الباب الثالث : الأسقفية الأنكليكانيةcover.JPG (69622 bytes)



الفصل الثاني
الكنيسة الأنكليكانية في القدس في عهد أول أساقفتها
ميشيل سلمون الكسندر (1842 - 1845) .



مـقـدمــة
في غضون أربعة أعوام (1842 - 1845) قاد الأسقف ميشيل سلمون الكسندر أسقفية القدس الأنكليكانية في سنوات وجودها الأولى· وتلمّس طريقه بين المشقات والصعوبات التي خلقها الوضع السياسي والاجتماعي السائد في فلسطين في ظل الحكم العثماني، فقد كان على الأسقف وأحياناً وحيداً دون معين وصديق، أن يُخرِجَ إلى حيّز الوجود ما جاء في التقارير والتوصيات والاتفاقيات بين بروسيا وبريطانيا· فنظّم المجهود الديني البريطاني والبروسي المبعثر في فلسطين من خلال الجمعيات والمرسلين في نظام أسقفي، هو الاطار الشرعي المعمول به في الكنائس الشرقية والمقبول لدى السلطات العثمانية، على الرغم من أن هذه السلطات لم تعترف بالبروتستنتية كملّة· وعلى الصعيد السياسي فقد خدمت الأسقفية النفوذ البريطاني في الشرق، وقدمت موضع قدم لبروسيا على الساحة العثمانية من خلال انضمامها للأسقفية· ولئن نجح الكسندر في تنصير قلّة من اليهود، فهذا النجاح لا يساوي الجهد المبذول في سبيل ذلك· وعلى صعيد آخر فقد لفتت الأسقفية نظر اليهود في أوروبا إلى الهجرة إلى فلسطين، وأنعشت الحُلم اليهودي القديم بأرض الميعاد· وفي كلتا الحالتين، فإن تنصّر اليهود أو تشبثهم بيهوديتهم قد خدم النفوذ البريطاني في الشرق، فمنحتهم بريطانيا موقعاً مميزاً في سياستها المشرقية·

horizontal rule


1- ترجمة حياة الأسقف ميشيل سلمون الكسندر:
ولد الكسندر عام 1799 في بلدة شونلونكه(Schonlonke) في مقاطعة بوزنام (Poznam) من أعمال بروسيا· وانحدر من عائلة يهودية متدينة فقد كان والده حاخاماً، وترعرع الكسندر في كنف عائلته حسب أصول الشريعة الموسوية· وعن عمر يناهز ستة عشر عاماً امتهن الكسندر التعليم، فدرّس العلوم التلمودية واللغة الالمانية· ولمّا بلغ العشرين من عمره سافر إلى بريطانيا وكان اطلاعه على الدين المسيحي ضعيفاً ومعادياً أُسوة بغيره من اليهود، "فقد انحصرت معرفته بالرب يسوع على انطباعات قوية ومعادية مبدئية تجاه الاسم المقدس"(1)· وفي بريطانيا عمل حاخاماً في مدينة نورفيش ثم في بلايموث، وفي عام 1821 عقد قرانه على الآنسة دبوره ليفي (Deborah Levi) اليهودية المتدينة·
احتكَّ الكسندر بمبشري جمعية لندن اليهودية، إذ إنها عملت في البيئة اليهودية التي كان هو أحد حاخاماتها· وقادته الظروف إلى أن يدرّس القس جولدنج (B.B. Golding) اللغة العبرية، فقاده الأخير إلى اكتشاف الديانة المسيحية، واقتنع أخيراً بمصداقية المسيحية بعد أن مرّ بمراحل شك وصراع داخلي مرير(2)· فأخذ يتردد على الكنيسة، فأقالته رئاسته من وظيفة الحاخام· وقَبِل َسر المعمودية عام 1825، وتبعته زوجه وأطفاله الستة بعد فترة وجيزة لنيل العماد· وكان تنصّر الكسندر حديث الساعة في جمعية لندن اليهودية، فلاقى المهتدي الجديد كلّ رعاية وعناية·
ولم يتوقف الكسندر في تنصره على دور المؤمن التقي التابع للكنيسة الأنكليكانية، والابن البار لجمعية لندن اليهودية، بل انطلق بمسيرته الإيمانية التي تمتدُّ جذورها إلى امتهانه الحاخامية· فبعد اشتغاله بتعليم العبرية قَبِلَ السيامة الشماسية عام 1827 في دبلن، ثم القسوسية عام 1830· والتزم بالعمل لحساب جمعية لندن اليهودية، فشارك في إخراج الترجمة العبرية لكتاب الصلاة الطقسي الأنكليكاني، وعيّن مديراً تنفيذياً لمعهد يتولى رعاية اليهود المتنصرين (Operative Jewish Converts Institution)، وعلّم العبرية والأدب التلمودي في كينجز كوليج (King's College)· فغدا القس الكسندر من أبرز الشخصيات في الوسط اليهودي المسيحي·
