cover.JPG (69622 bytes)

الباب الثاني

البطريركية اللاتينية الأورشليمية

 

مـقــدمــة



لم تنقطع صلات الغرب بالشرق على مرّ العصور، فقد أمّ الغربيون من أبناء الكنيسة اللاتينية الشرق كسياح وحجاج، وشيّدوا في فلسطين الأديار والمناسك التي كانت تابعة لأساقفة وبطاركة الكنيسة الجامعة المحليين الشرقيين· فلم يشكّل الوجود اللاتيني الغربي سُلطة كنسية مستقلة إلاّ أثناء الحروب الصليبية التي أفرزت مملكة صليبية(1) وبطريركية لاتينية في فلسطين· وكان اللقاء الأول بين الصليبيين وسكان بيت المقدس عنيفاً، وبعد زوال عنف اللقاء الأول أنشأ الصليبيون بطريركية القدس اللاتينية· فقد غادر سمعان بطريرك القدس المدينة قبل استيلاء الصليبيين عليها، ويقول في هذا الشأن المؤرخ البريطاني رنسيمان (Runciman): "كانت الحاجة ماسة لتعيين بطريرك، فلو أن سمعان كان حياً لبقيت حقوقه محترمة، إذ إنّ أدهيمر (المندوب البابوي) أقره، ولا زال الصليبيون يذكرون ما بعث به إليهم في أنطاكية من الهدايا والمنح· على أنّ أحداً سواه من الكنسيين اليونانيين أو السوريين لم يكن مقبولا· والواقع أنه لم يكن ثمة من يصلح أن يلي هذا المنصب، لأنّ كبار رجال الدين من الأرثوذكس في بيت المقدس لحقوا بالبطريرك في المنفى"(2)· ويرى ميشو (Michaud) في تنصيب بطريرك لاتيني في القدس ظلماً للمسيحيين الشرقيين واغتصاباً لحقوقهم(3)· ونَصّب الصليبيون بطريركاً لاتينياً لأن الكنيسة المحلية واللاتينية القادمة من الغرب لا تُشكّل في نظرهم إلاّ كنيسة واحدة، "فالانشقاق الذي وقع في كنيسة القسطنطينية عام 1054 لم يكن قد تمّ في فلسطين"(4)·
"لم يحدث حتى وقتذاك في فلسطين انشقاق بين الكنيستين الأرثوذكسيتين في الشرق والغرب"(5)· فمن وجهة النظر الإيمانية العقائدية، تشترك الكنيستان المحلية واللاتينية في تراثٍٍ إيماني واحد هو الأرثوذكسية الخلقدونية، فلا يجوز أن تكون هناك ثنائية في السُلطة، فجرى إذاً انتخاب بطريركٍ واحدٍ لكلتا الفئتين اللتين تؤلفان كنيسة واحدة· أما الأساقفة غير الخلقدونيين أي الأرمني والسُرياني والنسطوري، فلم يمسس الصليبيون حقوقهم الكنسية وثُبّتُوا في مناصبهم على اعتبار أن هذه الكنائس منفصلة عن شركة الإيمان القويم منذ مجمع خلقدونيا· ولا شك أن علائق الصليبيين بالمسيحيين المحليين في البداية لم تكن مثالية: "ثم أبعد (أرنولف مالكورن أول بطريرك صليبي في القدس) القسس الذين يؤدون الشعائر الشرقية والذين يقيمون الصلاة في الكنيسة (القيامة)، إذْ كانت وقتذاك ولا تزال حتى الآن، تحوي مذابح تنتمي إلى كل نِحَل العالم المسيحي الشرقي"(6)· ولكن أرنولف مالكورن تراجع عن موقفه بعد تعيينه بطريركاً للمرة الثانية عام 1112· ويرجع الفضل إلى أرنولف والملك بلدوين، فيما قام من علائق طيبة بين الكنيسة اللاتينية والمسيحيين المحليين· والملك بلدوين هو رائد التقارب الصليبي - المسيحي المحلي "فأصرّ (بلدوين) على أنه لا بدّ من رفع ما حاق بالسكان الوطنيين من مظالم، فردّ إلى اليونانيين مفاتيح كنيسة القيامة، وعندئذ حظي بلدوين بتأييد المسيحيين في فلسطين"(7)· ويؤكد ذلك المؤرخ اليوناني بابادوبولوس (Papadopoulos) الذي يورد موسيه (Musset) رأيه في حالة المسيحيين الشرقيين أثناء الحكم الصليبي: "كان وضع الكنائس الشرقية صعباً في البداية ثم تحسن فيما بعد"(8)· وأخيراً كان على الصليبيين أن يغادروا القدس سنة 1187 بعد معركة حطين ثم ودّعوا الشرق مرة أخرى في عكا عام 1291 بعد سقوطها(9)·
في القرن الرابع عشر أنشأ الرهبـان الفرنـسيسيون، الذين شـــعارهم الســلام والخير(Pax et Bonum)، حراسة الأراضي المقدسة التي تُعَد وريثة البطريركية اللاتينية· وتمتع حارس الأراضي المقدسة الفرنسيسي بصلاحيات مندوب رسولي وأسقف محلي على الكاثوليك المقيمين في فلسطين وحدود حراسة الأراضي المقدسة، بينما استمر الكرسي الرسولي في تسمية بطاركة القدس الفخريين الذين أقاموا في الغرب·
في القرن التاسع عشر ظهرت عدة حقائق جديدة عثمانية وكنسية ودولية، حتّمت إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية وعودة بطاركة اللاتين إلى الشرق، ليعملوا جنباً إلى جنب مع الرهبان الفرنسيسيين، وتوزعت الصلاحيات الكنسية بين الطرفين من جديد· ولذا ينقسم هذا الباب إلى أربعة فصول هي:
الفصل الأول: حراسة الأراضي المقدسة·
الفصل الثاني: إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية الأورشليمية، 1847
الفصل الثالث: البطريرك فاليركا 1847 - 1872·
الفصل الرابع: البطريرك براكّو 1873 - 1889

 

