herusalemcover.JPG (30056 bytes)الباب الثاني: البطريركيـــة اللاتينيـــــة الأورشليمية

 

الفصل الثاني
إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية الأورشليمية،1847


مـقـدمـة
ارتبطت إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية بمجموعة ظروف تاريخية مختلفة· فاحتلال محمد علي لبلاد الشام غدا ثغرة في جسم السلطنة العثمانية المتداعي، عبرت من خلالها القوى العظمى آنذاك للتدخل في شؤون السلطنة الداخلية وإعادة تنظيمها خوفاً من انهيارها، فصار بوسع الكرسي الرسولي إعادة تأسيس البطريركية، في حين أنّ مثل هذه الخطوة كان من العسير تحقيقها في القرون الماضية· أمّا الوجود البروتستنتي في فلسطين من خلال أسقفية أنكليكانية مشتركة بين الإنكليز والألمان، فكان السبب المباشر في بحث إعادة تأسيس البطريركية ورفع مستوى التمثيل الكاثوليكي في فلسطين· وفي الفاتيكان اعتلى السدة البطرسية البابا بيوس التاسع (1846 - 1878)، في أطول حبرية في تاريخ الكنيسة· فقد أقام هذا البابا 29 أسقفية بإمرة رئيس أساقفة و132أسقفية في شتى أنحاء العالم· لذلك فإنّ إعادة تأسيس البطريركية كانت إحدى إنجازاته الكبرى، وارتبط تاريخ البطريركية بشخصية هذا البابا، فإعادة تأسيس البطريركية من أعظم مشاريعه التي تدخل ضمن سياسة الكنيسة الرامية إلى نشر الإيمان الكاثوليكي· وطُرِحَ مشروع إعادة تأسـيس البطريركية في عصر سلفه البابا غريغوريوس السادس عشر (1831 - 1846)·

horizontal rule

-1مشروع إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية الأورشليمية في مجمع نشر الإيمان، سنة 1842:
بدأت التحركات في روما سنة1842، على أثر تعيين أسقف أنكليكاني في القدس، هو ميشيل سلمون الكسندر· فكُلِّفَت لجنة من مجمع نشرالإيمان بدراسة إمكانية تعيين نائب رسولي في القدس برتبة بطريرك، فوجّه الكاردينال فرنزوني (Franzoni) عميد مجمع نشر الإيمان في 14/1/1842 كتاباً إلى رئيس الرهبنة الفرنسيسية العام يستشيره في الموضوع· فأجاب الرئيس لويجي دا لوريتو (Luigi da Loreto) بتاريخ 7/2/1842 معلناً عن تشجيعه: "إنها لفكرة حميدة جداً إقامة بطريرك في القدس، ليُحيي من جديد الماضي المجيد للكنيسة والأراضي المقدسة"(1)· ويطرح رئيس الرهبنة الفرنسيسية عدة آراء حول إنشاء البطريركية كقوله: "ويترك لحارس الأراضي المقدسة ما يمس الحياة الرهبانية الديرية، فكل واحد (البطريرك وحارس الأراضي المقدسة) مستقل عن الآخر، فكل منهما يختص بمجاله"(2)· ويتوقع رئيس الرهبنة في رسالته عينها أن المنصب الجديد المقترح سيكون من نصيب أبنائه الرهبان، كما هي الحال في نيابتي حلب والإسكندرية الأسقفيتين· ويرشح لهذا المنصب الأسقف بربيتوكواسكو (Perpetuo Guasco) نائب الإسكندرية الرسولي·
بعد أيام من تاريخ الكتاب السابق اختلفت الأحوال، "فقد أدرك رئيس الرهبنة الفرنسيسية أنّ أسقف القدس قد لا يكون راهباً فرنسيسياً، فوجد فجأة صعوبات عديدة في وجه إعادة تأسيس البطريركية"(3)· فأعلن أن رهبانه غير مستعدين أن يطيعوا رئيساً علمانياً (ليس براهب)، حتى لو كان أسقفاً أو بطريركاً· فأرسل كتاباً في 20/2/1842 كملحق لكتابه السابق المؤرخ في 7/2/1842، يقول فيه: "رأيت من واجبي أن أُتبع كتابي السابق برسالة أخرى تشكل ملحقاً ضرورياً")4)· (وفي هذه الرسالة جاء الرد القاطع على اقتراحات مجمع نشر الإيمان: "لن يُسَر الرهبان إطاعة رئيس أبرشي برتبة أسقف أو بطريرك، حتى لو كان من جمعيتهم"(50)
وفي 28/2/1842 التأم مجمع نشر الإيمان في اجتماع أيّد فيه الكرادلة مشروع تعيين أسقف في القدس، "لأنهم يرون الخطر الناجم عن الأحداث الحاضرة في الشرق، والتي تنذر بما هو أسوأ في المستقبل كالانشقاق عن الإيمان والهرطقة، ولذلك إنّ فكرة تعيين أسقف لاتيني في القدس مفيدة جداً"(6)· فقدم الكردينال فرنزوني الاقتراحات التالية(7:(
- هل يوصي المجمع قداسة البابا بتعيين نائب بطريركي في القدس؟ وهل المنسنيور كواسكو مناسب لهذه المهمة؟
- هل يضطلع النائب البطريركي بمهام حارس الأراضي المقدسة؟ أي هل يجمع بين الوظيفتين؟
-    إذا نُقِلَ المنسنيور كواسكو من مصر إلى القدس، فمن يخلفه في نيابة مصر؟
صُدِمَ كرادلة مجمع نشر الإيمان بواقع الأحداث المتسارعة،خاصة موقف رئيس الرهبنة الفرنسيسية المشار إليه آنفاً· فأوقف مجمع نشر الإيمان المشروع على الرغم من احتجاج الكردينال رئيس أساقفة سالسبورغ الذي صرح بأن: "المانيا بأجمعها ستكون في غمّ وريبة إذا لم يُعين أسقف لاتيني في القدس"(8)· إذْ إن تعيين أسقف لاتيني في القدس لاقى اهتماماً خاصاً لدى الألمان الكاثوليك، بعد أن ثبّت البروتستنت أسقفهم هناك· كما صرح الكردينال لامبروسكيني (Lambruschini) حامي الرهبنة الفرنسيسية: "بأنّه يؤيد تعيين أسقف لاتيني في القدس"(9)· فرُفِعَ البحث في إعادة تأسيس البطريركية إجمالا(10)· ويعلق الكردينال كارلو اكتون (Carlo Acton) على حصيلة الجهود لإعادة تأسيس البطريركية في هذه المرحلة بعبارة دقيقة المعنى، "أُرْجِيءَ الأمرُ كله، مع أنّه تمت الموافقة على تنفيذ المشروع"(11) (12)·
لم تُهمِلْ روما مسألة بطريركية القدس كلياً، ففي سنة 1844 كلّف مجمع نشر الإيمان المنسنيور كوربولي بإعداد تقرير حول إعادة تأسيسها، وطبيعة العلائق بين البطريركية وحارس الأراضي المقدسة· فجاء تقريره إيجابياً ولكنه تردد في إعطاء لقب بطريرك لأسقف القدس، "حتى لا تثير حساسية الأحبار الشرقيين"(13)·
وفي الأربعينات من القرن الماضي كان هناك طرف ثالث يراقب بحذر مشروع بطريركية القدس· فالحكومة الفرنسية عُدّت حامية الكاثوليك في الشرق، وأي تحرك أو تطور على الساحة الشرقية يلفت انتباهها· ففي رسالة بتاريخ 8/1/1842 بعثها سفير فرنسا في روما لاتور مامبروج (Latour Mambourg) إلى چيزو (Guizot) وزير خارجية فرنسا، يتساءل السفير عن إمكانية نجاح هذا المشروع الذي ربط بينه وبين تعيين أسقف أنكليكاني في القدس· كما يشير إلى الخلاف الذي نشأ بين مجمع نشر الإيمان ورئيس الرهبنة الفرنسيسية: "علمتُ بطريقة غير مباشرة أنّه حتى تقابل الآثار الناجمة عن تعيين أسقف بروتستنتي مقيم في القدس، يقال هنا إنه سوف يعين أسقف كاثوليكي، ولا شك أنّ هذا الاقتراح قُدِمَ إلى مجمع نشر الإيمان· ويثير هذا المشروع هنا بعض الاعتراضات، فرئيس الرهبان الفرنسيسيين العام الذي عُهِدَت إليه حراسة الأراضي المقدسة يظهر معارضة بصفة خاصة ويخشى أن تمُنح الدرجة الأسقفية إلى أحد رهبانه، مما يؤدي إلى نزاع بينه وبين السلطات الرهبانية الفرنسيسية العليا· والجدير بالملاحظة حسب اعتقادي ولأسباب عديدة، أنّ تعيين أسقف كاثوليكي ضعيف وبدون إكليروس ورعية ونفوذ تجاه خصم مقتدر يصحبه إكليروس نشيط وعديد ومَسْنُود لدى السلطات الإسلامية (العثمانية) من قِبل القوى (العظمى)، سيُعرّض الحبر الكاثوليكي إلى إخفاق شبه أكيد، يلحق بالتعاليم (القيم) التي يمثلها فهماً مغلوطاً لدى الشعوب الجاهلة التي تغريها بنوع خاص المكاسب المادية، على الرغم من الحماسة التي تحصل عادة لإنجاح مثل هذه المشاريع الجديدة"(14)·
يبدو جلياً أنّ موقف الحكومة الفرنسية كان بجانب الرهبنة الفرنسيسية ولكن بحذر، فكتب مامبورج سفير فرنسا في روما في رسالته لوزير خارجيته في 28/6/1842: "أشير علي بطريقة غير مباشرة أنْ أسند باسم فرنسا قضية الرهبنة الفرنسيسية التي ترى في سير الأمور مسّاً مباشراً بحقوقها ومشروعاً غير مجدٍ، وحتى خطراً على المصالح الكاثوليكية· وبما أنني أجهل رأي جلالة الملك في الموضوع، لم اتخذ موقفاً محدداً قبل أنْ تصلني التعليمات من سيادتكم" (15) .
قابل چبرييل دي لانتيني (Gabriel de Lantigni) قنصل فرنسا في فلسطين البابا غريغوريوس السادس عشر في روما بتاريخ 16/5/1843، وكتب تقريراً لوزير خارجيته عن المقابلة، يحكم فيه على بعض مشاريع الكرسي الرسولي في فلسطين بأنها خيالية، ولكنه يقر على الأقل: "يحق لروما مدّ نفوذها في هذه البلاد (فلسطين) بكل الوسائل المتاحة لها، دون المس بالحماية الفرنسية التقليدية للكثلكة في الشرق"(16)·
وقد تطور الموقف الفرنسي إلى المعارضة الصريحة لمشروع إقامة أبرشية كاثوليكية في القدس، فكتب چيزو وزير خارجية فرنسا إلى سفيره في روما مامبورج في 15/6/1847: "اعتقد أنّ إقامة أبرشية كاثوليكية في القدس لن يكون مشروعاً جيداً بحد ذاته بالنسبة لنا، بل إنه غير مفيد وربما مضر"(17)· ويبرر چيزو في سياق رسالته إلى مامبورج سبب موقفه المتشدد من مشروع الأبرشية على اساس خشية الحكومة الفرنسية من أن ترفع بريطانيا مستوى تمثيل أسقفها الأنكليكاني من >أسقف في القدس< إلى >أسقف القدس<(18)· وينطوي هذا التحرك البريطاني على مخاطر تمس الحماية الفرنسية· كما يتخيّل الوزير غير المتفائل مصير العلائق بين الأسقف وحارس الأراضي المقدسة الذي يدعوهما >بالخصمين(19) .
ونلخص حصيلة جهود الكرسي الرسولي لإعادة تأسيس البطريركية اللاتينية بما يلي:
(1إصرار الفاتيكان على تعيين أسقف كاثوليكي في القدس، ولكن رتبته وصلاحياته لم تحددا بعد·
(2 تشجيع الرئاسة الفرنسيسية ومن ثم تحوّل التشجيع والدعم إلى المعارضة·
(3 السبب المباشر للتحرك الكاثوليكي هو تعيين أسقف أنكليكاني في القدس، مما يشكل خطراً في نظر المسؤولين الفاتيكانيين على الكثلكة·
(4 اهتمام الحكومة الفرنسية حامية الكثلكة في الشرق بقضية أسقفية القدس، ويشوب موقفها بعض الغموض والريبة والخشية·
(5 أجّل مجمع نشر الإيمان مؤقتاً البت في تعيين أسقف كاثوليكي في القدس بسبب الصعوبات التي صادفته، وخاصة المعارضة الفرنسيسية الصريحة·