وفي عام 1841، تمَّ انتخاب الكسندر أُسقفاً للقدس، ونال السيامة الأسقفية يوم الأحد 11 / 11 / 1841 في قصر ليمبث، مقر رؤساء أساقفة كنتربري، بوضع أيدي رئيس الأساقفة الدكتور هولي(Dr.Howley) ، وشارك في الاحتفال أسقف لندن بلومفيلد(Blomfield) وأساقفة آخرون· وحضر الرسامة مبعوث ملك بروسيا بنزون وسفير بريطانيا لدى الباب العالي السير ستراتفورد كانينك(Strardford Canning) وعدد غفير من المهتمين بالأسقفية الأنكليكانية الأورشليمية ووجهاء جمعية لندن اليهودية وشخصيات الوسط اليهودي المسيحي· أما الاحتفال فكان مؤثراً، فقد استبشر الحضور بالأسقفية المقدسية خيراً، وعلّقوا عليها الآمال بهداية اليهود إلى المسيحية: "فعندما قرأ الأسقف سليفين (Slevuyn) الآيات الواردة في سفر أعمال الرسل (20: 22 - 24): ((وأنا اليوم ماضٍ إلى أورشليم أسير الروح، لا أدري ماذا يحدث لي فيها· على أنّ الروح القدس كان ينبئني في كل مدينة بأن القيود والشدائد تتربص بي، ولكني لا أعتدُّ بحياتي ولا أرى لها قيمة عندي، فحسبي أن أبلغ غايتي وأبلّغ الرسالة التي تناولتها من الرب يسوع فأنادي ببشارة نعمة الله)) - أجهش أسقف لندن بالبكاء"(3)· ولعله من المناسب أنْ نذكر أنَّ الآيات السابقة للآيات المذكورة تقول: ((أذرف الدموع وأعاني المحن التي أصابتني بها مكايد اليهود))(أعمال 20 :19)· فالكسندر اليهودي أخذ على عاتقه تبشير أبناء ملّته، وسوف يعاني المحن وتصيبه المكايد كما جاء في سفر أعمال الرسل· أما بنزون فقدّم طعام الغداء للمدعوين على شرف الأسقف الجديد· وفي اليوم التالي أقام الأسقف صلاة باللغة العبرية في كنيسة لجمعية لندن اليهودية، ودارت عظته حول الآيات المار ذكرها·

horizontal rule


-2 سفر الأسقف الكسندر الى فلسطين ودخوله القدس:
فـي الـســابـع مـن كـانـون الأول 1841 أبـحــرت الـبـارجـة الـبـريـطـانـية ديفيستيشن(Devastation) في طريقها إلى فلسطين وعلى متنها الأسقف الكسندر، وكان قد نال الجنسية البريطانية منذ سنوات، ترافقه زوجه وأولاده والقس جورج وليامس (Georges Williams) أمين سره وبعض الأصحاب والمرافقين· فرَسَتْ البارجة في بيروت في 14 كانون الثاني 1842، وانضمّ إلى الأسقف الكولونيل هيوج روز(Hugh Rose) القنصل البريطاني العام في بيروت· إذ إنّ قنصلية القدس تابعة لدائرته، بعد أن كانت تابعة للإسكندرية أثناء الحكم المصري في فلسطين· وفي يافا يوم 18 كانون الثاني كان باستقبال الأسقف المرسل نكلسون وبرجهايم(Bergheim) · ودخل الأسقف القدس يوم الجمعة 21 كانون الثاني، ويصف الأسقف استقباله بالقدس بالعبارات التالية:"وصلنا القدس مدينة أجدادنا مساء الجمعة حيث اسْتُقْبِلنَا بكل مظاهر الاحترام والتشريفات· فقد كوَّنا موكباً مهيباً: القنصل العام الكولونيل روز ومعه سبعة أو ثمانية من حاشيته والكابتن كوردن(Gordon) ومعه ستة أو سبعة من ضباط البارجة ديفيستيشن، ورافقنا السيدان نكلسون وبرجهايم اللذان جاءا لاستقبالنا في يافا، أما السيد جون والمرسلون الأمريكيون، فقد وصلوا لاستقبالنا على بعد ثلاثة أميال على طريق القدس، وأخيراً كان هناك كبير الضباط الذي أرسله الباشا، وقد أتى الأخير للترحيب بنا فيما بعد· وكان هناك ثلّة من الجنود تترنم على أنغام الموسيقى العربية التي تشبه تلك الضوضاء الصادرة عن نقر الصفيح· هكذا دخلنا القدس من باب الخليل والجنود يطلقون عيارات نارية ترحيباً بنا"(4)·
