة 1851، ومدرسة ومستوصفاً في كل من بيت لحم ويافا سنة 1849·
ب) راهبات الناصرة:
"في الناصرة، ولأجل الناصرة، دونك راهبات الناصرة"(129)، هذه كانت نصيحة المنسنيور الكونت هركيليه (Herculais) الذي التقاه أمين سر البطريركية في فرنسا الأب ديكيفوفيليه، وقد أرسله البطريرك فاليركا إلى أوروبا ليبحث مع رؤساء الرهبانيات إمكانية إنشاء أديار رهبانية في فلسطين، وكانت هذه "رغبة البطريرك ومجمع نشر الإيمان وقداسة البابا"(130)· فقابل الأب ديكيفوفيليه عام 1853 رئيسة راهبات الناصرة الأخت هيلو (Helot)، وكانت جمعيتها حديثة العهد ولم يتجاوز عدد المنتسبات اليها الثلاثين راهبة· فجاءت أربع منهن إلى فلسطين في 9/12/1854، وأنشأن مدرسة وميتماً وأسْسن أدياراً فيما بعد في حيفا (1858) وعكا (1861) وشفا عمرو (1864) وبيروت (1867)·
جـ) راهبات صهيون:(131):
أسّس جمعية راهبات صهيون الأب تيودور والأب ماري الفونس راتسبون سنة 1850· زار الأب ماري الفونس راتسبون فلسطين سنة 1850 ووضع نفسه في خدمة البطريركية، فأسّس ميتمين في القدس عام 1856 وعين كارم عام 1860·
د) مؤسسة الأب انطونيو بلّوني (Antonio Belloni) (132) :
جاء في ترجمة(133) حياة الأب بلّوني أنه بينما كان يضع الزهور على الهيكل في كنيسة بيت جالا، دخل صبي فقير يبلغ من العمر اثني عشر عاماً اسمه عيسى صفدي، وعرض عليه أن يساعده في عمله· عرف الأب بلوني أثناء الحديث معه أنه يتيم الأم ووالده ضرير، فعطف عليه ووهبه بعض المال ليشتري قمبازاً وحذاء· وعاد الصبي بعد أيام مصطحباً معه صبْيين آخرين يتيمين مثله، فصار الأب بلّوني ملاذاً لهؤلاء اليتامى الفقراء· ونصح الأب براكّو مدير المعهد الإكليريكي الأب بلّوني أن يستأجر لهم داراً يستقبلهم فيها، وقد عكّر الأطفال هدوء الدير وخلوته لكثرة ذهابهم وإيابهم وتجوالهم فيه· فاستأجر لهم بيتاً في بيت جالا ومن ثم في بيت لحم، واحتفظ الأب بلّوني بوظيفته كمعلم في المعهد الإكليريكي، ولكن قضى أوقات فراغه يدرّس طلاب الميتم، ويعلمهم الحِرَف اليدوية وصنع الهدايا التذكارية التي تشتهر بها منطقة بيت لحم· وفي سنة 1867 أسس الأب بلّوني أول مدرسة زراعية في فلسطين في قرية بيت جمال، وقد اشترى القرية بسخاء المحسنين، وأسّس مدرسة أخرى فيما بعد في ضواحي بيت جالا، كريمزان· وتوسع الأب بلّوني في مشاريعه الخيرية، وعُرِفَ في فلسطين بـ >أبو اليتامى<· ولما صعب عليه الإنفاق على مدارسه ومؤسّساته، نصحه البابا بيوس التاسع سنة 1874 أن يدمج مؤسساته بمؤسّسات الرهبنة السالسية (السالزيان)، فتمّ ذلك سنة 1891(134)، بعد أن "رفع طلبه إلى الأب يوحنا بوسكو، ومن بعده إلى خليفته الأب روا، أن يضما مؤسّساته إلى الجمعية السالسية، وترهبن هو نفسه في الجمعية المذكورة·"(135)· فعيّنته الجمعية رئيساً عاماً على مؤسساته حتى وفاته سنة 1903(136)·
هـ) جمعية فرسان القبر المقدس الخيرية

:L'Ordre Equestre du Saint Sépulcre.