horizontal rule

-2 العوامل والظروف التي أدّت إلى فتح ملف البطريركية اللاتينية الأورشليمية سنة 1847:
أ) تعيين الأسقف البروتستنتي صموئيل غوبات سنة 1847 في القدس·
تُوفي أسقف القدس البروتستنتي ميشيل سلمون الكسندر سنة 1846، وحسب الاتفاق الإنكليزي البروسي عام 1841 عُيّنَ خليفة له صموئيل غوبات (Samuel Gobat) السويسري الجنسية، ورُقي إلى الدرجة الأسقفية في بريطانيا حسب طقوس الكنيسة الأنكليكانية· وجّه الأسقف الكسندر نشاطه الكنسي لليهود، فلم يلقَ نجاحاً باهراً، مما حدا بالأسقف الجديد غوبات على العمل بين المسيحيين المحليين، وحصل على نتائج سريعة في هذه العملية التي دقت ناقوس الخطر في الأوساط الشرقية الأرثوذكسية والكاثوليكية(20)· وتقرّب غوبات من الطوائف المسيحية الصغيرة كالسُريان والأحباش والأرمن، ولكنه لاقى تمنعاً وريبةً لدى اللاتين والأرثوذكس·
لم يكن دور غوبات في فلسطين استمراراً لرسالة الكسندر بين اليهود، فهناك تحول جذري في الكنيسة البروتستنتية التي أخذت تعمل بين المسيحيين المحليين· ففي تقرير أعده فن (Finn) قنصل بريطانيا في القدس، في 2/3/1847 جاء ما يلي: "إنّ الأسقف غوبات هو الآن أسقف كل من هم بحاجة إلى رسالته وليس فقط أسقفاً لليهود"(21)· وجاء في تقرير آخر من غوبات إلى الكولونيل روز (Rose) قنصل بريطانيا العام في بيروت في 13/11/1847: "علينا مقاومة سياسة الغزو الفكري والكاثوليكي التي تدعمها فرنسا في سوريا بفاعلية، فالكنيسة الكاثوليكية تجد في السياسة الفرنسية أداةً مناسبة لدعم نفوذها بين الأغلبية الأرثوذكسية في سوريا وفلسطين"(22)· فبريطانيا في نظر غوبات هي حامية البروتستنت على غرار فرنسا حامية الكاثوليك وروسيا حامية الأرثوذكس· فأدّت سياسته هذه إلى "تقييم البروتستنتية كمنافس في نظر القيادات الرومانية واليونانية" (23)·
ب) تقرير الفنان كونستنتينو جُوستي (Constantino Giusti):
لفت تعيين أسقف أنكليكاني جديد في القدس الأنظار إلى مسألة البطريركية اللاتينية، التّي قلّ الحديث عنها في السنوات القليلة الماضية· ومن العوامل المساعدة التي أدّت إلى فتح ملف القضية من جديد، كان تقرير الفنان جوستي الذي رفعه إلى البابا بيوس التاسع· وجوستي هذا، فنان إيطالي زار الشرق وعلم بخفايا مشاكله الدينية والسياسية· أعرب جوستي عن رغبة عدة شخصيات فرنسيسية في أن ترى يوماً ما أسقفاً يمثل الكنيسة الكاثوليكية في القدس، فهي تتذمر من غياب التمثيل الأسقفي الكاثوليكي في الأماكن المقدسة(24)· حُفِظَ تقرير جوستي في ملف البطريركية الذي قُدّمَ إلى مجمع نشر الإيمان في 52/2/1847، على أنّه وثيقة مهمة في ملف البطريركية·