horizontal rule

الباب الثاني: البطريركية اللاتينية الأورشليمية


الفصل الأول
حراسة الأراضي المقدسة



مـقـدمـة
إن التطور الذي وقع في الكنيسة الكاثوليكية في القرن التاسع عشر شَمَلَ إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية ونمو المؤسسات والخدمات التي تقدمها كل من البطريركية والحراسة إلى المؤمنين· وتضم هذه المؤسسات والخدمات النواحي الروحية ثمّ الاقتصادية والاجتماعية· فلا بدّ قبل الشروع في بحث هذا التطور وتحليله، من إلقاء نظرة سريعة على علائق الرهبان الفرنسيسيين بفلسطين منذ نشأة الحراسة في القرن الرابع عشر إلى العصر الحديث· تفيد المصادر التاريخية أن القديس فرنسيس الأسيزي (1182 - 1226) زار الشرق يرافقه اثنا عشر راهباً عام 1219، ويرى فيه بعض المؤرخين الفرنسيسيين مؤسس كيانهم الرهباني في فلسطين: "إن فرنسيس كان مؤسساً لهذه الإرسالية المجيدة التي تعرف بإرسالية الأرض المقدسة أو إرسالية سوريا"(2)· ويؤكد آخرون أنّ الوجود الفرنسيسي في فلسطين يعود إلى قبل ذلك التاريخ: "لقد أوجد مجمع الرهبنة عام 1217 إقليماً رهبانياً في فلسطين عُرِفَ بإقليم الأرض المقدسة أو إقليم سوريا وبلاد ما وراء البحار، وضمّ هذا الإقليم حوض البحر الأبيض المتوسط الجنوبي والشرقي، ليشمل البلاد السورية ومصر واليونان"(3)·
قابل القديس فرنسيس أثناء زيارته الشرق الملك الكامل في مصر، وتقول الرواية الفرنسيسية أنّ فرنسيس زار الأماكن المقدسة واستملك بعضها، كمغارة بيت لحم والجلجلة وجبل صهيون وكنيسة الناصرة، واستبقى بعض رهبانه فيها· وترجَح هذه الرواية بين الواقع التاريخي المؤكد والأسطورة، ويؤكد جولوبوفيش (Golubovich) واقعية هذه الرواية، ويَعُدّ الراهب ايليا دا كورتونا (Elia da Cortona) أول رئيس للمقاطعة الرهبانية الفرنسيسية في الشرق عام 1219(4)·
في عام 1229، عقد الإمبراطور فردريك والملك الكامل هدنة لمدة عشر سنوات، أعاد بموجبها المسلمون القدس وبيت لحم والناصرة إلى الصليبيين· أمّا الأسباب التي حملت الطرفين على توقيع الهدنة، فهي حاجة الملك الكامل إلى عون خارجي لمواجهة أطماع أخيه المعظم وحلفائه الخوارزمية· أمّا فردريك، فقد تعرّض لضغط شديد من البابوية للقيام بحملة صليبية جديدة تُصلِح الوضع الذي نجم عن إخفاق الحملة الخامسة· ولما ماطل فردريك هدّده البابا بالحرم الكنسي في أواخر أيلول 1227، فاضطرّ مكرهاً للتوجه إلى الشرق ومعه خمسمائة فارس لا ليحارب بل ليفاوض الكامل، فالظروف التاريخية والصداقة القائمة بينهما دفعت هذين الملكين للتفاهم وتفادي الحرب التي كان الطرفان في غنى عنها· وحتى عام 1228 لم يتقدم الملك فردريك إلى القدس وأقام في عكا، الأمر الذي دفع البابا غريغوريوس التاسع إلى حرمانه· ونقل صكّ الحرمان الرهبان الفرنسيسيون إلى البطريرك اللاتيني في عكا، مما أثارحفيظة الملك على الرهبان وعاقبهم·
وفي فترة الهدنة بين 1229 - 1240، عاد البطريرك اللاتيني المقيم في عكا إلى القدس مع كهنته ورهبانه، ويعتقد أن الفرنسيسيين رافقوه في هذه العودة من غير أن تكون لهم صلاحيات معينة في إدارة شؤون البلاد الدينية أو في الأماكن المقدسة، بل عبارة عن حضور رهباني تحت إشراف بطريرك القدس، أسوةً بغيرهم من رجال الدين. وبانتهاء الهدنة عام 1240، دخل المسلمون المدينة وأخلاها الصليبيون إلى عكا، "ولكن الفرنسيسيين مكثوا في المدينة حباً بالأماكن المقدسة"(5)·
أقام الفرنسيسيون في القدس على فترات متقطعه ما بين عام 1240 وسقوط عكا عام 1291، والدليل على ذلك أنّ سجلات الرهبان تذكر بعض شهدائهم في تلك الحقبة من الزمن· وسُمي هذا الإقليم الفرنسيسي بإرسالية سوريا أو حراسة الأراضي المقدسة· ثم جرى عام 1263 في عهد القديس بونفنتورا في مجمع الرهبنة المنعقد في بيزا، ضمّ مساحات إلى هذا الإقليم ليشمل المناطق الصليبية في سوريا ولبنان وفلسطين وقبرص· وقُسّم الإقليم إلى حراسات "Custodia" هي: عكا وأنطاكيا وصيدا وصور وطرابلس والقدس ويافا· وبسقوط عكا عام 1291 انسحب الفرنسيسيون إلى قبرص·
وبعد سقوط عكا أصبح منصب بطريرك القدس فخرياً يُمْنَح لبعض الشخصيات الكنسية المقيمة في الغرب، وعهد الكرسي الرسولي للرهبان الفرنسيسيين العناية بالأقلية الباقية من اللاتين في فلسطين بجانب إشرافهم على الأماكن المقدسة التي استملكوها بالمال· فقد حرص البابا يوحنا الثاني والعشرون على استمرارية صلات الرهبان بالأراضي المقدسة· وأوصى في التاسع من نيسان عام 1328 بأن يبعث الرئيس الفرنسيسي الإقليمي المقيم في قبرص اثنين من رهبانه سنوياً إلى فلسطين(6)·