يعود تاريخ جمعية فرسان القبر المقدس الخيرية إلى العصر الصليبي· فبعد سقوط عكا عام 1291،ألّف فرسان القبر المقدس جمعيات في بلادهم لمساعدة البلاد المقدسة، وقد زال الطابع العسكري الذي تميّز به الفرسان الأوروبيون الذين قدموا إلى فلسطين إبان الحملات الصليبية، وغدت مهمتهم انسانية روحية· وقد أعطى البابا الكسندر السادس (1492-1503) حارس الأراضي المقدسة صلاحيات منح درجة >فارس القبر المقدس< لمستحقيها من الحجاج الذين يتحملون مشاق السفر لزيارة الأماكن المقدسة· وكرّست البراءة البابوية "Pastoris Officii "سنة 1496هذا الامتياز لحارس الأراضي المقدسة· وقد تولّى البطريرك فاليركا بعد إعادة تأسيس البطريركية صلاحيات حارس الأراضي المقدسة، وكان هو آخر من تقلّد وسام جمعية فرسان القبر المقدس في 17/1/1848على يد نائب حارس الأراضي المقدسة·
عندما تسلّم البطريرك فاليركا رئاسة جمعية الفرسان، كانت هذه الجمعية تعاني عدة عوامل تضعفها وتعيق انتشارها· فلم يكن في المنظمة الا درجة عضوية واحدة تمُنح للمنضمّين إليها· وشارات الفرسان وزيهم غير موحد وغير معترف بها دولياً الاّ من قبل الكرسي الرسولي· فغدت جمعية خاصة تشجع الحج إلى الأماكن المقدسة، وتكافئ الحجاج بمنحهم شاراتها وعضويتها·
وفي عام 1848، قدّم المنسنيور فاليركا ورقة عمل للكرسي الرسولي لإعادة تنظيم جمعية الفرسان (Projet de réorganisation)، فلم يستجب الكرسي الرسولي لطلبه إلاّ عام 1868، إذْ صادق الكرسي الرسولي في البراءة البابوية "Cum Multa Sapienter(137) على قانونها الجديد، مرتباً ثلاث درجات لعضويتها، ولم تصدر هذه البراءة الا بعد جهود مضنية، وخاصة الزيارة التي قام بها المنسنيور فاليركا سنة 1867لأمراء أوروبا وملوكها وحصل من دولهم على الاعتراف بالجمعية، فازدهرت بفضل جهوده، ولذا يُعَد مؤسسها في العصر الحديث: "فحتى وفاته سنة 1872 بلغ عدد الفرسان الذين قلدهم البطريرك الـرتب فـي جـمعـية فرســان القـبر المـقـدس الخـيـرية 1147 فارساً، ينتمون إلى عشرين دولة"(138)·

horizontal rule


5 - البطريركية الأورشليمية في خدمة الكنيسة:
ظلّت البطريركية سنوات منذ تأسيسها سنة 1847 تأخذ ولا تعطي، تأتيها المساعدات من الخارج وترفدها أبرشيات أوروبا بالكهنة· ولما اشتدّ عودها حُتّمَ عليها أن تعطي بقدر إمكاناتها، بشخص بطريركها وكهنتها على قلتهم· فنرى أحدهم أمين سر القصادة الرسولية في بيروت، وآخر زائراً رسولياً لدى الأقباط الكاثوليك في مصر· وتمتدّ صلاحيات البطريرك لتشمل البلاد السورية بصفة قاصد رسولي، ويشترك في أعمال المجمع الفاتيكاني الأول· وسوف نعرض بإيجاز المهام التي اضطلع بها المنسنيور فاليركا التي لا تمس تاريخ البطريركية الأورشليمية مباشرة·
أ) المنسنيور فاليركا قاصد رسولي في بيروت، 1858 - 1872:
أجمع الكتاب المعاصرون للمنسنيور فاليركا والحديثون، أنه كان رجل ثقة البابا بيوس التاسع، "وبدون شك كان مجمع نشر الإيمان يصغي إلى آرائه بما يخص شؤون الكنيسة في الشرق"(139)· فشغل البطريرك فاليركا منصب قاصد رسولي البلاد السورية ونائب رسولي لمنطقة حلب منذ سنة 1858 حتى وفاته سنة 1872· "كان في الصيف يقيم في بيروت وشتاء في القدس"(140)، "ورافقه في بيروت كاهنان، القانوني الأب بسكال ابوديا (Pascal Appodia)، وشغل منصب نائب عام القصادة والنيابة الرسولية منذ سنة 1870، وكان يقيم في بيروت طوال العام، وأما القانوني الأب طنوس فكان يصحب المنسنيور فاليركا في إقامته في بيروت والقدس·"(141)·