horizontal rule

-3 طرح مشروع إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية الأورشليمية في جدول أعمال مجمع نشر الإيمان 25/1/1847، والمراسلات الرومانية الفرنسيسية:
أ) تثبيت مشروع إعادة تأسيس البطريركية في جدول أعمال مجمع نشر الإيمان، 25/1/1847·
أُدْرِجَت مســألـة القـدس فـي جـدول أعـمــال مجـمع نـشر الإيمـان المـنـعـقد في 25/1/1847· وأعلن الكرادلة عن رغبتهم الصريحة في مناقشة مسألة تعيين أسقف لاتيني في القدس، وصادق البابا على قرارات الكرادلة، الذين أوكلوا إلى الكردينال اكتون إعداد تقرير شامل حول بطريركية القدس، جاء فيه:
"25 كانون الثاني 1847: إنّ الآباء الحاضرين الاجتماع العام اليوم، بعد الاستماع إلى التقرير التالي والتفكير في جميع ما جاء فيه تفكيراً ملياً، رأوا بالاجماع أن الأسباب التي دعت إلى التأجيل بعد الموافقة على إقامة أسقف لاتيني للأراضي المقدسة في فلسطين قد زالت وبعضها قد تغير· إلاّ أنّ هذا التغيير الذي حدث لا يدعو إلى نقض الأسباب التي دعت إلى الإسراع في اتخاذ الخطوات لصالح الدين الكاثوليكي· ولهذا إن كان ذلك مرضياً لدى قداسة البابا، يوصي الكرادلة بإعادة طبع هذه القرارات ودراستها مرة أخرى في الاجتماع القادم، حيث تُعْرَض وتُدْرَس بدقة واهتمام جميع الأمور المتعلقة في كيفية إقامة الأسقف المشار إليه، (هل يكون أسقفاً أو رئيس أساقفة أو نائباً بطريركياً مع الوسم الأسقفي؟ ويحمل لقب كنسي في البلاد غير المسيحية؟ أو يجب أن يُنْتَخَب من بين الرهبان الفرنسيسيين؟ وفي هذه الحال، هل يتم التوحيد بين الرتبة الأسقفية بجميع حقوقها وصلاحياتها في شخص حارس الأراضي المقدسة؟ وبصورة دائمة أو مؤقتة؟ أو يجب أن يكون الأسقف متميزاً عنه؟)· كما يجب إعادة النظر في كيفية التوفيق من جميع الجهات بين الأسقف الجديد والأسرة الرهبانية العاملة في الأراضي المقدسة في فلسطين، مع أخذ مقام الأسقف وكرامته بعين الاعتبار· وكل هذه الأمور ستُعالج بطرق مختلفة حسب اختلاف الظروف الحاضرة· وكان رأي الجميع أخيراً أنْ يستشار الرئيس العام للرهبان الفرنسيسيين في جميع هذه الأمور· ولكن مع العلم أنّ موضوع إقامة الأسقف الجديد لم يَعُد بعد خاضعاً للجدال، وكذلك ليس من المحتم أنّ الأسقف سوف يكون من الأسرة السرافية· يوم 31/1/1847 ··· وبعد سماع قداسته قرار المجمع المقدس تكرم وصادق عليه"(25)·
نفخ هذا القرار روحاً جديدةً في قضية البطريركية، ويختلف عن بقية النصوص السابقة التي صدرت عن المجمع، بأن أكّد ضرورة إعادة الكرسي البطريركي اللاتيني إلى القدس، وأنّ الأسباب التي دعت إلى تأجيل المشروع قد زالت أو تغيّرت·
ب) المراسلات بين مجمع نشر الإيمان ورئيس الرهبنة الفرنسيسية:
اكتسبت قرارات مجمع نشر الإيمان صفة رسمية بمصادقة البابا عليها· فرفع المجمع كتاباً لرئيس الرهبنة الفرنسيسية في 6/2/1847: "ليقدم رأيه حول أفضل الطرق للتوفيق بين السُلطة الكنسية التي يُعمل على إقامتها في القدس وبين الرهبنة الفرنسيسية الموجودة هناك"(26)· وتحثّ الرسالة رئيس الرهبنة على الإجابة "بأسرع ما يمكن"(27)· وأشار كتاب المجمع إلى "أنّه حريص على إقامة النظام الكنسي الأسقفي في كل مكان لم يصل إليه بعد"(28)· وتميزت رسالة المجمع بطابع خاص، واتخذت سِمةً لم تتوفر في الرسائل السابقة، فلم يُسأل فيها رئيس الرهبنة عن موافقته أو رأيه في المشروع، بل طُلبَ إليه بلهجة فيها بعض التصميم عن سبل التعايش (Modus vivendi) بين حارس الأراضي المقدسة والأسقف الذي لم يُعيّن بعد، ولكن تعيينه بات وشيكاً·
أجاب الأب لويجي دا لوريتو على كتاب مجمع نشر الإيمان في 24/2/1847، وأثبته الكاردينال اكتون في تقريره وأهم ما جاء فيه ما يلي:(29)
(1 كان كتاب مجمع نشر الإيمان مفاجأة وسبب دهشة شديدة لرئيس الرهبنة لويجي دا لوريتو·
(2 إنّ حراسة الأراضي المقدسة امتياز خاص للآباء الفرنسيسيين، وقد منحهم البابوات هذا الامتياز المذكور وأكّدوه على مر العصور· ولا يملك رئيس الرهبنة الحق في أن يقرر التنازل عن امتيازات الرهبنه· فمثل هذا الإجراء لا يعود للرئيس العام بل لسائر أفراد الرهبنة وأقسامها· وللسلطة العليا في الكنيسة الحق في أن تلغي هذا الامتياز، ويطيعها الرهبان في مثل هذا القرار·
(3 هناك قرائن عديدة تثبت أنّ لإرسالية القدس وضعاً فريداً من نوعه في العالم، وفي الواقع هذه الإرسالية بحاجة إلى نظام مختلف عن الأنظمة الكنسية السائدة· ويقول كاتب الرسالة متحدياً: هل يوجد نظام دام خلال ستة قرون دون انقطاع كالمؤسسة الفرنسيسية في الأماكن المقدسة؟
4 )من غير المناسب البحث في إقامة نائب رسولي في القدس· وكان لمجمع نشر الإيمان هذا الرأي عينه، لأن عدة مشاريع قُدمَت بهذا الشأن ولم تُسفر عن تنفيذ عملي، كما حصل عام 1819 وعام 1842·
(5 أنفق الآباء الفرنسيسيون مالاً وافراً على إرسالية القدس، وقد جمعوا هذا المال من الملوك الكاثوليك والبروتستنت، فإذا حدث مس في نظام إرسالية القدس ربما ستقل حماسة الرهبان، مما يؤدي إلى قلة المعونات المالية التي سيجمعونها·
6 )أدّى المس في أنظمة بعض الإرساليات إلى حوادث ونتائج مزعجة، لم يكن النواب الرسوليون منها براء، وبالنسبة لإرسالية القدس إذا حدث فيها خلل فمن الصعب إصلاحه· وإذا أقِيلَ الرهبان من إدارة الأماكن المقدسة فستقع لقمة سائغة بيد الأرثوذكس، ويصير الحجاج الكاثوليك تحت رحمتهم، فالتجديد أو المس في هيكل مؤسسة قديمة قد يؤدي إلى دمارها·
(7 الأفكار والخيارات التي طُرحت تدعو إلى التروّي قبل البتّ فيها· فلا يُعقل أن نقول >لنُجَرِبَنّ ذلك< فربما في التجربة الدمار الشامل· فاليوم نواجه الأرثوذكس والأتراك، >والأتراك دوماً أتراك<، يتعاونون مع الذي يُقدم لهم كمية أكبر من المال· وإذا لاحظ اليونانيون في الأماكن المقدسة أدنى تحوّل في نظامها سينقضُّون عليها وتضيع من الكاثوليك إلى الأبد· لذا يجب معرفة الأسباب التي دعت مجمع نشر الإيمان في الماضي إلى إهمال مشروع إعادة تأسيس البطريركية·
(8 يختتم رئيس الرهبنة رسالته قائلاً: أعترف أمامكم وأمام الله أني لا أنصح بإقامة أسقف في القدس، لأنني لا أستطيع أن أطعن بيدي جمعيتي الرهبانية التي أنا رئيسها على غير استحقاق مني·
بعد استعراض أهم النقاط التي أثارها رئيس الرهبنة الفرنسيسية، نستنتج أنّ الرئيس تصور البطريركية أو تلك السُلطة الأسقفية التي يُعْمَل على قيامها في الأراضي المقدسة، نداً لحراسة الأراضي المقدسة، وليس جهازاً مكملاً ومتعاوناً معها· ومن ناحية أخرى حمل هذا الرد السلبي فائدة جمة في طياته، إذْ إنه "ألزم مجمع نشر الإيمان على أنْ لا يهمل أي جانب من قضية البطريركية"(30)· ولذا عهد مجمع نشر الإيمان بهذا الجواب وبكل الوثائق المتعلقة بمسألة إنشاء البطريركية اللاتينية الأورشليمية إلى الكردينال اكتون، وطلب منه إعداد دراسة شاملة عُرِفت >بتقرير اكتون<·
-4 تقرير الكاردينال اكتون:
يـتكون تقـريـر اكتون(31) مـن أربـع وثلاثين صفحة وملحقين، ملحق وثائقي (Nota di archivio) ويقع في ثماني عشرة صفحة، وموجز(Sommario) يقع في إحدى وأربعين صفحة· وتقرير اكتون دراسة شاملة لمسألة البطريركية، ويعرض تطور الفكرة والمراحل التي مرت بها منذ البداية· وقد أُعِدَّ هذ التقرير بناء على توصية مجمع نشر الإيمان، وغدا مرجعاً رئيساً مهماً في دراسة تاريخ بطريركية أورشليم اللاتينية· واستند كرادلة مجمع الإيمان إلى ما جاء فيه في اجتماعاتهم وقراراتهم، التي أسفرت عن إعادة الكرسي البطريركي اللاتيني إلى المدينة المقدسة· وأهم فقرات تقرير أكتون والمواضيع التي عالجها ما يلي:
أ) مـقـدمـــة(32:(
تشمل المقدمة عرضاً سريعاً وموجزاً للمساعي التي تمّت في سبيل إعادة تأسيس الكرسي البطريركي الأورشليمي، خاصة اجتماع المجمع في 25/1/1847، والمراسلات التي تبادلها المجمع ورئيس الرهبنة الفرنسيسية·
ب) الأسباب الموجبة لإنشاء أسقفية لاتينية في القدس(33):
اختار الكردينال اكتون أنْ يذكر الأسباب الداعية لإنشاء أبرشية القدس اللاتينية من الظروف التاريخية التي عايشتها فلسطين ومن واقع أحداث عصره·
(1 ليس هناك بلد أحقّ من القدس في الأسقفية، فمنذ فجر المسيحية حظيت القدس بكرسي أسقفي رسولي، رُفِعَ فيما بعد إلى درجة كرسي بطريركي· فضلاً عن بطاركة القدس اليونانيين (الروم)، هناك سلسلة من البطاركة اللاتين منذ القرن الحادي عشر تزامنت مع الوجود الصليبي في فلسطين· وبعد انتهاء الحكم الصليبي لم تنقطع سلسلة البطاركة اللاتين الفخريين غير المقيمين في القدس·
(2 رغبة المؤمنين خاصة في اوروبا بأن يكون في القدس أسقف كاثوليكي، وقد سبقهم البروتستنت إلى ارسال أسقفهم الأنكليكاني إلى المدينة المقدسة، مما أثار حفيظة الكاثوليك الألمان وعلى رأسهم رئيس أساقفة سالسبورغ، كما هي رغبة العديد من الرهبان الفرنسيسيين·
(3 لكل طائفة شرقية في القدس أسقف حتى بريطانيا لها أسقفها هناك·
(4 إنّ تمثيل الكنيسة الكاثوليكية يتمّ في كل بلد من خلال الأسقفية، فلماذا لا تتبع هذه القاعدة في فلسطين؟ مع العلم أن ليس في فلسطين أسقف كاثوليكي شرقي·
(5 احتياجات المؤمنين الروحية في فلسطين وقبرص البالغ عددهم ثمانية آلاف، ويقوم على خدمتهم الرهبان الفرنسيسيون الذين يجهلون اللغة العربية وعادات البلاد مما يعيق العمل الراعوي·
(6 تزايد عدد الحجاج من البلاد الكاثوليكية الذين يتوافدون على فلسطين لزيارة الأماكن المقدسة·
(7 ضعف انتشار الكثلكة بين المسيحيين الشرقيين·
8 )تناقص عدد الكاثوليك الشرقيين على قلة عددهم في فلسطين وقبرص· وقد اتُهِمَ في الماضي الآباء الفرنسيسيون بأنهم يعملون على انتقال الكاثوليك الشرقيين من الطقوس الشرقية إلى الطقس اللاتيني، علماً بأنّ تعليمات الكرسي الرسولي ومجمع نشر الإيمان توحي بخلاف ذلك· ولذا نوصي بأن لا تُمَس الطقوس الشرقية، بل يجب حثّ يجب الشرقيين على طاعة أساقفتهم· أما البروتستنت فقد غزوا الشرق واستقروا في مدن فلسطين، للتأثير على المسيحيين الكاثوليك الشرقيين واللاتين والأرثوذكس والمواطنين المحليين والأجانب على حدٍ سواء·
(9 يفتقر حارس الأراضي المقدسة الذي يرعى شؤون المسيحيين للوسم والرسالة الأسقفيين، ويجهل لغة البلاد وعاداتها وهو ملتزم بأنظمة جمعيته ورئاستها، وينحصر عمله في الإشراف على معيشة الرهبان وجمع الحسنات للأرض المقدسة· أما الأسقف فإنه يَنْعم بعدة امتيازات وصفات، كالوسم الأسقفي والتفرغ لشؤون الشعب والتبحر بلغة البلاد ومساواته في الرتبة أساقفة البلاد الكاثوليكية، ولن يسأل الأسقف عن عمله إلاّ من قِبَل الكرسي الرسولي؛ كل هذه الامتيازات ستؤدي إلى فوائد جمة في فلسطين·
(10 يتمنى كواريزمس (Quaresemus) (حارس الأراضي المقدسة في مطلع القرن السابع عشر) أن يكون للقدس بطريركها، وتمتعت آراء كواريزمس بالتقدير والإحترام في أوساط الرهبان الفرنسيسيين·
جـ) الرد علي كتاب رئيس الآباء الفرنسيسيين لويجي دالوريتو، المؤرخ بتاريخ 24/2/1847(34) )35) .
(1 لا يشك أحد في فضل الرهبنة الفرنسيسية على الأماكن المقدسة، وليس من يُنكر الرعاية التي نَعِمَت بها الأماكن المقدسة في كنفهم، ولكن هناك أسباباً لم يذكرها رئيس الرهبنة الفرنسيسية تحتم إقامة أسقف في القدس·
(2 يناقش الرئيس موضوع إعادة تأسيس البطريركية على أنّ المشروع لم يقره قداسة البابا، الذي تدين له جمعيته بالولاء والطاعة·
3 )بدل أن يعرض الرئيس اقتراحاته البناءة، يُقدم القرائن التي تجعل من مشروع إعادة تأسيس البطريركية خطراً شديداً على جمعيته وعلى مصير الأماكن المقدسة·
(4 يشبّه الرئيس تعيين أسقف بالقدس بنيزك عابر، وهل يصح مثل هذا التشبيه في سلسلة أساقفة القدس اللاتين والروم؟ أما هذه الأيام فقد أخفق مشروع تعيين الأسقف لمعارضة الرهبان للفكرة، وتلقيهم الدعم من بعض الدول في معارضتهم·
(5 لا يجوز التغاضي عن رغبة المسيحيين في أن يكون لهم أسقفهم في القدس·
(6 بالنسبة لفكرة الرئيس بأن إرسالية القدس من نوع خاص ونظامها الحالي مطلق وضروري، يجيب اكتون بأن في القدس بالذات أسّس السيد المسيح الأسقفية·
(7 لن تتناقص الحسنات التي ترد إلى إرسالية القدس في حال تطور النظام الكنسي وإدخال الأسقفية إليه· فإن الحسنات والصدقات لا تُعطى للآباء الفرنسيسيين، بل للأماكن المقدسة التي يخدمونها· ولو سلّمنا مبدئياً بتناقص الحسنات، فإنّ الفوائد الناجمة عن إدخال النظام الأسقفي إلى فلسطين تعوّض الخسارة· وللعلم فإنّ مجمع نشر الإيمان غير مطّلع على حسابات الرهبان، ولكن لدينا معلومات في الأرشيف ليست لصالحهم· وإذا أُرسِلَ أسقف إلى القدس فلن تُفقَد هذه الحسنات أو يُوقفُها، بل ستزداد ثقة المؤمنين به· وإن الغيارى من الرهبان سيُضاعفون حماستهم، خاصة إنْ كان نشاطهم دون مآرب ومصالح شخصية·
(8 الاضطرابات التي وقعت بين النواب الرسوليين والرهبان في الإرساليات (حلب والإسكندرية)، سببها عدم احترام الرهبان صلاحيات الأساقفة والتقيد بتعليماتهم·
(9 يلمح الرئيس الفرنسيسي إلى إشاعات مفادها أنّ اليونانيين (الروم) يسعون لدى الباب العالي للاستيلاء على الأماكن المقدسة التي بحوزة اللاتين· يتساءل اكتون عن مصدر هذه الإشاعات ويطالب بكشفها، ويشير إلى أن الرهبان يلاقون الاحترام والتقدير ليس لانتمائهم الرهباني، بل لكونهم لاتيناً وإفرنجاً·
(10 النظام الأسقفي معروف عند الأتراك، إذ يعُدّون البطاركة والأساقفة رؤساء مدنيين لطوائفهم· وجرى أن أقام بعض الأساقفة قداديس حبرية في القدس، كالمطران كواسكو، فلم يبدِ الأتراك استياءهم لذلك· وقد أعلن الباب العالي عن رغبته بأن يخدم أساقفة أوروبيون المسيحيين اللاتين المحليين، لذا لن يعارض الباب العالي إدخال النظام الأسقفي إلى القدس·
11)الأتراك دوماًَ أتراك، هذه العبارة أوردها الرئيس، ويرى فيها اكتون مبالغة وتشهيراً بالأتراك·
(12يقدم اكتون الوثائق التي دعم بها الرئيس آراءَه، ومن هذه الوثائق وثيقة عن المحاولة الفاشلة لإعادة تأسيس البطريركية سنة 1819، ومحاولة ثانية لم تخفق ولكن أُوقِفَ العمل بها سنة 1842(36) .
د) صفات الأسقف الجديد وألقابه(37:(
إن للقدس بطريركاً فخرياً هو المنسنيور فوسكولو (Foscolo) الذي لا يشرف على إدارة إرساليته· وحسب العادة المرعية لا يجوز تعيين بطريرك آخر للمكان عينه ما دام هناك بطريركاً فخرياً حتى ولو كان البطريرك المعين مقيماً· ففي حالة قرار مجمع نشر الإيمان تعيين بطريرك يتمتع بسلطة فعلية، بوسع البابا نقل المنسنيور فوسكولو إلى الإسكندرية· وإذا عُيّنَ بطريرك في القدس قد يطالب أسقفا القسطنطينية والإسكندرية بصلاحيات بطريركية فعلية· وفي حالة منح أسقف القدس لقب بطريرك لن يُسَرّ الأحبار الشرقيون الذين لا يرحبون بالبطاركة اللاتين في الشرق· ومن هذا المنطلق يوصي المنسنيور كوربولي بمنح أسقف القدس لقب نائب بطريركي أو درجة رئيس أساقفة· وهذا الحل، مع عدم إثارته حساسية الأحبار الشرقيين، فإنه غير مناسب بمفهوم القانون الكنسي والعرف المتفق عليه، إذ لا يجوز تخفيض درجة كنيسة كانت في الماضي بطريركية إلى أسقفية أو رئاسة أساقفة· كما أنّ من غير الملائم أن يرأس الكنيسة الواحدة (جغرافيا) بطريرك أرثوذكسي ورئيس أساقفة لاتيني· وأخيراًً يوصي اكتون بأن يمنح أسقف القدس أولاً لقب نائب رسولي يضاف إليه لقب بطريركي، لأنه يشغل كرسياً بطريركاً قديماً· وسيتمتع الأسقف الجديد بكل حقوق الأساقفة المقيمين، وسيصدر فيما بعد بيان بهذا الشأن كما صدر بالنسبة للنيابة البطريركية في القسطنطينية·
