herusalemcover.JPG (30056 bytes)خـاتـمـة عـامـة

 

"إنّي لأجل صهيون لا أسكت ولأجل أورشليم لا أهدأ، حتى يخرج كضياء برّها وخلاصها كمصباح متّقد" (اشعيا 62/3)· إنّ الجزء الأول من هذه الآية الكريمة هو شعار الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية، ويلخّص هذا الشعار ماهية وطبيعة تاريخ الكنائس والجماعات المسيحية في القرن التاسع عشر في فلسطين والأردن· فلم تهدأ القيادات المسيحية التقليدية كالبطريركية الأرثوذكسية وحراسة الأراضي المقدسة الفرنسيسية ···، ولم تصمت القيادات الحديثة كالبطريركية اللاتينية والأسقفية الأنكليكانية ···، إلى أنْ خرج ضياء أورشليم وخلاصها كمصباح متّقد· وهذا المصباح المتّقد، بل تلك المصابيح المتقدة، كانت جملة مؤسّسات ورعايا ومدارس ومستشفيات وإكليريكيات ومعاهد، نهل منها الشعب الأردني الفلسطيني بكافة قطاعاته العلم والثقافة والروحانية· فرحّب المؤمنون بالخدمات التي قدّمتها الكنائس، وقد نمت وتطورت بُنية الكنائس في القرن التاسع عشر في ظروف عثمانية مؤاتية، وفي ظلّ علائق دولية بين القوى العظمى والسلطنة لم تكن متوفرة في القرون السابقة· ولن نعود إلى إيجاز هذا التطور وحيثياته في خاتمة بحثنا بعد أن أسْهبنا في ذكره في الصفحات السابقة، على ما قدر الله لنا من علم ودراية وموضوعية·
وقد يبدو للوهلة الأولى، أنّ طبيعة هذا التطور في بُنية الكنائس غريبة على مفاهيم الإنسان المعاصر، ولكن دون شك يدرك القارئ أنّ مجمل هذه الأحداث التي دوّنَت بين دفتي هذا الكتاب قد تمّت في القرن التاسع عشر، ضمن مفهوم نظامي الملّة والامتيازات العثمانيين· ولم يكن هذان النظامان من اختراع الكنائس المحلية، بل من صميم طريقة الحكم العثماني المفروض على المسيحيين وغيرهم· مما أوجب تدخل القوى العظمى آنذاك في شؤون الكنائس لا بدعوة منها، بل بدافع من طبيعة نظامي الملل والامتيازات العثمانيين· ففي ظل دولة >الرجل المريض< حيث لم يتم الفصل بين الدين والدولة، تصارعت على حلبتها الواسعة المتداعية والمتعددة الأعراق والأديان، القوى الدينية والسياسية والقومية والطائفية من داخلها وخارجها· وأقول قولي هذا لا لتبرير مجريات تاريخ هذه الكنائس إزاء عقلية مثقفي القرن العشرين، بل لفهم هذا التاريخ من الداخل، كما تمّ في القرن التاسع عشر ضمن معطيات ووقائع تختلف عما نحن عليه اليوم·
وما > نحن عليه اليوم< أقرب إلى مفهوم الدولة الحديثة والأمة والوطن والمساواة في الحقوق والواجبات، وأبعد عن عقلية الملّة والامتياز· فسُنّة الحياة هي التطور، والتطور لا ينحصر في تاريخ الكنيسة الذي قرأته في هذا الكتاب، بل هو من سياق تطور الأمة العام· وقد يتساءل المرء كيف خُتِمَ العصر العثماني بكافة أبعاده القانونية والحياتية؟ ودخلت الكنيسة القرن العشرين، وها هي على عتبة القرن الحادي والعشرين؟ فصارت الملّة أمّة والامتياز واجباً والسُخرة عملاً تطوعياً والجزية ضريبة دخل والكتاتيب والمدارس الديرية مدارس وطنية عامة· بدون شك أن ثورة العرب الكبرى هي من المعالم العظمى لتطور الأمة الذي اسفر عن تكوين الدولة الأردنية الحديثة· وثورة العرب الهاشمية الكبرى لم تكن بعداً سياسياً تحريرياً فحسب، بل بعداً اجتماعياً وفكرياً· فألغت فكرة الملّة والامتياز والنظرة العثمانية لحكم الشعوب، وأعادت إلى البلاد والعباد ما اخْتُزِنَ في ذاكرة قادتها العلماء الشهداء من اصالة العروبة وسماحة الإسلام· فها هي المسيحية في قلب العالم الإسلامي على رحب وسعة في الهاشمية الملكية الدستورية، كما كانت يوماً ما في ظل الخلافة الراشدية والأموية والعباسية، ترفد وتستقي من كنز الحضارة العربية الإسلامية التي تعدّ بعداً ومساحة إيمان ووجود للمسيحي العربي، الذي لا يمكن انتزاعه من وعن هذه الحضارة، وقد تم بينهما استيعاب وتكامل متبادل·