عاصر المنسنيور فاليركا أحداث لبنان سنة 1860، والأزمة التي مرّت بها كنيسة الروم الكاثوليك حين تحوّلت إلى التقويم الغريغوري بين السنوات 1858 - 1864، والتي أدّت إلى استقالة البطريرك الملكي بحوث سنة 1864· ومثّل المنسنيور فاليركا دوراً مهماً في دعم المؤسسات الكاثوليكية في لبنان: "فحثّ الآباء اليسوعيين على إنشاء جامعة تعمل على تربية الشبيبة وتثقيفها ومقاومة الدعاية والنشاط البروتستنتيين، وتحقّقت هذه الرغبة بعد وفاته"(142)· فقد "أنشأ الآباء اليسوعيون سنة 1846 مدرسة في غزير (كسروان) انبثقت منها كلية الفلسفة واللاهوت، ونقلت هذه المدرسة إلى بيروت سنة 1875، وقد منح البابا كلية الفلسفة واللاهوت لقب جامعة سنة 1875"(143)·
امتدّ نفوذ البطريرك فاليركا إلى الكنيسة الكلدانية، إذْ ناشده مجمع نشر الإيمان التدخل لحل أزمة نشأت بين بطريركية الكلدان والكرسي الرسولي، وأوشكت أن تصل بينهما إلى حد القطيعة· وسببها أن بطريرك الكلدان عيّن أسقفاً من كنيسته لمنطقة الملبار في الهند، وقد كانت تابعة لبطريركية الكلدان قبل استيلاء البرتغاليين عليها سنة 1539· وكان المنسنيورفاليركا صديقاً حميماًَ لبطريرك بابل على الكلدان· فتوصل الطرفان إلى اتفاق مؤقت بفضله سنة 1861· وفي المجمع الفاتيكاني الأول كان همزة الوصل بين البطريرك الكلداني اودو والبابا بيوس التاسع، وتوصل الطرفان إلى اتفاق نهائي بشأن الملبار سنة 1923 ·
ب) المنسنيور فاليركا في المجمع الفاتيكاني الأول 1869 - 1870:
في عام 1866 دُعيَ المنسنيور فاليركا إلى الاشتراك في إعداد المجمع الفاتيكاني الأول، فغادر بيروت إلى روما في 20/12/1868· وقد كان خبيراً في شؤون الشرق بعد أن قام بالمهام المذكورة سالفاً، فكان >الشخصية الأولى< (144) التي تُسْمَع كلمتها فيما يتعلق بشؤون الكنائس الشرقية· فاشترك المنسنيور فاليركا في ثلاث لجان: عضو اللجنة التحضيرية للكنائس الشرقية، وعضو اللجنة التحضيرية الموكلة بتقديم أوراق العمل المجمعية، وعضو اللجنة المجمعية للكنائس الشرقية· وقدم المنسنيور فاليركا دراسة(145) أعدها في بيروت، عرض فيها اقتراحين بخصوص الحق القانوني في الكنائس الشرقية: الاقتراح الأول: أن تحتفظ كلّ كنيسة بقانونها الكنسي الخاص· والثاني: أن تتبنى كلّ الكنائس الشرقية الحق العام المتّبع في الكنيسة الكاثوليكية، على أن تترك الحرية لكلّ كنيسة فيما يخص تراثها وليتورجيتها، وأبدى المنسنيور فاليركا تأييده للاقتراح الثاني· وطالب أن تُدرس أوضاع الرهبنات الشرقية التي تملك أدياراً ومساحات شاسعة من الأراضي والعقارات الوقفية، والتي تعكس وضعاً اجتماعياً ودينياً واقتصادياً معيناً على الرهبان والجماعات المسيحية·
وقد استشار مجمع نشر الإيمان المنسنيور فاليركا سنة 1868 في دعوة البطاركة الشرقيين للاشتراك في أعمال المجمع، فتوقع أن يعتذر البطاركة عن الاشتراك· وتحقق حدسه عندما وجه البابا بيوس التاسع الرسالة البابوية "Arcano Divinae Providentiae"، والتي دعا فيها البطاركة الأرثوذكسيين وغيرهم إلى الاشتراك في المجمع كما اشترك أسلافهم في مجمع ليون ( القرن الثالث عشر) ومجمع فلورنسا (القرن الخامس عشر)· تسرّب خبر الرسالة البابوية إلى الصحافة قبل وصولها إلى أصحابها، وقيل أن الخبر تسرّب صدفة، فلم تفلح مساعي البطريرك وقد وكّله الكرسي الرسولي في الاتصال بالسلطات الدينية