هـ) حدود الأبرشية(38):
حدود الأبرشية الأورشليمية هي حدود البطريركية اللاتينية الصليبية سابقاً(39)، مضافاً إليها جزيرة قبرص· وفي البطريركية الصليبية تبع أساقفة مساعدون (نائبون) لبطريرك القدس، ولكن نظراً لقلة عدد المؤمنين حالياً فلا ضرورة لمثل هذا الإجراء، إذْ يُفَضّل تعيين أسقف واحد في القدس· وعن تعيين أسقف مساعد في قبرص يُفضّل استشارة الأب باولو برونوني (Paolo Brunoni) الذي يقيم في الجزيرة منذ ثماني عشرة سنة، أما القرار النهائي للحدود فسيناقش فيما بعد·
و) علائق الأسقف بالإكليروس ونظام الأبرشية الداخلي(40:(
إنّ علائق الأسقف بالإكليروس مادة صعبة الدراسة لطبيعة التكوين الكنسي المعقد في فلسطين، فلا بدّ من الرجوع إلى تاريخ كنيسة القدس لإيجاد الحلول السليمة في العصر الحاضر:
(1 انتخاب بطريرك القدس وتشكيل الإكليروس الوطني:
السؤال الأول عن الأسقفية المتوقعة في القدس هو: ما هو النظام الكنسي الذي سوف يحيط بالأسقف؟ أو بصيغة أخرى ما هي طبيعة القاعدة العريضة التي سيرتكز عليها النظام الأسقفي؟ في العصر الصليبي أحاط بالأسقف كهنة أبرشيون ورهبان القديس مبارك واوغسطينوس· وتكوّن مجلس الأسقف من رهبان القديس اوغسطينوس الذين قاموا بالخدمة الدينية في كنيسة القيامة· ومن بينهم تمّ انتخاب الأسقف في العصر الصليبي الأول، وأحياناً تمّ من بين الكهنة الأبرشيين، وكان الهدف في كلتا الحالتين خير الكنيسة العام·
استناداً إلى تجربة الماضي، أي انتخاب الأسقف تارة من بين الكهنة الأبرشيين وتارة أخرى من بين الرهبان، يقدم اكتون اقتراحاته: ومن بين آلاف الكاثوليك اللاتين في فلسطين سنجد من يعتنق الحياة الكهنوتية ويلتحق بخدمة الأسقف· فأسقف القدس ليس ذلك الشخص الذي أُنعم عليه بالسلطات الأسقفية، بل هو الأسقف والإكليروس معاً، ويفضل أن يكون هذا الإكليروس ذا طابع أبرشي علماني (ليس رهبانياً)· ويحتفظ الآباء الفرنسيسيون برعاياهم وتترك الفرصة للأسقف لأن يكوّن إكليروسه الخاص· ولا شكّ أنّ وجود رهبنة الكرمليين في حيفا يدل على أن العمل الكنسي ليس احتكاراً للرهبنة الفرنسيسية· ولهذا على الأسقف عاجلاً أم آجلاً أن ينشئ إكليروسه الخاص دون أن يصطدم بالرهبان، ذلك الصدام الذي يقع عند المسّ بحقوق مقدسة· والجدير بالذكر أن نائب القسطنطينية الرسولي لديه إكليروس خاص يعمل جنباً إلى جنب مع الجمعيات الرهبانية التي تحتفظ بأديارها ورعاياها·
(2 الجمع بين السلطات:
ينصح كواريزموس بأن يتولى البطريرك فضلاً عن منصبه مهمة حراسة الأراضي المقدسة، على غرار البطريرك الصليبي الذي جمع بين البطريركية ورئاسة قانونيي القبر المقدس· أما اليوم فإن الرهبنات قد تطورت فصار لها أديارها وقوانينها، الأمر الذي يجعل من العسير أن يُعهَد بمنصبي الأسقف - البطريرك وحارس الأراضي المقدسة لشخص واحد· من هذا المنطلق ينصح اكتون بتبني الحق القانوني الكنسي العام بما يتعلق بالأسقفية، وفصل منصبي البطريرك وحارس الأراضي المقدسة· ولكن لا مانع أن يُنْتَخب البطريرك من بين الرهبان أو غيرهم حسب الحاجة وظروف الساعة· أمّا في حالة العمل بمبدأ الجمع بين السلطات، فعلى الرئيس الفرنسيسي العام أنْ يستشير الدوائر المختصة في الكرسي الرسولي عند تعيين حارس الأراضي المقدسة، لأنه باختياره الأخير يَنْتَخِب البطريرك بطريقة غير مباشرة· أما في حالة انفصال السلطتين فلا ضرورة لاستشارة الدوائر المختصة بانتخاب الأساقفة، بل يعمل بالنظام العام المتبع في تعيين رؤساء الرهبنات الإقليميين·
في حالة شغور المنصب الأسقفي سيظهر خطر احتواء حراسة الأراضي المقدسة منصب الأسقفية، فيطغى كيانُها البالغ على الأسقفية الفتية· ولهذا فإنّ وجود أسقف مساعد له حق الخلافة يلاشي هذا الخطر ويساعد من ناحية أخرى الأسقف المقيم في مهام منصبه·
(3 استعمال كنائس الأبرشية:
لكل أبرشية كنيسة أسقفية تسمى الكاتدرائية، وهي كنيسة الأبرشية الأولى يقيم فيها الأسقف الاحتفالات الحبرية· وفي القدس بحوزة الآباء الفرنسيسيين كنيستان هما كنيسة القيامة وكنيسة المخلّص·
- كنيسة القيامة:
رُمّمت القيامة مراراً وما زالت تحتفظ بطابعها القسطنطيني· وملكيتها مشتركة بين الأرثوذكس واللاتين، وكانت مواعيد الاحتفالات والقداديس موزعة بين الطائفتين بإشراف الأتراك· وقد كانت كنيسة القيامة الكنيسة الفرنسيسية الراعوية حتى القرن السادس عشر، حين أخذ الرهبان يقيمون الطقوس الليتورجية الراعوية في كنيسة المخلّص· ولدى الاطّلاع على تاريخ بطاركة القدس يبدو من الأكيد أن كنيسة القيامة هي الكنيسة الأولى، أي الكاتدرائية البطريركية، التي يفضل إقامة الصلاة فيها، ولكن بما أنها مشتركة بين اللاتين وغيرهم ومواعيد الاحتفالات والقداديس موزعة بين الطوائف، يُستحسن أن يُقيم الأسقف الاحتفالات الحبرية في كنيسة المخلّص·
- كنيسة المخلّص:
كنيسة القدس الراعوية وبإزائها دير الرهبان، يملكها الفرنسيسيون وحدهم· ففي حالة تعذر إقامة الإحتفالات الدينية في كنيسة القيامة تقام في كنيسة المخلّص، حيث يرافقه في الكنيستين الآباء الفرنسيسيون بصفتهم مجلساً قانونياً· ويقوم الرهبان بالخدمة الدينية مع الأسقف في جميع كنائس فلسطين وقبرص·
(4 جمعية فرسان القبر المقدس الخيرية:
يمنح حالياً حارس الأراضي المقدسة لقب فارس القبر المقدس، ويُرقي المنظمين إلى جمعية فرسان القبر المقدس في درجات العضوية المختلفة· وقد منح البابا الكسندر السادس (1492 - 1503) هذا الامتياز لحارس الأراضي المقدسة بعد زوال بطريركية القدس الصليبية، إذ كان البطريرك بصفته رئيساً للجمعية يمنح درجات العضوية والترقية، ففي حالة تعيين أسقف في القدس لمن يعود هذا الحق؟ يقرر ذلك فيما بعد·
5) )المصادر المالية:
سيحصل أسقف القدس على مساعدات مالية من أوروبا لتمويل مشاريعه· وقد أبدى الرهبان الفرنسيسيون معارضة في تقديم قسط من المال لميزانية الأسقف· وهذا الاعتراض غير منطقي، فموارد الأماكن المقدسة تضمن إعاشة الرهبان، فكم بالأحرى الأسقف الذي يحق له الاطّلاع على الموارد والنفقات، وقد يغدو الأسقف مسؤولاً أمام البلاد المسيحية عن هذه الميزانية!
ز) خــــاتمـــــــة(41) .
في طليعة مهام الأساقفة اللاتين في الشرق دعوة المنشقين عن الكنيسة إلى الوحدة، والعمل على ما فيه خير الكاثوليك الشرقيين، فلا بأس في منح أسقف القدس صلاحيات قاصد رسولي لدى المسيحيين الشرقيين في سبيل تحقيق هذه الأهداف· ويقدم الكاردينال اكتون أسماء المرشحين لمنصب أسقف القدس: الأب فاليركا، كاهن علماني عمل سكرتيراً للقاصد الرسولي في سوريا والتحق بإرسالية الآبـاء الدومنيكيين في المَوْصِـل· الأب باولو برونوني في قبرص· الأب دا شيفتسا (Da Civezza)، فرنسيسي وحارس الأراضي المقدسة في فلسطين· الأب فيلارديل، فرنسيسي وقاصد رسولي سوريا· وأخيراً يعرض الكاردينال سبعة وثلاثين اقتراحاً على مجمع نشر الإيمان لدراستها، تدور حول ظروف تعيين أسقف القدس وصفاته وصلاحياته وعلاقته بالرهبنة الفرنسيسية·