ظهرت في الغرب المسيحي إذْ ذاك سياسة جديدة للتعامل مع الشرق بعيدة عن قرقعة السلاح، "فكتب عــام 1271 الدومينيكي وليم الطرابلسي (William Of Tripoli) إحــدى المــؤلفــات الضـليعـة فـي العـصــور الوسـطى عن المسلمين بعنوان "Tractatus de statu saracenorum" يبيّن فيها المواضيع التي يلتقي فيها الإسلام والمسيحية، ويدافع عن جدوى عمل المُرْسَلين لا العسكر في استعادة الأماكن المقدسة"(7)· "فبعد أن تأكّد المسيحيون الأوروبيون أنّ لغة السلاح غيرفاعلة في استعادة الأماكن المقدسة، استبدل الغرب المسيحي سياسة الحرب بسياسة المال، وصمّم علـى شراء الأماكن المقدسة بالذهب"(8)· فقد تبرع ملك نابولي روجيه دي انجو (Roger d'Anjou) وزوجه الملكة سانشا دي ماجورك (Sanche de Majorque) بالمال اللازم لهذه الغاية· وفاوض الملكَ الناصرَ نيابة عن الملك روجيه دي انجو الراهبُ الفرنسيسي روجيروس چاريني (Rogerus Garini)· وحسب كولان (Collin) أنّ الاتفاقية التي عقدت بين الملكين لم تكن اتفاقية بين شخصين عاديين، بل معاهدة حقيقية بين زعيمين ودولتين لصالح الكرسي الرسولي الذي يمثله الفرنسيسيون في الأماكن المقدسة(9)· وصدرت في هذه المناسبة سنة 1342 براءتان بابويتان: الأولى "Gratias Agimus" والثانية "Nuper Carissimae"(10)، حول مكانة الآباء الفرنسيسيين في الأماكن المقدسة وجهود ملك نابولي وزوجه ودورهما في تثبيت حقوق الكنيسة الكاثوليكية في الأماكن المقدسة· ويَعُدّ الفرنسيسيون هاتين البراءتين وثيقةً تأسيسيةً لحراسة الأراضي المقدسة(11)·
تمّ شــراء بعـض الأمـاكـن المقدسة من بيت مال المسلمين(12)· ويحتفظ الفرنسيسيون بوثائق شراء هذه الأماكن في أرشيف حراسة الأراضي المقدسة في دير المُخـلّص بالـقدس· وقـد حـقّـق جـولـوبـوفيــش هـذه الوثــائـق ونــشرهـا فـي كـتـابه: "Serie Cronologica dei Reverendissimi Superiori di Terra Santa" على شكل ملحق بعنوان "Firmani e documenti arabi inediti وعدد هذه الوثائق اثنتا عشرة وثيقة حُرّرت سنة 1309م (709 هـ) - 1357م (758 هـ)(13)·
ويشهد مؤرخون معاصرون لتلك الأحداث المذكورة آنفاً باستملاك الرهبان بعض الأماكن المقدسة، ومنهم الرحّالة لودلفو دي سودهايم (Ludolfo di Sudheim) الذي زار فلسطين عام 1336، وجاء في مذكراته: "في هذا الدير (دير صهيون) يعيش الإخوة الحُفاة (الإخوة الأصاغر)· وفي زمن زيارتي للبلاد (1336) قدّمت الملكة سانشا زوج الملك روجيه كل ما يلزم للدير· ويقيم الرهبان في كل الأوقات القداس علناً وبتقوى فائقة، ويدفنون موتاهم دون دفع أتاوة للحكام· وهؤلاء الرهبان رجال أقوياء وقادرون، يحمدهم التجار والمسلمون على حد سواء لما يصنعون من خير")14)
وهكذا بانت تدريجاً ملامح نظام حراسة الأراضي المقدسة، فحارس "Guardiano" دير جبل صهيون هو الرئيس الأعلى للفرنسيسيين في فلسطين، ويتبع للرئيس الإقليمي المقيم في قبرص· وفيما بعد حصل حارس جبل صهيون على مزيد من الاستقلال بأن استقلّ عن الرئيس الإقليمي المقيم في قبرص، وارتبط برئيس الرهبنة العام، وأكّد ذلك مجمع الرهبنة العام المُنْعَقِد في لوزان عام 1414 · وفي عام 1526 أُلحِقَ بحارس جبل صهيون صلاحيات الرئـيس الإقلـيمي· وتدريجاً لـم يـعـد يـسمى "Guardiano" بــل "Custode"(15)·
أما مجالات عمل الرهبان في القرن الخامس عشر والسادس عشر فتتلخص بما يلي:
- إرشاد الحجاج واستقبالهم·
- العمل على التقارب المسيحي الشرقي - الغربي، وثمرة هذا التقارب لاحت في مجمع فلورنسا (1431 - 1443)·
- تقديم الخدمات الروحية للتجار الأوروبيين وإقامة الصلاة لهم·
- حراسة الأماكن المقدسة وصيانتها وإقامة الصلاة فيها باسم العالم الكاثوليكي كافة، وهذه رسالة الرهبان الروحية الكبرى والرئيسة·
وبجانب صلاحيات حارس الأراضي المقدسة كمندوب بابوي ورئيس الإرسالية الكاثوليكية، فقد أُنِيطَت به بعض المهام والصلاحيات >شبه الأسقفية<(16)· وتوسعت من جديد رقعة حراسة الأراضي المقدسة لتشمل سوريا ومصر والحبشة وآسيا الصغرى وأرمينيا واليونان· وفي غضون ستة قرون لم ينقطع توافد الرهبان على حراسة الأراضي المقدسة من سائر أقاليم الرهبنة الفرنسيسية· ومجال بحثنا ليس تاريخ حراسة الأراضي المقدسة بصفة عامة ، بل في فلسطين· وسنقتصر على عرض دور الرهبان وعملهم بين المسيحيين المحليين والخدمات التي قدموها للمجتمع المحلي من خلال الرعايا التي نشأت حول أديارهم، كالمدارس والمستوصفات والمطابع والمياتم·
في منتصف القرن التاسع عشر عمل البابا بيوس التاسع على إحياء البطريركية اللاتينية، فقامت البطريركية في فلسطين بجانب حراسة الأراضي المقدسة، لا لتسلبها دورها الذي عهدت به إليها الكنيسة منذ القرن الرابع عشر، بل لتؤازر الرهبان في تحقيق رسالتهم والقيام بالمسؤولية المشتركة كلّ من موقعه·