في القصادة السورية والبطريركية الأورشليمية، وجنّد لهذه الغاية كهنة البطريركية، فاعتذر بطريرك الروم الأرثوذكس في القدس والأساقفة التابعون له في بيت لحم والناصرة، وكذلك اعتذر بطريرك الأرمن في القدس وأسقف الكنيسة اليعقوبية(146)· وجاء اعتذارهم بعد أن رفض بطريرك القسطنطينية الأرثوذكسي الاشتراك في أعمال المجمع، بحجة أنّ الرسالة البابوية الموجهة إلى البطاركة قد نُشِرَت في الصحافة قبل أن تسلّم إلى أصحابها رسمياً· ويُعدّ ذلك خروجا ًعلى البروتوكول المعمول به في مثل هذه الحالات·
افتتح المجمع الفاتيكاني الأول جلساته في 8/12/1869· وألقى المنسنيور فاليركا خطابين في 21/5/ و 20/6/1870 دافع فيهما عن مبدأ العصمة البابوية، وانتقد النزعة الغاليكانية (147) في الكنيسة الفرنسية· ولم تسنح الفرصة بأن يلقي خطابات أعدّها عن أوضاع الكنائس الشرقية، إذ حالت الأوضاع السياسية دون استمرار جلسات المجمع، فرُفِعَت جلساته إلى إشعار آخر في 18/7/1870· وفي 19/7/1870نشبت الحرب بين فرنسا وبروسيا، فانسحب الجيش الفرنسي من روما في 2/8/1870، ودخل روما جنود الملك فكتور عمانوئيل في 20/9/1870، وغادر آباء المجمع روما ومن بينهم البطريرك فاليركا· ورفع البابا بيوس التاسع رسمياً جلسات المجمع في 20/10/1870(148)· وأصدر المنسنيور فاليركا بمناسبة انعقاد المجمع الفاتيكاني الأول رسالة راعوية سنة 1869·

horizontal rule


خـاتمــة
عاد المنسنيور فاليركا إلى القدس من روما في تشرين الأول 1870 بعد غياب دام سنتين، ليضع اللمسات الأخيرة في بناء البطريركية التي رافق وجودها منذ أيامها الأولى، وليقوم بجولته التفقدية الأخيرة في ربوع القصادة والبطريركية، قبل أن يداهمه الموت وهو في قمة عطائه· وعيّن البطريرك أثر وصوله إلى القدس القانوني الأب بسكال ابوديا نائباً عاماً له في بيروت، وأتمّ العمل في بناء الكنيسة الكون ككاتدرائية فدشّنها في 11/2/1872 ، وفي 2/5/1872 ترأس دورة احتفالية بمناسبة عيد الجسد المقدس طافت شوارع القدس، وكانت الأولى من نوعها منذ قرون عديدة· وفي أواخر آيار 1872، غادر البطريرك القدس في رحلة دامت سبعة أشهر، رافقه خلالها صديقه البارون هاوسمان دي فندلبورغ الذي دوّن يوميات الرحلة التي تعد مصدراً رئيساً عن سنوات البطريرك الأخيرة·
وفي رحلته زار البطريرك رعايا الناصرة وشفا عمرو وعكا وحيفا· وفي بيروت قضى أربعة أشهر اطّلع خلالها على سير العمل في القصادة الرسولية· ثم توجه لزيارة صيدا، وعاد منها إلى بيروت وانطلق إلى دمشق، حيث ترأس لجنة المحكمة الكنسية المكلّفة بالتحقيق الأولي في استشهاد عدد من الرهبان الفرنسيسيين في أحداث عام 1860، وعهد إلى نائبه الأب ابوديا بمتابعة التحقيق فيما بعد· وتوجّه من دمشق عبر حوران إلى شرقي الأردن· وفي حوران قابل البطريرك موفدان من الأردن، يقول البارون هاوسمان رفيق البطريرك: "قابلنا بدويان يمتطيان جوادين ويرتديان الكوفية البيضاء ويحملان البنادق، وبعد تبادل كلمات مع البطريرك رجعا القهقرى ورافقا القافلة· وكانا شيخين كاثوليكيين من جبال جلعاد علما بوجود البطريرك في دمشق فسارا لملاقاته"(149)· والتمس الشيخان من البطريرك فتح إرساليتين في قريتيهما رميمين والفحيص والشيخ الرميميني من عشيرة الصايغ والشيخ الفحيصي من عشيرة حتر· وباتت القافلة تلك الليلة 6 تشرين الثاني 1872 في الرمثا·