horizontal rule

5) الاتصالات بين مجمع نشر الإيمان وقداسة البابا بيوس التاسع:
أ) توصية بابوية، 28/4/1847:
كان تقرير الكاردينال اكتون جاهزاً قبيل 3/5/1847، موعد انعقاد جلسة مجمع نشر الإيمان، وقد طُبِعَ في آذار 7481· إلاّ أنّ مناقشة التقرير وموضوع البطريركية لم يدرجا على جدول أعمال الجلسة· فما سبب ذلك؟ هل هو صدى رسالة رئيس الآباء الفرنسيسيين لويجي دا لوريتو في 24/2/1847، الذي شطب الموضوع عن جدول الأعمال؟ أم مجرد سهو وإهمال؟ أم هناك أسباب خفية لم تُكْشَف بعد؟ على كل حال استدرك قداسة البابا بيوس التاسع الخطأ قبل وقوعه وأنهى الإشكال الحاصل، بأنْ كتب بخط يده إلى الأب بالما (Palma) أمين سر مجمع نشر الإيمان، يأمره بإدراج مسألة البطريركية في جدول الأعمال: "بما أنّ مجمع نشر الإيمان على وشك الانعقاد للنظر في بعض شؤونه، فمن الضروري أنْ يُدوّن حالاً لدى الأب بالما كتاب يُعَمَمُ على السادة الكرادلة للفت انتباههم بأنّه سيبحث في الجلسة موضوع أسقف القدس، وأنه سيكون أول موضوع يُعرَض للمناقشة، وعلى الأب بالما تنفيذ ما ورد أعلاه· الحبر الأعظم بيوس التاسع"(42)·
ب) مجمع نشر الإيمان يرشح الأب جوزبّه فاليركا بطريركاً للقدس· جلسة المجمع 3/5/1847:
لاقت توصية قداسة البابا أذناً صاغيةًَ في مجمع نشر الإيمان إذْ جاء في محضر جلسته: "بناء على أمر قداستكم، بُحث من جديد في جلسة المجمع المنعقد في 3/5/1847، موضوع إعادة تأسيس البطريركية"(43)· فدرس الكرادلة في هذه الجلسة تقرير الكاردينال اكتون، وأجابوا على21 اقتراحاً من 37 قدمها الكاردينال اكتون· وطلب المجتمعون منح الدرجة البطريركية لأسقف القدس، وأن يكون البطريرك مُمثلاً للكرسي الرسولي لدى الباب العالي ويقيم في القسطنطينية· وفي حالة عدم منح أسقف القدس الدرجة البطريركية يجب ترقيته إلى رئيس أساقفة أو نائب بطريركي· ورشح الكرادلة وعددهم 12 كردينالاً الأب فاليركا، وقالوا فيه "ولد على ساحل بوننتي / جنوه (Ponente di Genova)· امْتُدِحَ مدحاً صادقاً لتقواه ومهارته، وامتاز بالخبرة الراعوية الجيدة ومعرفة اللغات الشرقية"(44)·
جـ) قداسة البابا يصادق على ترشيح الأب فاليركا/ مقابلة مع قداسته 16/5/1847:
قابل مجمع نشر الإيمان البابا بيوس التاسع في 16/5/1847، وعرض عليه ما توصل إليه في جلسته من قرارات وتوصيات فصادق عليها: "قرر قداسة البابا بيوس التاسع، بعد الاطلاع الدقيق على هذا التقرير الذي رفعته إليه في مقابلة رسمية، إعادة البطريرك اللاتيني إلى القدس مع كامل صلاحياته، وقد اختار الأب جوزبّه فاليركا بناء على تنسيب المجمع المقدس، وأمر باستدعائه إلى روما"(45)· وصدرت تعليمات قداسته في حينه لاستقالة المنسنيور فوسكولو بطريرك القدس الفخري، فاستقال من منصبه في 10/10/1847·
د) جلسة خاصة في مجمع نشر الإيمان لتحديد علاقة البطريرك بحراسة الأراضي المقدسة 8/7/1847:
أجاب الكرادلة في 3/5/1847 على 12 اقتراحاً من أصل 37 قدمها اكتون، واختصر الكرادلة الخمسة والعشرين اقتراحاً الباقية إلى 51 اقتراحاً، وكان رد المجمع عليها كما يلي:(46)
(1 يقوم بوظيفتي البطريرك وحارس الأراضي المقدسة شخصان متميزان، ولا يجمع البطريرك بالإضافة إلى منصبه وظيفة حارس الأراضي المقدسة، والبطريرك هو رئيس الإرسالية·
(2 تُحدد صلات البطريرك بكهنة الرعايا والرهبان بناء على تعليمات المجمع التريدنتيني، وتعليمات البابا بندكتوس الرابع عشر (1470 - 1758·(
3 )تسري تعليمات الفقرة السابقة على الرهبان الكرمليين في حيفا وجبل الكرمل بما يخص تعيينهم·
(4 ستصدر تعليمات فيما بعد لإنشاء إكليروس وطني·
(5 يقرر قداسة البابا بخصوص أخذ مصادقته لتعيين حارس الأراضي المقدسة·
(6 يُقَدّم طلب إلى قداسة البابا ليعيّن نائباً بطريركياً عاماً يدير الأبرشية في حالة شغور الكرسي البطريركي·
(7 سَيُبَت فيما بعد بشأن تخصيص كنيسة من كنائس الأبرشية للبطريرك·
(8 يحق للبطريرك إقامة الصلاة في جميع كنائس الأبرشية، بما في ذلك كنائس الرهبان الفرنسيسيين وغيرهم من الجمعيات الرهبانية·
(9 - 01 يُشارك الرهبان الفرنسيسيون البطريرك في الخدمة الدينية كقانونيين في كنائسهم وكنائس الأبرشية الأخرى·
(11 يبتّ البطريرك بما يخص امتيازات حارس الأراضي المقدسة، كمنح سر التثبيت·
(12 يحق لحارس الأراضي المقدسة إقامة الشعائر الدينية مستعملاً الشارات الأسقفية على أن يطلب الإذن من البطريرك في حال وجوده في الأبرشية·
(13 يقرّر قداسة البابا من يقلد شارات جمعية فرسان القبر المقدس الخيرية وينظم عضويتها البطريرك أو حارس الأراضي المقدسة·
(14 يقرّر قداسة البابا مساهمة حراسة الأراضي المقدسة في ميزانية البطريركية·
(15 يُبَت في الميزانية فيما بعد، ويؤخذ رأي البطريرك وحارس الأراضي المقدسة·
هـ) البابا يشترك في الإجابة على اقتراحات مجمع نشر الإيمان / مقابلة مع قداسته 11/8/1847:
قابل مجمع نشر الإيمان قداسة البابا في 11/8/1847، وشارك في الإجابة على الاقتراحات بما يلي:
- على الرهبنة الفرنسيسية أن تحصل على مصادقة "Placet"قداسة البابا لتعيين حارس الأراضي المقدس:)47 (