horizontal rule


1 - نظرة عامة إلى حراسة الأراضي المقدسة في القرن التاسع عشر:
قد تكون صورة حراسة الأراضي المقدسة في القرن التاسع عشرمبهمة بالنسبة للإنسان المعاصر، ولكن تنجلي الأفكار والتساؤلات إذا أدرك الجذور التاريخية لنشأة الحراسة· وأهم العوامل التي أدّت إلى تكوينها وإضفاء طابع مميز عليها ما يلي:
- تكوّنت حراسة الأماكن المقدسة بعد الحروب الصليبية، في جو ساده العِداء بين الشرق المسلم والغرب المسيحي·
- لا جدوى لقيام حروب صليبية جديدة لتحرير الأماكن المقدسة، فتوجّه الرهبان لتحقيق وجودهم ومآربهم بالمال والسياسة، فتمّ شراء الأماكن المقدسة، وبهما تمّ الحفاظ عليها· فاستنجد الرهبان بالممالك المسيحية لجمع ما يلزمهم من أموال، والتوسّط لدى حكام فلسطين للحفاظ على حقوقهم ومكتسباتهم·
- العصر الذي تشكّلت فيه حراسة الأراضي المقدسة وغيرها من الكنائس لم يكن عصر الوحدة المسكونية المسيحية، ولم يجر التنسيق بين الطوائف والكنائس المسيحية في سبيل عمل مشترك بل ساد بينها التنافر، وغدت الدولة حَـكماً في فضّ اشتباكات الطوائف حول الأماكن المقدسة: "فقد وقف العثمانيون حَـكماً بين اليهود والمسيحيين وبين الأرثوذكس والكاثوليك وبين الروم واللاتين"(17)· وكان المستفيد مالياً من هذه النزاعات حول الأماكن المقدسة سلاطين الدول الحاكمة في الصفقات الكبيرة، وصغار الحكام والولاة في الصفقات الصغيرة المتكررة· فلا بدّ لحراسة الأراضي المقدسة من الالتجاء إلى الدول المسيحية الكبرى خاصة فرنسا، لتمويل هذه الصفقات وللضغط على الباب العالي لتأكيد حقوق الرهبان· ولعل حرب القرم في منتصف القرن الماضي خير دليل على ذلك·
- في عصر ما قبل الحركة المسكونية المسيحية لم تتورع الطوائف المسيحية على اختلاف فئاتها، من اكتساب الأتباع من الطوائف الأخرى· وكان للإغراءات المالية والمضايقات دور كبير في انتقال المؤمنين من طائفة إلى أخرى، وتمّ هذا الانتقال أحياناً سعياً وراء الحماية التي تمتعت بها تلك الطائفة من قبل دولة أجنبية ضمن نظامي الملل والامتيازات، وخصوصاً عندما ضعفت السلطنة العثمانية وفقدت هيبتها أمام القوى العظمى·
- قامت الكنيسة بدور الدولة في تأمين بعض الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، إذ تخلّت الدولة كلياً أو جزئياً عن واجبها في هذه المجالات·
وقد أدّت هذه العوامل مجتمعةً وأخرى غيرها إلى تكوين الصورة التالية لحراسة الأراضي المقدسة: فقد امتدت صلاحيات الحارس الروحية على سائر الكاثوليك المقيمين في فلسطين، ما عدا الروم الكاثوليك في الجليل التابعين لأسقفية صور، وكان للحارس امتياز خاص برفع راية الحراسة فوق مبانيها ومراكزها· ومن ناحية التنظيم الداخلي فقد كان الحارس إيطالياً ونائبه فرنسياً ووكيل المالية ونائبه إسبانيين· ويتكون مجلس الحراسة من أربعة أعضاء من أربع جنسيات مختلفة، إيطالي وإسباني وفرنسي وألماني، "إن الحراسة كما ترون عالمية في تركيبها ومتعددة الجنسيات ولكن تظل الصفة الإيطالية غالبة عليها"(18)· ويقيم حارس الأراضي المقدسة في دير المخلص في القدس منذ عام 1559، وقد اشتراه الرهبان من الجورجيين بعدما أخلى الفرنسيسيون دير جبل صهيون عام 1551·
أمّا تنظيم الحراسة الخارجي فهو انعكاس لمهمة الرهبان في الأماكن المقدسة، ولذا انقسموا إلى فئتين: الفئة الأولى تتولى السهر على الأماكن المقدسة وصيانتها وإقامة الشعائر الدينية فيها، والفئة الثانية تتألف من الفرنسيسيين المُرسلين، وتتولى الدعوة إلى الكثلكة والعناية بالمسيحيين الكاثوليكيين(19)·
وعدد الرهبان حسب باتريم (Patrem) عام 1879 نحو 300 راهب، منهم مئة كاهن ومئة راهب يعملون في الشؤون الراعوية· ويقيم أغلبية الرهبان في فلسطين، وقلة في مصر وسوريا وأرمينيا· وعدد الرهبان الذين خدموا في البلاد المقدسة بين عامي 1862 - 1889، 531 راهباً· إذْ إن بعض الرهبان قضى سنة أو سنتين في فلسطين ثم عاد إلى بلاده، وارتبط آخرون نهائياً بالحراسة· وعدد الرهبان الذين عادوا إلى بلادهم الأصلية في الفترة المذكورة آنفاً بلغ 223 راهباً، وعدد المتوفين 233 راهباً(20)· وتفيد إحصائية أخرى عام 1889 أنّ عدد الرهبان 414 راهباً(21)، وعام 1898 بلغ عددهم 483 راهباً(22)·
كان تجمع الرهبان حول الأماكن المقدسة الرئيسة: القدس وبيت لحم والناصرة، وحول هذه الأماكن نشأت الأديار والمدارس والمياتم والمستوصفات والمراكز الحرفية· ولكل دير رئيس ويعمل معه عدد من الرهبان يشكّلون معاً وحدة ديرية متكاملة مُنَظّمة، تتبع حارس الأراضي المقدسة المقيم في دير المخلص بالقدس·
ومنذ قرون مضت وحتى منتصف القرن التاسع عشر، عندما أعيد تأسيس البطريركية اللاتينية وأقيمت الأسقفية الأنكليكانية والمدارس الأرثوذكسية، كانت أديار الرهبان بما يتبعها من مرافق المراكز الأكثر فاعلية، إن لم تكن الوحيدة في بعض الحقب التاريخية· وفيما يلي أهم أوجه العمل الرهباني الفرنسيسي في فلسطين·

horizontal rule

2 - الأديـار الـفــرنســيســـيــة:
إنّ الأديار هي بيوت الرهبان وقلاياتهم التي قامت حول الأماكن المقدسة ومنها مارس الرهبان حراسة الأماكن المقدسة وخدمتها، وفيها استُضيفَ الحجاج وفُتِحَت المدارس والمستوصفات· وأهم الأديار في فلسطين حسب تصنيف جولوبوفيش عام 1898 ما يلي(23).
أ - دير جبل صهيون:
سكن الفرنسيسيون حسب رواياتهم التقليدية دير جبل صهيون في عصر مار فرنسيس عام 1219· ولكن من المؤكّد تاريخياً أنّ الدير غدا ملكية الرهبان بين عامي 1333 - 1336· وأخلى الرهبان ديرهم على مرحلتين في عامي 1523 و1551· وتشترك اليوم الأديان السماوية الثلاثة في ملكية جبل صهيون: فللمسيحيين دير للرهبان البندكتيين وآخر للفرنسيسيين، ولليهود كنيس، أما علية جبل صهيون فقد حُوّلَت إلى جامع تُمنَع الصلاة فيه على أتباع الديانات الثلاث ويُسمح بزيارته فقط· ويشعر الرهبان بالمرارة والأسى لفقدانهم علية صهيون وديرهم الأول : "إنّ الاحتجاج الوحيد على الظلم الذي ألمّ بنا في القرون الماضية هو الدموع والصلوات وتوسلات أبناء مار فرنسيس الفقراء، الذين لم ينقطعوا عن طرق باب العدالة البشرية والالهية، كي يعاد لهم يوماً ما كنزهم المقدس، الا وهو علية صهيون والدير"(24)·
ب - دير المخلّص:
اشترى الرهبان دير المخلّص من الرهبان الجورجيين عام 1559 · وهو أكبر أديار الفرنسيسيين وأهمها وفيه يقيم الحارس· وقد بُنِيَت الكنيسة الراعوية في حرمه بين عامي 1882 - 1885 · وفي الدير كذلك مدرسة وميتم ومطبعة وأرشيف ومعامل مهنية ومكتبة·
جـ - دير القبر المقدس (دير كنيسة القيامة):
ويقع هذا الدير في حرم كنيسة القيامة وسكنه الرهبان منذ عام 1240، وأما استملاكه فيعود إلى منتصف القرن الرابع عشر·
د - دير القديسة كاترينا:
يقع هذا الدير في بيت لحم بجوار كنيسة المهد، واستقر فيه الرهبان في القرن الثالث عشر·
هـ - دير البشارة:
من غير المؤكّد تاريخ استقرار الرهبان في الناصرة لضياع الوثائق القديمة، ويؤكّد الرحالة وجود الرهبان في دير الناصرة في نهاية القرن الرابع عشر· وكان على الرهبان هجر ديرهم عدة مرات منها عام 1548؛ "أُجبِر الرهبان على هجر ديرهم مجدداً عام 1548 وعهدوا لأحد المسيحيين الأتقياء، واسمه عيسى، بحراسة الدير وكنيسة البشارة وعُهِدَ إليـه بالمفتاح، على أن يحـافـظ علـى قنـديلـين مضـاءيـن فـي معبـد البشارة على نفقـة حـارس جبـل صـهيون· وفي عـام 1620 حصـل الحارس تومازو دا نافونا (Tomaso da Navona) من الأمير فخر الدين على إذن بإعادة ترميم الدير والكنيسة"(25) وأعيد بناء الكنيسة عام 1730·
وغير هذه الأديار الخمسة الشهيرة هناك اثنا عشر ديراً يماثل تاريخها تاريخ الأديار الخمسة الكبرى، وقد استملك الرهبان بعضها في فترة متأخرة وهي:
1 - دير جلد المسيح في القدس·
2 - دير القديس يوحنا في عين كارم·
3 - دير زيارة القديسة مريم العذراء في عين كارم·
4 - دير القديسة كلوبا في عمواس·
5 - دير القديس نيقوذيموس في الرملة·
6 - دير القديس بطرس في يافا·
7 - دير تجلي يسوع المسيح على جبل طابور قرب الناصرة·
8 - دير قانا الجليل·
9 - دير القديس بطرس في طبريا·
-10 دير كفرناحوم·
11 - دير الوردية في حيفا·
-12دير القديس القديس فرنسيس في عكا·
وهناك العديد من المعابد والمزارات والأديار يقيم فيها الرهبان الصلاة في مناسبات دينية خاصة ولا يسكنون فيها·