ويعلق طيباوي على رواية الكسندر، ويفسرها بشكل مختلف على النحو التالي: إن الباب العالي رفض الاعتراف بالأسقف الجديد، فكيف يتجاسر الباشا على استقباله أو الترحيب به· فقد التبس الأمر على الأسقف، فالغناء الذي سمعه والعيارات النارية لم تكن لاستقباله بل للاحتفال بعيد الأضحى للعام الهجري 1257 (21 كانون الثاني 1842)، فمساء دخول الأسقف القدس كان عشية الاضحى· فالاحتفال اذاً لم يكن لشخصية أجنبية غير معترف بها وغير راضية عنها الحكومة(5)·
وقد ذكرت صحيفة التايمس اللندنية خبر وصول الأسقف إلى القدس بهذه الكلمات:"إنّ الإرسالية ستحظى بدعم الحكومة البريطانية والسفير البريطاني لدى الأستانة"(6)· والمواقف البريطانية متناقضة ! فالوعود والالتزامات التي توزعها الحكومة على المعنيين بأمر الأسقفية متباعدة· فهناك اختلاف كبير بين ما قيل لرئيس أساقفة كنتربري والتعليمات التي صدرت لقنصل القدس وما جاء على صفحات الجرائد، ولعلّ تلك ميزة السياسة البريطانية· ويختتم جيدني وصف دخول الأسقف القدس بهذه العبارة التي لا تخلو من المبالغة:"حسب التعليمات التي صدرت من القسطنطينية نودي في الجوامع بأن من يمسس الأسقف الأنكليكاني بسوء كأنه مسَّ بؤبؤة عين الباشا !"(7)·
حلّ الأسقف الكسندر وأسرته ضيوفاً على نكلسون الذي قدّم لهم بيته مسكناً مؤقتاً، وانتقل الأسقف بعد مدة وجيزة إلى بيت القنصل البريطاني، ثم استأجر بيتاً خاصاً به· وفي هذا البيت رزق الكسندر بطفلة توفيت بعد شهر من ولادتها،"فكان عمادها ودفنها أول الممارسات الدينية الطقسية التي ترأسها الأسقف"(8)· وعلى أثر وفاة الطفلة انتقل الى منزل ثالث· وأبرز الممارسات الكنسية التي أتمّها الأسقف في عام 1842 هي ما يلي:(9)
- في 17 آذار: رسم أحد أعضاء جمعية المرسلين الكنسية قساً، وعمّد أفراد أسرة يهودية·
9- تشرين الأول: عمّد ومنح سر التثبيت لثمانية يهود، وفي الاسبوع الثاني بارك زواج يهوديين·
30- تشرين الأول: كرّس اليهودي تارتاكوفير (E.M. Tartakover) قساً،"فكان أول عبراني يكرّس قساً في القدس منذ العصر الرسولي، ففي الأبرشية أسقف وقس وشماس، وكلهم عبرانيون من الشعب العبري يقيمون الصلاة على جبل صهيون"(10.(
-    ابتدأ في عام 1842 ثلاثة حاخاميين في دراسة المسيحية، استعداداً لقبول المعمودية· وهم الحاخام ابراهيم الذي هجر الدراسة تحت ضغط أسرته، أمّا بنجامين واليعازر فقد تابعا دراستهما وانضما إلى جمعية لندن اليهودية·

horizontal rule


-3 ردود الفعل إزاء قيام الأسقفية الأنكليكانية في القدس:
لم يُغْلَقْ ملف الأسقفية الأنكليكانية بعد قيامها، بل تابع المعنيون بها توجيه نصائحهم وانتقاداتهم· فالحكومة البريطانية لم تقدّم طلباً إلى الأستانة قبل سفر الأسقف للاعتراف به، خشية أن يقابل طلبها بالرفض· وفي الواقع رفضت الأستانة هذا الاعتراف، الذي حاول الحصول عليه القائم بالأعمال البريطانية لدى الباب العالي· فمهمة الأسقف الدينية غير محصورة في البريطانيين المقيمين في السلطنة العثمانية، بل تمس مواطنين من التبعية العثمانية· والسلطنة غير معنية بزيادة عدد الهيئات الدينية الموجودة لديها، وهي في نزاع وخصومة فيما بينها، من جهة أخرى لا ترغب الدبلوماسية البريطانية أن يؤدي الاعتراف بالأسقف إلى أن تصير الأسقفية المتمتعة بالدعم البريطاني حجّة في يد القوى الأوروبية لمزيد من التدخل في الشؤون العثمانية· ولهذا فإنّ الحد الأدنى الذي طمعت بريطانيا في الحصول عليه، هو أن يُعَامَل الأسقف ويتمتع بالامتيازات العثمانية كأي أجنبي آخر مقيم في السلطنة(11)·"فتركيا تجيز قيام الإرسالية البروتستنتية وتتغاضى عنها، ولكنها لاتعترف بها رسمياً"(12)·