- من مهام البطريرك اللاتيني تنصيب الفرسان في جمعية فرسان القبر المقدس الخيرية ومنح درجات الترقية (48)
و) موقف الحكومة الفرنسية من إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية الأورشليمية ومن مرشح الكرسي الرسولي المنسنيور فاليركا:
قُدّمتْ في جلسة مجمع نشرالإيمان في 8/7/1847، رسالة من وزير خارجية فرنسا چيزو إلى سفير فرنسا في روما الكونت روسي (Rossi) مؤرخة في1/6/1847،يروي فيها الوزير خبر إعتكاف حارس الأراضي المقدسة في دير الكرمليين في حيفا بعد أن اختلف مع مجلسه الرهباني· ويعلق سكرتير جلسة مجمع نشر الإيمان على الرسالة بقوله: "تعبر هذه الرسالة عن موقف الحالي وعن موقف الرهبان الفرنسيسيين"(49)· ويوصي وزير خارجية فرنسا بتدارك الوضع القائم في فلسطين قائلاً:"أول خطوة يجب اتخاذها هي أن يُرسَل إلى القدس رجل حكيم ومطلع وحازم ومصمم على اقتلاع الشر من جذوره وغير متساهل في مهمته، متمتعاً بصفة مفوض أو زائر"(50)· ونية چيزو من توصيته هذه، "مصلحة الدين العليا وشرف الكثلكة والكرسي الرسولي·"(51)· وأخيراً يسأل سفيره في روما بأن يتصل بالكرسي الرسولي "ويقنعه بضرورة اتخاذ قرار حاسم"(52)·
توحي رسالة چيزو بتحرك الموقف الفرنسي تجاه قضية بطريركية القدس، ولكن الوزير لم يتخيل بأنّ روما سترسل بطريركاً إلى فلسطين، بل مسؤولاً يتمتع بصلاحيات واسعة، أما مجمع نشر الإيمان فقد استخدم الرسالة بمهارة إذْ أدرجها في محضر جلسته ورفعها لقداسة البابا، ليعطي دفعاً جديداً لمسألة بطريركية القدس·
وقد امتدّت المعارضة الفرنسية لبطريركية القدس من سنة 1842 - 1847، والدليل على ذلك الرسائل المتبادلة بين وزير خارجية فرنسا وسفارة روما وقنصلية القدس· لم تثن المعارضة روما عن السير في مشروعها، فاختارت فاليركا بطريركاً على الكرسي الأورشليمي وهو من رعايا الدولة السردينية(53) التي نافست فرنسا في حماية الكثلكة في الشرق· ولذا عُدّ فاليركا غريماً لفرنسا على الصعيد القومي والسياسي، ففي رسالة چيزو لسفيره روسّي في روما بتاريخ 9/7/1847 يُمْلِي تعليماته، وقد صار شبه اكيد عزم الكرسي الرسولي على تعيين بطريرك في القدس، فالمناورة لإيقاف هذا القرار غير مُجدية فعلى الأقل، "أن لا يكون (البطريرك) سردينياً ···، وليس من الضروري ذكر الأسباب لكم لأنكم تعلمونها جيداً، وأخيراً أترك هذه المسألة لفطنتكم"(54)· من تاريخ الرسالة يتبين أن چيزو لم يكن على علم بتعيين فاليركا بطريركاً للقدس، الذي تمّ قبل شهرين في 16/5/1847· لم تغامر فرنسا بطلب تعيين أسقف فرنسي، ولكن على الأقل أن يكون رومانياً (أي من أساقفة الكرسي الرسولي في روما) وليس سردينياً· واجتمع السفير روسّي في روما مع قداسة البابا والكرادلة في محاولة أخيرة لتفادي وصول أحد رعايا سردينيا إلى الكـرسـي البـطريـركـي فـي الـقـدس· فـفي تـقرير له بتاريخ 28/9/1847 كتب لوزير خارجيته: "طَرَحْتُ مرتين مسألة أسقف القدس، يظهر أن قداسة البابا مصمم بخلاف رأيه السابق على أن يُعيّن أسقفاً سردينياً هو المنسنيور فاليركا"(55)· أما موقف قداسة البابا فكان: "المنسنيور فاليركا سرديني الأصل، ولكنه روماني بثقافته وعاداته ومقره، وقد انتخبه مجمع نـشــر الإيمـان بـأغـلـبية الأصـوات، وســوف يـوجّـه إلـيـه تـعـليمات مطمئنة للحكومة الفرنسية"(56)·
وكان للموقف الفرنسي الساخط على سياسة الكرسي الرسولي وعلى المنسنيور فاليركا مبرراته: ففرنسا حامية الكاثوليك في الشرق لم يُؤخَذ رأيها في تعيين أسقف القدس، بل سُلّمت رئاسة الأبرشية لبطريرك من أمة تنافس الفرنسيين في الشرق· ففرنسا لا تُكنّ عداءً شخصياً للمنسنيور فاليركا، وعلى هذا الأساس طمأن البابا السفير الفرنسي بقوله - بأن فاليركا روماني بثقافته وعاداته ومقره ··· - تظهر مرارة الموقف الفرنسي في رسالة وزير الخارجية إلى سفيره في روما بتاريخ 18/10/1847: "لا أتردد في القول بأن الكرسي الرسولي يريد منا أن نُمّثِلَ دوراً صعباً، فسيسألنا كالعادة أن ننقل على بواخرنا أُناساً ومراسلات معادية لفرنسا"(57)· وفي الواقع سيسافر المنسنيور فاليركا على متن سفينة فرنسية إلى فلسطين: "كان ألمنا كبيراً لما علمنا باختيار قداسة البابا، ليس لأن لدينا تحفظاتٍ أو أحكاماً مسبقة تجاه الشخص المعين، ولكن نأسف بصدق لأن البابا لم يأخذ بعين الأعتبار ملاحظاتنا التي رفعناها إليه، إذْ راعينا فيها مصلحة حماية الكاثوليك في الشرق"(58)·
ما هو الدافع وراء اختيار الكرسي الرسولي المنسنيور فاليركا السرديني على الرغم من المعارضة الفرنسية؟ أهو خير النفوس المؤمنة ومصلحة الكنيسة العليا؟ أم لأن فاليركا أفضل المرشحين بغض النظر عن جنسيته لهذا المنصب؟ أم سعى الكرسي الرسولي لكسب تأييد سردينيا بهذا التعيين بأن اختار أحد رعاياها بطريركاً للقدس، وفي الوقت عينه قدم ضمانات للحكومة الفرنسية بأن هذا الإجراء لن يُسيء إلى سياستها في الشرق· أم كلا الهدفين معا؟ فاصطاد عصفورين بحجر واحد؟
وقد أُعلِن رسمياً عن تعيين المنسنيور فاليركا بطريركاً مقيماً في القدس في 4/10/1847، وفي 10/10/1847 رقّاه قداسة البابا بيوس التاسع إلى الدرجة الأسقفية بالسيامة المقدسة·