horizontal rule


3 - الـرعـايــا الـفــرنســيســـيـة:
ينقسم تاريخ حراسة الأراضي المقدسة إلى أربعة عصور(26):
العصر الأول: العصر الصليبي، بين سنة 1219 حتى سقوط عكا بيد المماليك سنة 1291·
العصر الثاني: العصر العربي، ويمتد بين سقوط عكا بيد المماليك إلى سقوط القدس بيد الأتراك 1291 - 1516·
العصر الثالث: العصر التركي، ويمتد من سقوط القدس بيد الأتراك إلى سقوطها بيد الإنكليز في الحرب العالمية الأولى 1516 - 1917·
العصر الرابع: العصر الحديث، يبدأ بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1917 وحتى يومنا هذا·
انحصر عمل الفرنسيسيين في العصر الأول في رعاية الحجاج وخدمة الصليبيين الدينية· وفي العصر الثاني مثّل الفرنسيسيون الكنيسة الكاثوليكية في فلسطين· وفي العصر الثالث تعاظمت أهمية الحراسة، إذْ منح الكرسي الرسولي حارس الأراضي المقدسة مسؤولية رئيس الإرسالية الكاثوليكية ومارس سلطات شبه أسقفية· فتكوّنت الرعايا في نهاية الحِقْبة الثانية وفي الحِقْبة الثالثة بفضل جهود الرهبان الراعوية، "إن جميع اللاتين المحليين المقيمين حالياً في بيت لحم والقدس وعين كارم ويافا والرملة، وفي ثلاثين موقعاً آخر، موزعة في سوريا وقبرص وفلسطين ومصر، قد اعتنقوا الكثلكة هم أو أجدادهم على يد الرهبان الفرنسيسيين"(27)·
ويشرح مؤرخ فرنسيسي كيفية تكوّن الطوائف الفرنسيسية(28): ففي الفترة الواقعة بين مجمعي ليون 1274 وفلورنسا 1439 حصلت حركات عودة جماعية إلى الكثلكة في بعض الكنائس الشرقية· في هذه الفترة لم يُمارس الرهبان أعمالاً راعويةً لأن مثل هذه الأعمال كانت من مسؤولية الكهنة والأساقفة الشرقيين المتحدين بروما· وبعد مجمع فلورنسا وإخفاق مساعي الوحدة، ظلت جماعات من المؤمنين على اتحادها بروما، ولكن هذه الجماعات لم يكن لها أساقفة وكهنة من طقسها الشرقي لرعايتها· فأخذ الفرنسيسيون على عاتقهم هذا الأمر، والذي شجعهم على هذه الخطوة التسامح الذي نَعِمَ به المسيحيون في ظل النظام التركي الجديد، مقارنةً بالحكم العربي (المملوكي)(29)، مما أدّى إلى زيادة النشاط الفرنسيسي· فتذكر السجلات الفرنسيسية عدة حالات إهتداء إلى الكثلكة، جماعية وفردية بين عامي 1555 - 1622· وأهم هذه السجلات سجلان: الأول سجل المهتدين إلى الكثلكة، والثاني سجل المهتدين والمتصالحين مع الكنيسة الكاثوليكية، ويشير السجل الأول إلى أول اهتداء تمّ في القدس عام 5551 وعام 1562 بعودة الجماعة النسطورية في القدس إلى الاتحاد بروما· في عام 1622 أُسِّسَ مجمع نشر الإيمان للتنسيق بين المرْسَلين الكاثوليكيين في العالم· فوجد هذا المجمع نفسه أمام الأمر الواقع، بأنّ هناك رعايا حقيقية في حراسة الأراضي المقدسة بإشراف الآباء الفرنسيسيين· ولما حاول بعض المرسلين غير الفرنسيسيين العمل في مناطق الرعايا الفرنسيسية، احتجّ الفرنسيسيون استناداً إلى أنّ السلطات والحقوق الراعوية هي امتيازٌ فرنسيسي· مما حدا بالطرفين إلى رفع القضية إلى مجمع نشر الإيمان عام 1628 الذي قرر: "إنّّ للفرنسيسيين حقوقاً مكتسبةً في الرعايا التي يوجدون فيها، ويُمنع على غيرهم من المرْسَلين توزيع الأسرار المقدسة من الناحية الراعوية على المؤمنين، أو ممارسة واجبات راعوية في تلك المناطق"(30)· ولذا يُعَد عام 1628 تاريخ تأسيس الرعايا الفرنسيسية في فلسطين من الوجهة القانونية(31)· ومنذ ذلك التاريخ ازداد النشاط الفرنسيسي الراعوي للأسباب التالية(32):
- لا يرضى مجمع نشر الإيمان للرهبان الفرنسيسيين قضاء وقتهم كسالى دون عمل راعوي·
- أبدى العديد من الرهبان من جمعيات أخرى الرغبة في العمل في فلسطين· فلاح خطر استبدال الفرنسيسيين بغيرهم من الرهبان الأكثر نشاطاً وإمكانات· وتجاه هذا الخطر، قررت الرئاسة الفرنسيسية اتخاذ خطوات عملية لتقوية حراسة الأراضي المقدسة وتزويدها بالرهبان المؤهلين، ففُتِحت ثلاث كليات لتعليم اللغة العربية· وفي اجتماع الرهبنة العام سنة 1633 أُدرِجَ تعليم اللغة العربية وتاريخ الكنائس الشرقية في أربع من كلياتها· وفي القرن السابع عشر، افتتحت الحراسة مثل هذه الكليات في بيت لحم وحلب ودمشق والرملة، وآخر هذه الكليات التي تُدرّسُ العربية للرهبان كلية القديسين بطرس وبولس في حريصا منذ عام 1835·
تابعت الحركة الراعوية الفرنسيسية مسيرتها في العصر العثماني وبلغت أوجها في القرن التاسع عشر، "ففي عام 1694 أحاطت حراسة الأراضي المقدسة مجمع نشر الإيمان علماً بأن عدد اللاتين في بيت لحم 385 نفساً، وفي غضون 18 سنة اهتدى إلى الكثلكة 270 شخصاً· والتقرير عينه يشير إلى أن هناك اهتداءات عديدة في بيت جالا وبيت ساحور· وفي عام 1674 استقّر الفرنسيسيون في قرية عين كارم، وسألتْ أربع عائلات من بيت لحم وبيت جالا أن تسكن عين كارم، فَكُنّ نواة رعية مزدهرة وحيوية· وفي عام 1758 انضمّت الرعية الأرثوذكسية في عكا إلى الكنيسة الكاثوليكية بعد سنوات من الاتصال بالرهبان الفرنسيسيين وتلقي مساعداتهم، وتكوّنت هناك رعية مستقلة· وفي عام 1791 عاد في الناصرة 220 أرثوذكسياً إلى الكثلكة ··· ويشير تقرير الحراسة الذي رُفِعَ إلى مجمع نشر الإيمان للسنوات 1717 - 1719، إلى أنّ عدد اللاتين بلغ 1112 مؤمناً· وبلغ عدد المؤمنين بعد قرن من التاريخ المذكور آنفاً 3905 أشخاص· أما إحصاءات عام 1868 فتشير إلى أنّ العدد وصل إلى 5038 مؤمناً" (33)·
وآخر الإحصاءات في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تشير إلى نموٍ سريع ٍ في الرعايا الفرنسيسية كما هو مدرج في الجدول التالي:

احصائية عام 1909 ( 35)

احصائية عام 1889(34)

البلد

3491

2020

القدس

5172

3564

بيت لحم

-

177

عين كارم

115

75

الرملة

1000

621

يافا

1279

1206

الناصرة

69

126

قانا الجليل

130

18

طبريا

10

132

عكا

48

-

مجيدل

11335

7939

المجموع

horizontal rule


4 - الحســنات العـيـنـيـة والمــاديــة:
لا تزال فلسطين تعاني حتى يومنا هذا مشكلة السكن، خصوصاً في القدس القديمة داخل الأسوار· وتقوم حراسة الأراضي المقدسة بتأمين البيوت والشقق للعائلات الجديدة والفقيرة· وقد بلغت مشاريع تأجير البيوت للرعية الفرنسيسية مجاناً أو بسعر رمزي أوجها في القرن التاسع عشر· وفي حالة عدم توفر البيوت تقوم الحراسة باستئجارها وتوزيعها على المؤمنين، أو دفع جزء من قيمة الإيجار للمالكين· وهدف الحراسة من ذلك تجميع أكبر عدد ممكن من المؤمنين حول الأماكن المقدسة· "نظراً للظروف السائدة في الأراضي المقدسة، فإنّ حراسـة الأراضـي المقدسة تسعى إلى تحقيق هدف ديني بأن تحافظ وتدعم الوجود المسيحي حول الأماكن المقدسة، وهذا الوجود يشكل الكنيسة الحية في بلاد السيد المسيح"(36)· فتوزيع البيوت على أبناء الطائفة ليس صفقة تجارية مربحة للحراسة بل عمل إنساني وكنسي في آن واحد: "إنّ مشروع الإسكان الراعوي بتوزيع البيوت مجاناً أو بأجر رمزي يتمم العمل الكنسي الديني المتّبع في حراسة الأراضي المقدسة· ويهدف هذا المشروع الراعوي إلى المحافظة على الرعية الكاثوليكية الصغيرة"(37)· وقد استفاد من هذه المشاريع معظم أبناء الرعية: "معظم الكاثوليك في القدس يسكنون بيوتاً على نفقة الحراسة ··· وبلغت نفقات هذه البيوت بالإضافة إلى ما يوزع من مواد غذائية وملابس، 57 ألف فرنك عام 1857"(38)· وبلغ عدد البيوت المؤجرة عام 1890، 388 بيتاً تسكنها 402 عائلة عدد أعضائها 1930 فرداً (39)·
لم يحل مشروع توزيع البيوت الرخيصة على المقدسيين مشاكلهم المعقدة الكثيرة· فاضطرت حراسة الأراضي المقدسة إلى دفع الضرائب المستحقة عليهم للحكومة العثمانية(40)، ووفرت لهم الخبز أيضاً: "إنّ عائلات كاثوليكية عديدة تعيش على نفقة حراسة الأراضي المقدسة· ففي القدس مثلاً، يتمّ توزيع الفي كيلو غرام خبزاً اسبوعياً، وهناك جمعيات خيرية عديدة تنال حظها من هذا التوزيع الأسبوعي"(41)·
فقد اقتطعت المساعدات للفقراء والمؤسّسات الخيرية على شكل هبات نقدية وعينية وإيجارات بيوت، جزءاً كبيراً من ميزانية حراسة الأراضي المقدسة التي بلغت عام 1857 "1170797" قرشاً تركياً، منها "252943" معونات للفقراء و "32530" إيجارات بيوت، وذلك حسب تقرير قدمته حراسة الأراضي المقدسة إلى الوكالة العامة لحراسة الأراضي المقدسة في باريس (42)· ومصدر تمويل الحراسة هو وكالاتها المنتشرة في باريس وغيرها من الدول والمدن الأوروبية والأمريكية، وما يقدمه الحجاج مباشرة في المعابد والمزارات الفلسطينية وما تدره الأملاك المؤجرة والوقفيات من دخل·