فالموقف العثماني يتصف باللين، والبريطاني بالحذر فأكد ابردين (Aberdeen) وزير الخارجية البريطاني للقائم بالأعمال التركي [في مذكرة لسفير بريطانيا لدى الباب العالي بتاريخ 24شباط 1842(13)]:"بأن حكومته لا تتطلع إلى حصول الأسقف على امتيازات خاصة، فإنّ رئاسته الكنسية أصدرت إليه تعليمات مشددة بعدم التدخل بأمور المسلمين الدينية والمسيحيين العثمانيين، وأنْ لا يسعى لجمع الأتباع للكنيسة الأنكليكانية من هاتين الفئتين· وعلى السفير أن يوفر حماية الأسقف بمهارة وذكاء دون أن يعطي الانطباع بأي شكل من الأشكال بأن السفارة تتبنى موضوع الإرسالية· وبذلك طمأنت بريطانيا مخاوف الكنائس الشرقية والمسلمين، فمهمة الكسندر موجهة لليهود فقط"(14)· وحتى اليهود في فلسطين فهم من التبعية العثمانية· ويتمتع اليهود المهاجرون من روسيا والذين لم يحصلوا على الجنسية العثمانية بحماية القنصلية الروسية· فموقف الكسندر صعب ومعقد جداً، وهناك مخرج واحد أمامه هو المبادرة على مسؤوليته الخاصة بالتحايل على القوانين العثمانية بدون حماية حكومته الصريحه·
علّق صموئيل غوبات مرسل جمعية المرسلين الكنسية في مالطا على الواقع المرير الذي وُجد فيه الكسندر والمشاريع والحلول المطروحة بأنّها خيالية(15)· أما ملك بروسيا الذي وصل في زيارة لبريطانيا في بداية عام 1842 فكرَّر طرح أفكاره القديمة حول الوحدة البروتستنتية والكنائس الشرقية، دون الأخذ بعين الاعتبار واقع الأسقفية في فلسطين(15)· أما السفير الفرنسي لدى الأستانة بوركيني(Bourqueney) فقد وصف قيام الأسقفية في القدس في رسالة إلى چيزو وزير الخارجية الفرنسية في 4 آذار 1842 بأنّه مشروع ديني سياسي في آن واحد، وأنّ السلطات الكاثوليكية في إسطنبول غير مبالية بالوجود البروتستنتي الجديد، شريطة أن يتمَّ من خلاله حصول المسيحيين على مزيد من الحرية الدينية(16)·
رضخت السلطنة العثمانية لسياسة الأمر الواقع التي عملت بها بريطانيا وبروسيا، فاستبشر ملك بروسيا خيراً، ولكن معارضة شديدة هبّت من حيث لايتوقع· فما أن أصدر وزير الأديان البروسي أمراً بجمع التبرعات لحساب الأسقفية في الكنائس البروسية، حتى قاوم الفكرة عدد غفير من الإكليروس الألماني منددين بمشروع الأسقفية، وعلى رأسهم هونديشاجن (Karl Bernhard Hundeshagen) الذي نشر بياناً في كانون الأول 1842بعنوان Das)) Anglo - Preussiche Bisthum zu Sankt Jacob in Jerusalem und was daran hangt)) وأهم ما جاء في البيان مايلي:(17)·
- إنَّ الأسقفية محاولة لنشر البروتستنية بين أتباع الكنائس الشرقية·
- إنَّ الوضع الناشئ في فلسطين على أثر الحكم المصري، شجّع ملك بروسيا على العمل لتحسين وضع المسيحيين في الشرق، وإنشاء مستوطنات ألمانية في فلسطين·
- كنيسة القدس البروتستنتية ))صخرة مار يعقوب(( عبارة عن مضاربة على الكنيسة الكاثوليكية ))صخرة مار بطرس·((
- مصير الأسقفية وأسقفها الكسندر سيذكر يوماً ما بمصير المملكة اللاتينية في بيت المقدس·
وقد جاء الرد على هذه الانتقادات وغيرها على لسان بنزون منظّر مشروع الأسقفية وبـطـل الاتفـاق البريـطانـي البروسـي، فنـشر بنزون وزميـله ابيكين مـذكرة بـعنـوان "Das Evangelische Bisthum in Jerusalem. Geschichtliche Darlegung mit urkunden" في صيف عام 1842، دافع فيها عن جدوى قيام الأسقفية وفوائد الاتفاق الإنكليزي البروسي(18)· وهكذا توالت الانتقادات والردود على لسان المؤيدين والمعارضين لمشروع الأسقفية في بروسيا· أمّا في بريطانيا فقد كرَّس البرلمان جلسات عديدة لاستماع الاعتراضات والردود على جدوى قيام الأسقفية، كما شاركت الصحافة في تبني وجهات النظر المختلفة·