في فجر 7 تشرين الثاني، تابعت القافلة سيرها نحو الجنوب بعد تعرضها لعاصفة رملية شديدة سببتها رياح الخماسين، ومرت القافلة في عجلون وجرش· وفي رميمين حلّ المنسنيور فاليركا ضيفاً على شيخ القرية الذي رافق القافلة من حوران وكانت أسرة الشيخ في انتظار البطريرك، "فقبّلوا يد البطريرك، ووجوههم تشعّ فرحاً برؤيته، وكأن فرحهم بلقائه كان أعظم منه بلقاء والدهم"(150)· "وتجاذب البطريرك أطراف الحديث بسرور مع هذا الشعب الطيب، وتأسّف أنّه في الوقت الحاضر لا يستطيع أن يلبي طلبهم بتأسيس رعية في قريتهم لقلة الكهنة· وتحققت هذه الأمنية بعد وفاته عام 1875"(151)·
"وبعد مسيرة طويلة ومتعبة في الجبال الصخرية الوعرة شاهدنا فجأة ثلة من الخيالة البدو على قمة منحدر، وبعد لحظات انحدر الفرسان بسرعة مع المنحدر الصخري، وقد تدربت خيولهم على مثل هذا العدو، يطلقون الرصاص في الهواء ويتسابقون لتقبيل يد البطريرك ··· وكان الفرسان من وجهاء اللاتين في السلط يتزعمهم الشيخ أبو جابر، ثم وصل قائمقام السلط يمتطي جواده، وسار الموكب بعد أن أدّت له التحية مجموعة من الجند، وأحاط أربعة جنود بالبطريرك والقائمقام"(152)·
ولدى وصول الموكب إلى السلط، اختلط دوي الرصاص بالهتاف والأغاني ورنين أجراس كنيسة اللاتين· وتقدم الموكب ببطء نحو الكنيسة حيث استقبله الأب چاتي· وبعد القبلات الحارة بين البطريرك وخوري الرعية، دخل المنسنيور فاليركا الكنيسة وبارك الشعب، واحتشد سكان السلط علـى سطوح المنازل ليشاهدوا دخول البطريرك إلى بلدهم حتى ساعة متأخرة من الليل· وفي اليوم التالي أقام البطريرك قداساً حبرياً، وفي المساء دعا المنسنيور فاليركا القائمقام لتناول إفطار رمضان على مائدته·
في 11 تشرين الثاني زار البطريرك آثار عمان التاريخية، وعاد إلى القدس مروراً بأريحا فوصلها مساء الثالث عشر من تشرين الثاني· وما هي الا أيام حتى وقع البطريرك فريسة حمى خبيثة في الرابع والعشرين من تشرين الثاني عام 1872، وتوفي عن عمر يناهز التاسعة والخمسين عاماً، صباح الثاني من كانون الأول عام 1872، ودفن في كنيسة الكون كاتدرائية البطريركية·
مما يجدر ذكره أن المنسنيور فاليركا بدأ رسالته في فلسطين بزيارات راعوية تفقد خلالها ما عهد إليه الكرسي الرسولي، وفي زيارته الأخيرة تفقد ما قدمه وأنجزه خلال ربع قرن· وفي زيارته الأولى سأل الأسر المسيحية أن تقدم أبناءها للكهنوت ليكوّن إكليروسه البطريركي، وفي زيارته الأخيرة خرج هذا الإكليروس مع الشعب لاستقباله والترحيب بمقدمه· لا شكّ أن الكيان الجديد الذي رعاه البطريرك المتوفى لاقى المدح والقدح من معاصريه ومن رؤسائه ومرؤسيه· وخير ما نختتم به هذا الفصل قبل أن ننتقل إلى عصر البطريرك براكّو، ما جاء في تأبينه على لسان الأب لودفيكو بيافي الفرنسيسي مفسراً غاية بعث البطريركية وتعيين بطريرك مقيم في القدس: "كان المراد ترجيع مقام ما قد طمسته نوايب الدهور وتقلبات العصور، ولذلك الزمت الضرورة لوجود انسان جزيل الخبرة كثير الصبر متدرع بالقوة والبسالة، ليبلغ إلى حسن الختام من دون تعكيس النظام القديم بكليته ومتأهب معاً لأن يحافظ على كلما أمكنت المحافظة عليه، وأن يدخل ما كان يليق بالمرتبة الجديدة كي على موجب ذلك يقوم البناء الكنايسي منتظماً في كامل اجزائه"(153)· ولعلّ هذه الكلمات التي قيلت في وداع مؤسس البطريركية اللاتينية في العصر الحديث، تلخص سيرة هذا البطريرك الذي أرسى ثوابت التاريخ المسيحي المعاصر في الأردن وفلسطين·

الفهرست

غلاف الكتاب