horizontal rule


5 - المـدارس والمـيـاتم:
يرد ذكر أول مدرسة أنشأها الآباء الفرنسيسيون في بيت لحم في مذكرات الرحالة يوهانس كوتفيك (Iohannes Cotwyck) الذي حجّ إلى القدس عام 1598، فوجد "مدرسة للأطفال في بيت لحم في دير الرهبان الأصاغر، وهي مدرسة موجودة من قبل· ويتبع مسيحيو بيت لحم الطقس اليوناني وأقلية منهم يتبعون الطقس اللاتيني· ولكنهم جميعاً يتقنون اللغة الإيطالية التي يسمونها لغة الإفرنج ويتعلمونها وهم صغار· ويقوم كبارهم بدور التراجمة للرهبان الأصاغر والحجاج الغربيين، ولهذا يهتمون بتعليم أبنائهم اللغة الايطالية على يد الرهبان ليشرفوا على اشغال الدير· وهم حسب شهادة الرهبان يقومون بهذين العملين حتى الآن، دراسة اللغة واشغال الدير بنشاط وأمانة"(43)· ويستنتج انشيللي (Incelli) من هذا النص وغيره أنّ هذه المدرسة البسيطة الصغيرة في بيت لحم قد وُجدت في مطلع القرن السادس عشر، أو ربما في أواخر القرن الخامس عشر(44)· وجاء في مجمع الرهبنة الفرنسيسية المنعقد في طليطلة عام 1645 : "يُقرر أنّ أبناء التراجمة وغيرهم من الذين يخدمون الأديار في القدس وبيت لحم والناصرة أنّ يُعلّمُوا ويُربوا في الدين المسيحي إلى أن يبلغوا التاسعة من عمرهم، ثم يُعادوا إلى أهلهم - ويضيف المجمع - وليُعْطَوا وجبة الغذاء لتغذيتهم، أما في المساء فليذهبوا إلى بيوتهم لطعام العشاء"(45)·
لهذا ظهرت المدارس الفرنسيسية تلبيةً لحاجة عملية، وهي تزويد حراسة الأراضي المقدسة بعدد وافرٍ من المسيحيين يُتقنون لغة أجنبية للعمل في الأديار ولخدمة الحجاج كمترجمين· وفي القرن السابع عشر، انفقت حراسة الأراضي المقدسة على عشرين مدرسة كما جاء في تقرير حارس الأراضي المقدسة فرانشيسكو دا سان فلورو (Francesco da San Floro) عام 1699· وقامت هذه المدارس حول الأديار ومجموع طلابها 188 طالباً، وكان نصيب فلسطين ست مدارس، والبقية في سوريا وقبرص ومصر وإسطنبول· "فقد جرت العادة على فتح مدرسة في كل دير على أمل أن تكون هذه المدارس - عاجلاًَ أم آجلا-ً مصدر خير وعلم"(46)· وعمّا تُعلّمه هذه المدارس، كتب الأب برناردينو سوريو (Bernardino Surio) الذي عاش في فلسطين بين عامي 1644 - 1647: "يُعلم رهبانُنا الأولاد الإيمان الكاثوليكي والعلوم، فيخلف الأولاد آباءَهم كمترجمين، وفي ذلك فائدة لخيرهم الروحي والجسدي"(47)· أما في مدرسة القدس، فقد ذكر آخر أنّ برنامج التعليم يشمل الترنيم الكنسي والموسيقي واللغة الإيطالية واللاتينية والتعليم المسيحي"(48)·
في القرن الثامن عشر لم تتطور المدارس، بل تدنى عدد طلابها أحياناً بسبب الأحوال العامة المضطربة وانتشار الطاعون الذي حدا بالرهبان إلى إغلاق المدارس خوفاً من انتشار العدوى، وعدم توفير المدرسة فرصاً ومجالات للعمل إلاّ مهنة الترجمة الضيقة الأفق المحدودة، فلم تُؤهل المدرسة خريجيها لمهنة يكسبون بها عيشهم، ورأوا فيها فائدة دينية وأدبية فقط(49)· فعدد المدارس في القرن الثامن عشر تراوح بين 7 - 10 مدارس في فلسطين وسوريا ومصر، وعدد طلابها بين 168 - 354 طالباً(50)·
نَعِمَت حراسة الأراضي المقدسة منذ منتصف القرن التاسع عشر بفترة ازدهار وسلام، فشرعت بترميم أديارها ومدارسها وتحسين مستوى التعليم، وتحويل المدارس من مدارس خاصة إلى عامة وفتحها لكافة فئات المواطنين· وحتى عام 1841 اقتصرت المدارس على الذكور، فافتُتِحَت أول مدرسة للإناث في القدس ثم في الناصرة وبيت لحم· وعيّن الرئيس العام للرهبنة الفرنسيسية مفتشاً عاماً للمدارس، واجبه العمل على ازدهار المدارس وتنظيمها وزيادة عددها·
في عام 1846 أوصى البابا بيوس التاسع: "بأن يحافظ على وجود المدارس المتوفرة في حراسة الأراضي المقدسة بكل الوسائل المتاحة وأن تزوّد كل رعية كبيرة بمدرسة للبنين وأخرى للبنات"(51)· وجرى تعاون مثمر بين الحراسة والبطريركية اللاتينية في مجال التربية والتعليم، فَعُهِدَ عام 1848 إلى راهبات مار يوسف بالإشراف على مدارس البنات في القدس ويافا وبيت لحم· ورحّّب الآباء الفرنسيسيون بإخوة المدارس المسيحية، وعدّوا مدرستهم مدرسة راعوية لأبناء طائفة القدس، وساهموا في نفقات المدرسة· وفي عام 1871 انضمّت فرنسيسيات قلب مريم الطاهر للعمل في مدارس الإناث في فلسطين· وفي الإحصاءات الفرنسيسية الرسمية جاء أنّ عدد المدارس بلغ في عام 1895 - 1896 54 مدرسة في كافة أنحاء الحراسة، منها 36 للذكور، 18 للإناث، ومجموع طلابها 4224 طالباً، وعدد المعلمين 60 معلماً(52)·
جرت العادة في حراسة الأراضي المقدسة أن يتقصى الرهبان عن الأيتام في رعاياهم، ويعهدوا بتربيتهم إلى عائلات ميسورة يترعرعون في كنفها على نفقة الحراسة، التي تقدم للعائلة كل ما يلزم لمعيشة اليتيم· وتراوح عدد الأيتام الذين ترعاهم الحراسة بين 250 - 300 يتيم سنوياً (53)· وقد أتاح مجيء الجمعيات الرهبانية النسائية إلى فلسطين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تجميع الأيتام في مياتم خاصة تديرها الراهبات، ففي عام 1889، رعى الفرنسيسيون ميتمين، أحدهما للأولاد وعدد نزلائه ستة وأربعون نزيلاً، وآخر للبنات وعدد نزيلاته أربعون نزيلة(54)· وبعد أن ينُهي الأيتام المرحلة الابتدائية، يتوجهون إلى تعلّم إحدى الحرف في معامل حراسة الأراضي المقدسة·

horizontal rule


6 - الحرف الـيــدويـــة:
في عام 1700 أدخل الرهبان إلى دير المخلّص معامل لعدة حرف يدوية بهدف تأمين عمل ودخل للعائلات المحتاجة وتحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي للأديار الفرنسيسية· وقامت هذه المعامل الحرفية بدور المدارس المهنية، ففي عام 1879 تدرب فيها خمسون عاملاً في حرف النجارة والحدادة والطباعة والتجليد(55)· ويذكر جولوبوفيش في نهاية القرن الماضي، أن عدد المتدربين بلغ 150 عاملاً في الحرف المذكورة وغيرها(56)· وفي القرن السادس عشر أدخل الفرنسيسيون صناعة الخشب والخزف إلى بيت لحم، ووصلت هذه الصناعة أوجها في القرن السابع عشر في عصر الرئيس الفرنسيسي لدير بيت لحم برناردينو اميشي (Bernardino Amici) (57). وتُعد الصناعات اليدوية الخشبية والخزفية من المرافق الاقتصادية المهمة في بيت لحم، إذ يُقبِل الحجاج على شرائها عند زيارتهم بيت لحم والأماكن المقدسة الأخرى·