horizontal rule

-6 الـرـــالــة الـبـابـويـة "لــم تَشــْتَهِرْ "Nulla Celebrior"
صدرت الرسالة البابوية لم تشتهر في 23/7/1847، أي قبل أسابيع من سيامة الأب فاليركا أسقفاً وتعيينه بطريركاً على القدس· وفي هذه الرسالة أَعلن قداسته عن إنشاء البطريركية اللاتينية الأورشليمية بعد مشاورات واتصالات مع الفعاليات المعنية، وقام مجمع نشر الإيمان في سبيل ذلك بدور رئيس، ودامت هذه الاتصالات من شهر كانون الثاني 1847 إلى حزيران 1847·
الرسالة البابوية (59).
لم تشتهر مدينة في العالم بالشعائر الدينية مثل مدينة القدس، وبين جميع المناطق التي يؤمّها المسيحيون ليست منطقة أكرم منها ومن أرض فلسطين· ففي كل مكان في هذه المدينة ترتفع الأبنية الشهيرة التي تشهد بأعمال سيدنا يسوع المسيح، وتُعيد إلى الذاكرة أمثلة الفضيلة والقداسة التي بها شرّف الفادي الإلهي للجنس البشري هذه المدينة بصورة خاصة· ولهذا لم يكن من الممكن إلاّ أنْ تُحاط هذه المدينة بهذا التكريم العظيم من قبل المسيحيين منذ نشأة الكنيسة· ولقد امتازت مدينة القدس بأمرٍ فريد، وهو أنها احتوت القبر المجيد الذي مكثَ فيه مخلصنا مدة ثلاثة أيام ثم قام منه في اليوم الثالث بقوته الذاتية منتصراً على الموت بمعجزة باهرة· فأيّد بذلك الوهية الديانة التي أسّسها· وفي هذه المدينة علّم السيد المسيح أسرار الديانة السامية وتعاليمه الإلهية، حتى يعيش المسيحيون بموجبها بصبر وعدل وتقوى· وفيها حلّ الروح القدس على الرسل· وفيها مكثت العذراء مريم مع الرسل مدة طويلة· وفيها عقد الرسل أول مجمع لهم· وفيها نجا القديس بطرس بقوة إلهية بعد أنْ ألقى القبض عليه هيرودس الملك· ولن نعدد جميع الأعمال الأخرى التي يمتلئ بها الإنجيل وسفر أعمال الرسل، والتي تبّين أنه قلما يوجد مكان في القدس أو في فلسطين لا صلة له بحياة السيد المسيح وبموته وقيامته وصعوده وعجائبه، ولا يذكِّر بالأعمال الخلاصية التي قام بها· هذا ما حمل المسيحيين في كل جيل على إكرام هذه الأماكن وإقامة شعائر العبادة فيها· ولهذا توجهت أنظار المسيحيين إلى فلسطين وبصورة خاصة إلى قبر الخلاص· ولما وقعت المدينة المقدسة في أيدي البرابرة، هبّ الأمراء الأوروبيون في حروب قاسية ومتكررة لاستردادها ولتخليص المؤمنين من المشقات الجسيمة والظلم الشديد الذي كانوا يعانونه· وجميع الذي ذكرناه حتى الآن انما ذكرناه لنُبّين أنّه كان من العدل أن تُحَاط بإكرام الشعب المسيحي في العصور القديمة وفي أيامنا الحاضرة·
وفيما يختص بالسُلطة الكنسية، لا نعلم شيئاً في تاريخ الكنيسة يبين بأي إكرام كان كرسي أسقف القدس مُحاطاً· إنما الذي نعلمه من أقدم المصادر، هو القرار الذي ورد في المادة السابعة من أعمال المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقيا عام 325، الذي يقول: "إنّها لعادة قديمة وتقليد قديم أن يكرم أسقف إيلياء (القدس)، وأن يكون له ما يترتب على هذا التكريم"· والكل يعلم ماذا حصل بعد عدة قرون لما استرد الأمراء الأوروبيون مدينة القدس وأنشأوا مملكة القدس فبدأت إذْ ذاك سلسلة بطاركة اللاتين· وقد نُصّبَ عدد كبير من الشخصيات اللاتينية بطاركة لهذا الكرسي· ولقد ثبّت رتبة البطريركية لكرسي القدس المجمع المسكوني اللاطراني الرابع المنعقد في حبرية البابا انوشنسيوس الثالث عام 1215· إلاّ أن تقلبات الدهر والخسائر التي منيت بها الجيوش الأوروبية أدّت إلى رجوع مدينة القدس إلى سلطة المسلمين· ومن بعد ذلك لم يتمكن بطاركة اللاتين من البقاء في القدس للقيام برعاية الرعية الموكولة إليهم، واضطرّ أسلافنا الأحبار الرومانيون إلى اللجوء إلى طريقة أخرى لرعاية هؤلاء المؤمنين· ومع ذلك فإنّهم لم ينقطعوا عن انتخاب بطاركة للقدس، ولو أنهم أعفوهم من واجب الإقامة هناك ما دامت الكنيسة نفسها خاضعة لحكم غير المؤمنين·
أما اليوم فقد زالت الموانع التي كانت تحول دون إقامة البطريرك اللاتيني في القدس واهتمامه هناك بخلاص خرافه· ولهذا بعد أن اعتلينا غير مستحقين السدّة البطرسية وبعد أعمال الروية، رأينا أن نصرف اهتمامنا إلى هذا الأمر من بين أمور الكنيسة المتعددة، وقررنا: أنّ مقام الكرسي الأورشليمي لقدمه ولما يتمتع به من الحقوق الأصلية والظروف الراهنة، تقتضي أن نرسل مجدداً إلى مدينة القدس بطريركاً على حسب الطقس اللاتيني· وقد أردنا أولاً أن نعرض هذا الأمر الخطير على إخوتنا كرادلة الكنيسة المقدسة القائمين على شؤون المجمع المقدس لنشر الإيمان المسيحي، للتفكير فيه تفكيراً دقيقاً ولتنفيذه· وقد وافقوا بالإجماع على إعادة إنشاء السُلطة البطريركية في كنيسة القدس· ولما تسلّمنا هذا الرد، ابتهلنا إلى العزة الإلهية لتؤيدنا في تتميم هذا المسعى البالغ الأهمية على أفضل وجه لمصلحة الكنيسة العليا· ومع ذلك فقد تروينا وأطلنا الروية ووضعنا رأي مجمعنا على محك الاختبار ومن بعد ذلك، فقد رأينا أن نعمل من غير إبطاء لإنجاز هذه المهمة·
فبسُلطة الاله القدير والرسولين بطرس وبولس وبسلطتنا نعيد صلاحيات البطريرك اللاتيني الأورشليمي إلى الوجود، ونعلن إلزامه بالإقامة كما كان الأمر من قبل· أما فيما يختص بحدود البطريركية فإنّا نأمر ونقرر ما يلي: إلى أن تصدر تعليمات أخرى عن هذا الكرسي الرسولي: تخضع لسلطة هذا البطريرك المناطق والأمكنة الخاضعة حالياً لسلطة ابننا الحبيب حارس الأماكن المقدسة والقبر المقدس ورئيس رهبان القديس فرنسيس الأصاغر وفيما يختص بإنشاء وتعيين الأساقفة التابعين للبطريرك، نقرر أننا سنعلن عن رأينا فيما بعد، ونحتفظ بهذا الأمر لنا ولإخوتنا الكرادلة أعضاء مجمع نشر الإيمان· وتُخوّل الصلاحية للمجمع نفسه حتى يوجّه التعليمات الدقيقة مؤيدة بسُلطتنا لتبيّن الطريقة التي يجب أن يُحافظ عليها ويسير عليها حارس الأراضي المقدسة وسائر الرهبان الفرنسيسيين المقيمين هناك، وجميع رجال الكنيسة الخاضعين للبطريرك المذكور· هذا ما رأيناه لكرامة الديانة ولنمو الإيمان الكاثوليكي في تلك المناطق ولمصلحة الكنيسة لدى تلك الشعوب· وهذا ما نأمل تحقيقه بلطف الله وبركته·
تُعتبر لاغية جميع التعليمات العامة والخاصة القاضية بغير ذلك· ونريد أن يكون هذا المرسوم مصدقاً في حال عرضه أو إبرازه وذلك بعد تسليمه أو حتى طباعته، وتسجيله لدى السجل العام ومهره بخاتم أحد رجال الكنيسة المختصين·
أُعطِيَ في روما في كنيسة مريم الكبرى ممهوراً بختم الصياد، في اليوم الثالث والعشرين من شهر تموز عام 1847، الثاني من حبريتنا·

horizontal rule

-7 تعليمات مـجمع نـشر الإيمان 10/12/1847(60):
تركت الرسالة البابوية >لم تشتهر< المجال مفتوحاً لصدور تعليمات ملحقة حول كيان البطريركية الجديدة· ففي 10/12/1847 اصدر مجمع نشر الإيمان تعليمات بخصوص نظام بطريركية أورشليم اللاتينية، وأهم ما جاء فيها ما يلي:
(1 حارس الأراضي المقدسة هو رئيس حراسة الأراضي المقدسة· تُنقل صلاحيات حارس الأراضي المقدسة التي اكتسبها بمرور الزمن لإدارة الإرسالية الفلسطينية وقبرص إلى البطريرك، بينما يحتفظ الحارس بصلاحياته في سوريا ومصر·
(2 يحافظ البطريرك على قوانين الحق الكنسي العام وقواعده، وخاصة قرارات المجمع التريد نتيني·
(3 في حالة خلو الكرسي البطريركي يتمتع النائب البطريركي بصلاحيات مدبّر الأبرشية·
(4 بوسع البطريرك تفويض حارس الأراضي المقدسة صلاحيات أوسع من تلك المذكورة في الفقرة الأولى، كأن يمنح الحارس سر الميرون المقدس·
(5يجوز لحارس الأراضي المقدسة ارتداء الزي الحبري وشاراته إلى أن تصدر تعليمات بخلاف ذلك، وفي حالة وجود البطريرك في الأبرشية فعلى الحارس الحصول على إذن بشأن استعمال الزي والشارات الحبرية، وفي حالة غياب البطريرك يُسمَح له باستعمالها·
(6يتم انتخاب حارس الأراضي المقدسة كما جرت عليه العادة في حراسة الأراضي المقدسة·
7)يُحاَفظ على نظام جمعية فرسان القبر المقدس الخيرية، ومن مسؤولية البطريرك منح درجاتها·
(8كهنة الرعايا الرهبان من الطقس اللاتيني في فلسطين وقبرص يتعاملون مع البطريرك كما ينص عليه القانون العام في معاملتهم مع الأساقفة·
(9في تعيين كهنة الرعايا من بين الرهبان يقدم رؤساء الرهبنيات ثلاثة مرشحين، يختار من بينهم البطريرك كاهن الرعية الذي يرغب في تعيينه·
10)يحق للبطريرك أن يقيم قداساً حبرياً واحتفالات أخرى في الكنائس التابعة للرهبان من الطقس اللاتيني في قبرص وفلسطين، ويقدم له الرهبان الأدوات والألبسة الضرورية لذلك، وفي القدس يقوم مجمع الكنيسة الكاتدرائية بتقديم ما سبق، ما لم يرَ خلاف ذلك·

horizontal rule

خــاتمــة
إن مشروع إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية قد رُسمت خطوطه العريضة في دوائر الكرسي الرسولي بروما طوال سنة كاملة· فتمّت الدراسات الضرورية وصدرت التعليمات والتوصيات لإخراج البطريركية اللاتينية الأورشليمية إلى حيّز الوجود· ومشروع إعادة تأسيس البطريركية بكل حيثياته ووثائقه أشبه بمخطط هندسي أُعِدّ نظرياً، ينقصه التنفيذ والشخصية الجديرة لإنجازه، وذلك لم يكن بالأمر القريب المنال! فهناك أولاً سُلطة كاثوليكية قائمة في فلسطين هي حراسة الأراضي المقدسة، فكيف سيتم التنسيق ميدانياً بين البطريرك القادم من روما والحراسة التي اكتسبت على مرّ العصور حقوقاً إرسالية راسخة في فلسطين؟ وثانيا هناك بطريركا الروم والأرمن، فهل سيرحبان بشريك ثالث يُلَقّب ببطريرك القدس؟ هذا غير الصعوبات التي قد تطرأ من جراء موقف السلطنة العثمانية من الضيف الجديد الذي سيحل قريباً في المدينة المقدسة· ومن ناحية أخرى على البطريرك المعيّن أنْ يقيم كياناً بطريركياً من لا شيء تقريباً: فالرعايا الفرنسيسية ستظل في عهدة الرهبان، والبطريرك سيكون في القدس دون إكليروس خاص به، فعليه أن يعتمد على الآباء الفرنسيسيين في السنوات الأولى من عمر الكيان البطريركي·
اختار الكرسي الرسولي الأب جوزبّه فاليركا، وقد عرف شعبياً في فلسطين بيوسف فاليركا ليكون بطريركاً على القدس، وهو شاب في الرابعة والثلاثين من عمره وقد مارس العمل الدبلوماسي في روما واكتسب الخبرة الكهنوتية الميدانية في بيروت والموَصِْل·

الفهرست

غلاف الكتاب