نشأت علائق محدودة بين كنائس فلسطين لتجاورها في الأماكن المقدسة، التي لم تكن دوما ًعامل جذب ووحدة بينها، بقدر ما كانت عامل تفرق وصراع· مما أوجب على السلطات العثمانية والقوى العظمى التدخّل للتحكيم بين أطراف النزاع، فلم تقم بين الكنائس اتفاقيات أو لجان تنسيق لأعمالها ونشاطاتها، بل تحركت كل منها منفردة وبروح من المنافسة تجاه الكنائس الأخرى· ورعت هذه المؤسّسات الكنسية إلى حدٍ ما بمختلف اتجاهاتها وانتماءاتها العقلية الطائفية النفعية غير الملتزمة إيمانياً، فظل المسيحي العربي غريباً في كنائسه التي تتنافس على كسب رضاه وولائه الطائفي، ولم تُعِدّه رئاساته الكنسية لاستلام مناصب قيادية وإبداء رأيه الخاص في واقعه وتحمل مسؤولياته بنفسه إلاّ في حالات استثنائية·فلعل التاريخ هو الذي يعمل على نضج الإنسان وليس العكس، فلنَنْتَظرنّ >ملء الزمان<، إلى الوقت المناسب لبلوغ هذا التطور أوجه في تاريخ الكنائس، دون التسرع في الحكم وإلقاء المسؤولية على طرف ما في الماضي أو الحاضر·
إن التاريخ دراسة وبحث لماضي الإنسانية والشعوب والأمم، لا للاكتفاء بتأمل الماضي والتحسّر عليه أو الفخر به، بل ليصل الإنسان المعاصر إلى إدراك نواحي عجزه وابداعه، ويخلص إلى نتائج موضوعية يوظّفها في تنمية الحاضر، ورسم خطوط المستقبل والسير على هديها· ومن هذا المنطلق على هذه الكنائس التي تشترك بإيمان واحد على الرغم من تباينها العقائدي الموروث من عصور سحيقة حول بعض القضايا اللاهوتية، وتقطن في منطقة جغرافية واحدة، أن تسعى إلى فهم أخوي متبادل، وإيجاد مفاهيم مشتركة في تاريخها توحدها وتجمعها، فلا تُخيّب أمل أتباعها ومؤمنيها، بل تتجاوز انعزاليتها نحو عمل مشتركُ توثّق به عرى المحبة والأخوّة·
إنّ كنيسة القدس كانت تدعى يوماً ما >أم الكنائس< التي انطلق منها في فجر المسيحية رسل السيد المسيح حاملين بشرى الخلاص للعالم أجمع· فعليها أن تكون ظئِراً لجميع الأمم والشعوب كما كانت في سالف عهدها، وقِبْلة لمسيحيي المسكونة ليس بأماكنها المقدسة فحسب، بل بوحدة مؤمنيها ومحبتهم وإيمانهم·
إنّ كنائس بلادنا تعيش حالياً على هامش الوحدة الكنسية المسكونية، وتتجاهل حقيقة وأمنية تسعى كل كنائس العالم إلى الوصول إليها، فعليها أن تنفتح على بعضها· وهل تخشى فقدان الجمود والقوقعة والانعزال من أجل خير مؤمنيها؟ فلا يقتصر وجودها وتتقلص غاياتها على حماية حقوقها الموروثة في الأماكن المقدسة، وحراسة كنائس خاوية من المصلين·
مما لا شكّ فيه، أنّ العروبة تجمع هذه الكنائس في خلفية واحدة مشتركة، إذْ إنّ مؤمنيها من العرب، وإن كانت بعض رئاساتها أجنبية، فعليها أن تصبو وتعمل على تعريب أجهزتها ورئاستها وأنظمتها، وتبرز الصفة المحلية لوجودها وغاياتها، دون إلغاء سمتها العالمية لاحتضانها الأماكن المقدسة قِبْلة المسيحيين، وكونها أم الكنائس قاطبة·
أجل! يُنتَظر من الكنائس على الصعيد الفكري أن تقوم بدور ثقافي رائد، فتبرز إلى النور كنوز مكتباتها من وثائق ومخطوطات وكتب، خاصة مخطوطات الأدب المسيحي العربي، فترفد بذلك المكتبة العربية بفرائد هذا الأدب وتخدم تاريخ الشرق وتُسهم في رسم معالمه الصحيحة·
وأخيراً ··· فالأماكن المقدسة اليهودية والمسيحية والإسلامية التي أعطت بلادنا طابعاً مميزاً خاصاً وتاريخاً فريداً ذا صبغة عالمية، ليست مجرد مجموعة من الكتل الحجرية والمباني القديمة يتبرك بها الحُجّاج ويزورها السُيّاح بقدر ما هي روحانية ورسالة إلهية تروي قصة لقاء الله سبحانه وتعالى مع الإنسان· وهذا اللقاء لا يمكن حصره بالنسبة للمسيحي في الحدث المسيحي الأول بما نشأ حوله من تاريخ، بل هو مسيرة روحية إنسانية قديمة ومعاصرة ذات بُعدٍ إسكاتولوجي، تبدأ بخلق الإنسان مروراً بحياته الإيمانية حتى يوم الدين· والكنيسة التي ترتفع إلى العُلى تبقى متجذرة في الأرض التي انحدر منها ابناؤها، وتسجل وإياهم مواقف أصيلة على الصعيد القومي والنضالي· هذا من ناحية، أمّا من ناحية أخرى فكنيسة الأراضي المقدسة بصورها وأشكالها المتعددة هي في خدمة أبعاد عملاقه تتجاوز مفهوم الإنسان المادي الضيق للتاريخ والحقوق والامتيازات والأصالة وملكية الأرض والسيادة عليها· وهذه الرؤية ليست مسيحية بحتة، بل هي أرضية مشتركة للمؤمنين بالله الواحد الأحد مسلمين ويهوداً ومسيحيين، وها هم يتساءلون عن مصير الأرض المقدسة ويحاولون رسم مستقبلها وتحديد هويتها ومعالمها وأصحابها· وكأنّي اسمع التاريخ يصرخ عالياً قائلاً: >الأرض ليست لكم بل هي لله وأنتم لها لا هي لكم<·

horizontal rule

الفهرست

غلاف الكتاب

horizontal rule