أقام الدبلوماسيون ورجال الدين الإنكليز والبروسيون أسقفية أرض الميعاد في جلسات البرلمان ولقاءات لامبيث بالاس، ولم يكن ذلك بالمهمة المستحيلة· وعُهِدَ للأسقف الكسندر بتحقيق ما جاء في الاتفاقيات والنظريات، وهذه مهمة صعبة لم يُحسَد عليها· ويؤكّد ذلك المؤرخان طيباوي وحجّار: فالأول يصفه بأنّه أسقف دون كنيسة، ورعاياه عبارة عن حفنة من اليهود المهتدين، ولم تعترف به الحكومة المحلية ولم تحمه حكومته(19)· أما حجّار فيقول إن البروتستنتية في أوروبا تحمست لإقامة أسقفية في القدس، ودور الأسقف العمل على أن يستوعب العالم الشرقي هذه الأسقفية ويقبل بوجودها(20)·

horizontal rule


4- الهيئات والأشخاص الذين تعامل الأسقف الكسندر معهم:
وفي عام 1842 أخذت بوادر نشاط الأسقف الإرسالي في القدس تبشر بالخير؛ ولكن العمل الراعوي في فلسطين صعب ومعقد ليس بالنسبة إليه فقط بل لسائر الطوائف المسيحية· فعلى القس والكاهن أن يأخذا بعين الاعتبار عدة أمور، وأن يراعيا مصالح نفرٍ من الأطراف قد يمسها النشاط الديني· فالمجتمع الفلسطيني ليس متجانساً في أصوله العرقية والدينية والسياسية· فعلى الأسقف الكسندر أن يتعامل مع عدة افراد وهيئات لتنفيذ مشاريعه: كممثلي السلطنة العثمانية وشيوخ المسلمين وزعمائهم والجالية اليهودية والطوائف المسيحية والمرسلين الإنكليز التابعين له مباشرة أو التابعين لجمعية لندن اليهودية، والقنصل البريطاني والمرسلين البروسيين· وكل فرد أو جماعة من المذكورة آنفاً يمثل مصالح وأهداف متباينة· فحتى يصل الأسقف إلى أهدافه المرسومة عليه أن يتعامل مع هذه الهيئات مراعياً مصالحها وحساسياتها الدينية والسياسية، فأسفر ذلك عن مجموعة من المصالح المتضاربه حاول الأسقف استيعابها والحد منها· أمّا من جهة أخرى، فقد افتقرت الأبرشية الناشئة إلى قاعدة صلبة من الرعايا المستقرة التي اكتسبت على مر العصور امتيازات وحقوقاً وأوقافاً وأنشأت المؤسسات ونمت عددياً، فوفرت بذلك مجالاً واسعاً ومتنوعاً للمرسلين، أسوة بحراسة الأراضي المقدسة والبطريركية الأرثوذكسية· فعلى الأبرشية الجديدة تأسيس البنية التحتية الضرورية لكل عمل إرسالي· ومن متطلبات البنية التحتية في فلسطين الحصول على امتيازات وحقوق، وإنشاء إطار قانوني معترف به، وإطار شعبي يرحب بمبادرات المرسلين الجدد القادمين من الغرب· وأهم الهيئات التي تعامل معها الكسندر والمواضيع الملحة التي كان عليه معالجتها هي ما يلي:
أ - بناء الكنيسة الأنكليكانية في القدس:
بدأ العمل في بناء الكنيسة عام 1840 تحت إشراف نكلسون بدون إذن السلطات العثمانية· فأوقف حاكم القدس العمل وتابعه الكسندر، فأوقفته ثانية السلطات العثمانية· فبادر الكسندر إلى بناء مسكن خاص به يمكن استعماله كنيسة مؤقتة فأُوقِفَ العمل به أيضاً· فالأسقف الأنكليكاني بالنسبة للسلطات العثمانية، "ما هو إلاً شخص أجنبي يستحق الاحترام"(21)، وليس رئيس مِلّة مُصَرّح بها· وسيتم بناء الكنيسة في عصر الأسقف غوبات خليفة الكسندر·
ب - النشاط الأنكليكاني الكنسي بين اليهود:
في منتصف القرن التاسع عشر بلغ عدد اليهود في فلسطين حسب إحصائية انثيموس أمين سر البطريركية الأرثوذكسية 5000 نفس، وحسب إحصائية عثمانية 4500 نفس، أما في إحصائية شولتز 7120 نفساً(22)· ويقدم هشلر ارقاماً مبالغاً فيها، ففي رأيه أنّ اليهود في القدس وحدها عام 1840 عشرة الاف نفس، وعام 1871 13500 نفس(23)· ويُقْسَم اليهود إلى ثلاث فئات: السفرديم ــ اليهود الشرقيون، يهود اسبانيا ــ هم الأكثر عدداً، والاشكنازيم ــ اليهود الغربيون، يهود ألمانيا ــ ، والقرائيون (وهم أتباع المذهب اليهودي القرائي وقد نشأ في بغداد في القرن الثامن، وقوامه رفض التمسك بسنّة التلمود)· إلى هؤلاء اليهود وجّه الأسقف دعوته وكرّست جمعية لندن اليهودية جهودها· وبلغ عدد اليهود المتنصرين قبل عصر الأسقفية بضعة أشخاص، أما في عصر الأسقفية فبلغ أحياناً عدد المشتركين في صلاة الأحد أربعين يهودياً·
لم ترحّب الأوساط اليهودية بدعوة الكسندر، بل حرَمَت مَنْ تعامل معه وفُصِلَ عن الطائفة اليهودية· والمحروم لا يتمتع بحماية طائفته ويفقد انتماءه الملّي· ولا يعّوض هذا الفقدان بالانتماء إلى ملّة جديدة، إذ إن البروتستنتية لم تتمتع آنذاك بهذه الخاصية· واتصف الرد اليهودي أحياناً بالعنف، فيُمْنع المتورط بعلاقة مع الأسقفية من التعامل مع المرسلين وقبول العلاج في المستوصف الأنكليكاني، وتُحْرَق الكتب والنشرات التي في حوزة المشبوهين· والمحروم يُفْصَل دينياً واجتماعياً وقانونياً عن الملّة اليهودية ولا يُدْفَن في المقبرة اليهودية(24) .
جـ - صلات الأسقف الكسندر بالمسيحيين المحليين:
زوّد رئيس أساقفة كنتربري هولي الأسقف الكسندر بكتاب توصية موجّه إلى الأحبار الشرقيين، والكتاب مؤرخ في 13/11/1841· وكان يقيم في القدس آنذاك بطريرك الأرمن الأرثوذكس، أمّا بطريرك الروم الأرثوذكس فيقضي معظم وقته في إسطنبول، ورعى الفرنسيسيون شؤون اللاتين، إذ بات منصب البطريرك اللاتيني فخرياً ويُعطى لقبه لبعض الشخصيات الكنسية المقيمة في الغرب· وأُمنية الكنيسة الأنكليكانية إقامة علائق ودية مع الكنائس الشرقية، وأُسنِدَتْ هذه المهمة لالكسندر الذي هو من أعضاء جمعية لندن اليهودية وينوي تبشير اليهود، وليس ضمّ المسيحيين الشرقيين لكنيسته، فهذه سياسة جمعيته المعلنة، وما جاء في كتاب التوصية يؤكد حسن نية الكنيسة الأنكليكانية(25):
1- الكتاب موجه إلى أحبار وأساقفة الكنائس الشرقية الرسولية·
2- يوصي رئيس أساقفة كنتربري الأحبار الشرقيين بالأسقف الكسندر·
3- تمّت رسامة الكسندر حسب تقاليد الكنيسة الأنكليكانية الرسولية المقدسة·
4- تمّ تعيين الأسقف في القدس بإرادة ملكية·
5- مهمّة الأسقف رعاية الأنكليكانيين المقيمين في حدود الأسقفية الأنكليكانية·
6- وُجهت توصيات لالكسندر بعدم التدخل بصلاحيات الأساقفة الشرقيين الروحية، وعليه أن يكوّن علائق محبة واحترام معهم، وأنْ ينمّي روح الوحدة والتفاهم· ويحثّ الكتاب الأحبار الشرقيين على قبول الأسقف الجديد كأخ لهم وتقديم المساعدة الممكنة له·
7- يتمنى رئيس الأساقفة أن تعود صلات المحبة والوحدة بين الكنيسة الأنكليكانية والكنائس الشرقية· وهذه الصلات انقطعت في عصور خَلَتْ، فعلى الجميع العمل على تلافي التفرق والتمزق في كنيسة المسيح الواحدة·
يظهر من صيغة الكتاب أنّ قصر ((لامبيث بالاس)) أوكل إلى الكسندر مهمتين: الأولى رعاية الأنكليكانيين، والثانية تمثيل الكنيسة الأنكليكانية لدى الكنائس الشرقية، كسفير معتمد يعمل على تطوير صلات المحبة والأخوة بين كنيسته والكنائس الشرقية، التي يقر الكتاب بجذورها الرسولية، ويقدم الكنيسة الأنكليكانية على أنها شريكة في هذه الجذور· فزار الكسندر البطريركية الأرمنية وتفادى زيارة اللاتين(26)· وقيل إن كتاب التوصية رفض تسلّمه الأحبار الشرقيون، ولم يعترفوا بحامله وبمرسله، بل تجاهلوا الوجود الأنكليكاني إلى درجة رفض الاعتراف بالمعمودية التي يمنحها القسس الأنكليكانيون(27)· فليس