horizontal rule


7 - المــطبــعــة:
لم تأذن الأستانة للإخوة الأصاغر بإنشاء مطبعة في القدس حتى منتصف القرن التاسع عشر· ولم يكن هذا الحظر سارياً على الرهبان وحدهم بل على الجميع· وشهدت فترة الحكم المصري في فلسطين نوعاً من الحرية والانفتاح، فأنشأ على أثرها الأرمن مطبعة عام 1833، واليهود عام 1841، وتبعهم الإخوة الأصاغرعام 1846 · وتبرع بتكاليف المطبعة إمبراطور النمسا فرنسوا جوزيف الأول(58)· وقد زوّدت المطبعة بأحرف عربية ولاتينية· وكان أول انتاجها في 27/1/1847، إذْ طُبِعَ ألف نسخة من الأحرف الأبجدية العربية وَوُزِعت على طلاب المدارس· وطُبع أول كتاب للتعليم المسيحي بالعربية ألفه الكردينال روبرتو بيلرمينو (Roberto Belarmino)، وعنوانه، >التعليم المسيحي< (59) وطبع منه 1500 نسخة، وعدد صفحاته 87 صفحة، وتمت طباعته في آب 1847(60)·
تنوعت مطبوعات المطبعة فشملت: دراسات الكتاب المقدس واللاهوت والفلسفة واللاهوت الدفاعي والليتورجيا والتاريخ والجغرافيا واللغات الشرقية والغربية والفن والرياضيات(61)· وبلغ عدد الكتب المطبوعة بين 1847 - 1888 408 كتب(62)· وعدد النسخ بين عام 1876 - 1888 305765 نسخة(63)· ومن الأسباب التي دعت إلى إنشاء المطبعة، "العمل لخير الكاثوليك الروحي في الأرض المقدسة"(64)· ومن هنا تنبع أهمية طباعة كتاب التعليم المسيحي، "الذي لم يكن الكتاب الأول الذي طُبِعَ في مطبعتنا، ولكنه الأهم، فإنه أول إنتاج عربي مطبعي في فلسطين، مع العلم أن في القدس مطابع أخرى لم تنتج كتاباً عربياً واحداً"(65)· ويخلص الأب ارسيه (Arce) إلى الجزم بأنّ "المطبوعات العربية شكّلت الجزء الأكبر من انجازات المطبعة، لدرجة بوسعنا القول إنها مطبعة عربية"(66)·

horizontal rule


8 - الخـدمــات الـطــبـيـة والصـيـدلانـيـة:
يجد الزائر لمكتبات حراسة الأراضي المقدسة العديد من كتب الطب والصيدلة، جنباً إلى جنب مع المؤلفات اللاهوتية والتوراتية· ويُفسّر وجود الصيدلية الأثرية بكامل معداتها في دير المخلّص بالقدس، بأنّ الرهبان مارسوا الطب والصيدلة في القرون الماضية، علماً بأنّ الحق القانوني الكنسي يمنع الإكليريكيين من ممارسة الطب والجراحة إلا بإذن بابوي(67)· ولكن بالنسبة للإخوة الأصاغر، فإنّ معرفة الطب وعلاج المرضى من صميم دعوتهم الرهبانية، لذا شجّع مجمع الرهبنة العام سنة 1292 دراسة الطب والصيدلة· وبعد الحروب الصليبية مارس الرهبان الطب والصيدلة، "وقد وجد الرهبان أنفسهم مُلزمين أدبياً بمثل هذه الممارسات"(68)· وفي عام 1352 شيّد الفرنسيسيون نزلاً ومستشفى لخدمة الحجاج بسعة 200 سرير، وقد بُني المستشفى على نفقة محسنة اسمها صوفيا دي اركنجيليس (Sofia de Archangelis)· وقد سمح الكرسي الرسولي ضمناً للرهبان بممارسة الطب إذ عهد إليهم بإدارة المستشفى المذكور· وأذن لهم بذلك رسمياً البابا اكليمنضوس العاشر عام 1670، بالبراءة البابوية "Cum Sicut Dilectus"(" (70).
قدّم الرهبان خدماتهم الطبية لمختلف المواطنين داخل أديارهم وخارجها، أي في المستوصفات· وكثيراً ما كان الحكام والولاة وعلماء الدين الاسلامي يسألون العلاج على أيدي الرهبان الأطباء(71)· كما قدّم الرهبان العلاج مجاناً لمن هو في حاجة إليه، وهكذا سبقوا عصرهم في فكرة التأمين الصحي(72)· ومن جملة الخدمات الطبية أن زُوّدَت صيدلية دير المخلّص بمختبرات خاصة لتركيب الأدوية التي استوردت مستحضراتها من أوروبا والهند وأمريكا، وأُلحقت بالصيدلية حديقة لزراعة النباتات الطبية المحلية· وقد ركّب أحد الرهبان الصيادلة وهو انطونيو مانزاني دا كونا(Antonio Menzani da Cuna)، المتـوفي عام 1729، دواءً شهيراً فـي ذلك العصـر لعـلاج الجـروح والتقرحات عُـرِفَ بـ >بلسم القدس< (Balsamo di Gerusalemme)، والدواء مكوّن من أربعين مادة· ووصف الراهب المذكور هذا العلاج مدة أربعة وعشرين عاماً لمرضاه، وقد ذكرته الكتب والمعاجم الطبية على أنّه من الأدوية الفريدة الناجعة(73).
كذلك ظهرت خدمات الرهبان الطبية في صورة جلية أثناء انتشار الطاعون في فلسطين· فإذا وصل خبر الطاعون كان الرهبان يُغلقون أديارهم خوفاً من تفاقم العدوى، ويسمح لبعضهم بالتنقل خارج الأديار بين المصابين، وقد وصل عدد ضحايا الطاعون بين الرهبان إلى نحو الف مُتوفى في غضون ستة قرون(74)·
أُغلِقَتْ المستوصفات والصيدليات وتوقفتْ عن تقديم الخدمات للجمهور في مطلع القرن العشرين، نتيجة لانتشار الوعي الصحي وازدياد عدد الأطباء· وحُوّلَتْ عيادات وصيدليات حراسة الأراضي المقدسة إلى متاحف تحكي قصة الطب والصيدلة في فلسطين(75).

horizontal rule


خــاتـمـــة
في غضون خمسة قرون متوالية، بين منتصف القرن الرابع عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، مثّل الفرنسيسيون مع بعض الكرمليين في حيفا الكنيسة الكاثوليكية في الأراضي المقدسة، وحافظوا على الوجود المسيحي في هذه الأماكن المقدسة في ظروف صعبة أحياناً· إنّ إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية في منتصف القرن الماضي صيغة جديدة للعمل الكاثوليكي، فالبطريركية ستنطلق في مجالات عمل لا تتضارب مع صلاحيات الرهبانية القديمة إذْ ستركز جهودها في الأرياف وليس في المدن التي وجدت فيها رعايا فرنسيسية· وخارج فلسطين ستتصل البطريركية بمسيحيي عبر الأردن الذين لم تُدرجهم حراسة الأراضي المقدسة ضمن مشاريعها الإرسالية· وسيظل الفرنسيسيون يمثّلون الكنيسة الكاثوليكية في الأماكن المقدسة وطرفاً في >الستاتوكوو< الذي يحدد حقوق الطوائف المسيحية في الأماكن المقدسة·
حافظ الفرنسيسيون في القرن العشرين على مؤسساتهم التعليمية والخيرية والمهنية ··· التي تكونت ملامحها النهائية في القرن التاسع عشر، وأوجدوا مؤسسات أخرى حديثة تتناسب مع تطورات القرن العشرين، فقاد علماء الآثار الفرنسيسيون حملات مكثفة للبحث عن الآثارات في الأردن وفلسطين في ثلاثة وثلاثين موقعاً وحفرية أثرية بين عامي 1894 - 1978(76)· وغدت الأماكن المقدسة والمزارات بإشراف حراسة الأراضي المقدسة ليس فقط أماكن سياحية أثرية، بل كنائس تعبق بالليتورجيا والصلاة بمختلف اللغات الحية(77).

الفهرست

غلاف الكتاب

horizontal rule