لدى اللاتين والأرثوذكس دافع معين ليكونوا وديين تجاه القادم الجديد(28)· فكل منهما فخور بماضيه وامتيازاته في الأماكن المقدسة وعلاقته بالقوى العظمى· وفسّر الطرفان مجيء الكسندر إلى القدس على أنه خطوة بريطانية، "لتكوين فريق أو حزب موالٍ لبريطانيا في الأرض المقدسة"(29)· أما الكسندر فظل عموماً متمسكاً بالمبادئ التي أعلنها كتاب التوصية ولم يسعَ إلى تشكيل طائفة من رعايا الكنائس الشرقية· ونشأت صلات طيبة بينه وبين الأرمن، فقبيل سنوات أثناء الحكم المصري ساعد أحد الأرمن نكلسون في شراء أرض لحساب الإرسالية، ومن جهة أخرى لم يكن للأرمن ارتباطات سياسية مليّة بالقوى العظمى أسوة باللاتين والأرثوذكس، فلم تخشَ البطريركية الأرمنية إقامة علائق ودية مع الأسقفية الأنكليكانية·
د - المرسلون العاملون تحت إمرة الأسقف الكسندر:
تكوّن الإكليروس الأنكليكاني من مرسلي الجمعيات المختلفة التي وجدت في فلسطين قبل إنشاء الأسقفية، والمرسلين الذين جاء بهم الكسندر أو التحقوا به فيما بعد· فوضع مرسلو جمعية لندن اليهودية أنفسهم تحت تصرف الأسقف، وزعيمهم نكلسون· أما جمعية البورد الأمريكي فانسحبت من فلسطين وركّزت جهودها في سوريا ولبنان، وخصوصاً في عصر الأسقف غوبات، "فجرى اتفاق بين البورد الأمريكي للكنيسة الجمهورية وجمعية (المرسلين) الكنسية (C.M.S) للكنيسة الأسقفية بأن يقتصر عمل مرسلي البورد على سورية ولبنان، ويترك القسم الجنوبي أي فلسطين كمنطقة عمل لجمعية التبشير الكنسية الأسقفية"(30)، إذ إن جمعية المرسلين الكنسية بدأت عملها بفلسطين في عصر الأسقف غوبات·
في عام 1839 أرسلت الكنيسة الأسقفية الاسكتلندية بعثة إلى فلسطين لاستطلاع الأوضاع الدينية وفتح إرسالية لليهود، وجاء في تقريرها أن جنوب فلسطين منطقة امتياز لجمعية لندن اليهودية، أما الجليل الذي تسكنه جالية يهودية كبيرة مركزها صفد، فمنطقة بكْر لم يعمل بها المرسلون بعد· وأوصى بالمرستون رئيس الوزراء البريطاني عام 1840 الموظفين البريطانيين في فلسطين بمساعدة بعثة الكنيسة الاسكتلندية· لما أُسّست الأسقفية الأنكليكانية، عَدّ الأسقف أنّ فلسطين بأكملها منطقة نفوذ خاضعة له ولم يرضَ بفكرة وجود الاسكتلنديين بصفد· فتنازع الطرفان وتسابق كل منهما على إثبات وجوده في صفد، مما حدا القنصل البريطاني العام في بيروت على التدخل لحل النزاع، ونصح الكسندر التحلي بالتسامح والتروي، حتى لا يؤدي النزاع إلى إثارة سخرية الكنائس الشرقية(31)·
حددت محادثات لندن وخصوصاً إعلان الاتفاق الرسمي بين الطرفين البروسي البريطاني في 9 أيلول 1841 طبيعة العلائق بين الأسقف والقسس والرعايا الألمان في فلسطين· فلاقى الاتفاق انتقادات مرّة في ألمانيا إذْ رأى فيه المعارضون لمشروع الأسقفية غُبناً للقسس الألمان الملتحقين بالأسقف· فدافع بنزون وابيكين عن الاتفاق، وجرت عدة اتصالات بين البروسيين وكنتربري لتوضيح عدة نقاط حول التحاق القسس الألمان بالأسقفية· إذ إنه في الواقع هناك اختلاف عقائدي وليتورجي بين الكنيسة والقسس الألمان المُنْضمّين إليها· فجرت عدة مراسلات بين الطرفين، منها رسالة من رئيس أساقفة كنتربري لملك بروسيا بتاريخ 18 حزيران 1842، ورسالة من الملك إلى وزير الشؤون الكنسية في بروسيا في 28 حزيران 1842 يستعرض فيها رسالة رئيس الأساقفة· ويدور الكتابان حول أمور تنظيم التحاق القسس الألمان بالأسقف، وقبولهم الرسامات الأنكليكانية المار ذكرها في إعلان 9 أيلول 1842(32)· وظلّ عدد القسس الألمان محدوداً وعلاقتهم بالأسقف جيدة: "أما الأسقف، الكسندر فقد أقام علاقات طيبة مع الألمان في فلسطين من مدنيين ورجال دين· وكان لإلمامه باللغة الألمانية، ووجود العنصر الألماني بين أعضاء بعثته التبشيرية دور كبير في ضمان الوئام والانسجام في صفوف بعثته"(33)· وعبّر الملك البروسي عن اهتمامه البالغ بالوجود الألماني بفلسطين بإرسال أول قنصل بروسي إلى المدينة المقدسة عام 1843، وقام ولي عهده بالحج إلى الديار المقدسة في ذلك العام· واضطلع الكسندر بمهمة استقطاب هذه الجمعيات والتنسيق فيما بينها وصهرها في بوتقة واحدة، هي أسقفية القدس الأنكليكانية·
هـ - الأسقف الكسندر وقناصل بريطانيا:
كانت مجالات عمل الأسقف والقنصل مختلفة· فالأول يمثّل الكنيسة الأنكليكانية، والثاني يرعى مصالح المملكة البريطانية· ولكن في الواقع هناك مسائل حَرِصَ الطرفان على النظر فيها معاً: كبناء كنيسة للأسقف وانضمام اليهود إلى الأنكليكانية، فقد أوقف مراراً العثمانيون مشروع بناء الكنيسة، مما حدا بالأسقف على التوجه إلى القنصل يونغ فلم يجده متعاوناً، فرفع القضية إلى القنصل العام في بيروت الكولونيل روز· فأبحر الكسندر ويصحبه نكلسون إلى بيروت وفي جعبته هدفان، وذلك بعد سنة من تقلده مهام منصبه في القدس: الأول، الحصول على فرمان عثماني لبناء الكنيسة· والثاني، الاعتراف بالبروتستنتية ملّة رسمية، فيتمكن قانونياً من شراء العقارات باسم الملّة وقبول من يرغب بالانضمام إلى كنيسته· فحذّر روز الأسقف من خطورة وصعوبة تحقيق أهدافه· فقد يثير حفيظة الطائفة اليهودية والقنصلية الروسية في القدس، وهي حامية اليهود من أصل روسي، والتي قد تطالب في حالة تنصر هؤلاء اليهود بانضمامهم للكنيسة الأرثوذكسية وليس للأنكليكانية· فإن إثارة مثل هذه المسائل الشائكة على الساحة العثمانية قد يؤدي إلى إلحاق الأذى بالإرسالية الأنكليكانية· لكن الكسندر أصرّ على متابعة القضية أمام البرلمان البريطاني في ربيع عام 1843، وتبنى بالمرستون وبيل مواقف الأسقف· وأخيراً خسر الجولة إذ صدرت تعليمات إلى القنصل في القدس: "كن حذراً من بسط حمايتك على أولئك الأشخاص الذين قد ينضمون إلى رعية الأسقف الكسندر، وعدّهم من التبعية البريطانية"(34) فتبنّى كل من الأسقف والقناصل مواقف سياسية متناقضة، الأول انطلاقاً من رسالته الكنسية ونوايا جمعية لندن اليهودية، والثاني انطلاقاً من سياسة الحكومة البريطاينة التي حرصت في الوقت الراهن على عدم لفت الانتباه إلى الوجود الكنسي الأنكليكاني في الشرق، وإثارة القلاقل مع الدولة العثمانية والقوى العظمى حول نظامي الملّل والامتيازات الأجنبية·
مما لا شك فيه أن الانقسام الذي وقعت فيه السياسة البريطانية في الشرق يبدو جلياً في الأحداث التالية: تقدم اليهودي تارتاكوفير الذي سامه الكسندر قساً، وقيل فيه إنه "أوّل عبراني يُسام قساً في القدس منذ العهد الرسولي"(35) إلى الكولونيل روز يطالبه بمنحه الجنسية البريطانية، فسأله القنصل عن مكان ميلاده، فأجابه: إنه بريطاني بالروح بناء على انتسابه الديني للكنيسة الأنكليكانية· فرفض روز منحه الجنسية لئلا يكوّن المسيحيون المحليّون انطباعاً بأن من ينضم إلى الكنيسة الأنكليكانية يغدو بريطانياً(36)· فاحتج الكسندر على موقف القنصل برفض منح الجنسية لقسّه المكرّس حسب الشعائر الأنكليكانية وعبّرعن موقفه بقوله: "إنّ مَنْ يكرس قساً في الكنيسة الأنكليكانية قد لا يكون مولوداً في بريطانيا العظمى، ولكنه يجب أن يكون من رعايا التاج البريطاني، لأنه في تكريسه يقسم يمين الولاء لجلالة الملكة"(37)· وفي عام 1842، لجأ ثلاثة من اليهود الروس إلى الأسقف طالبين الانضمام إلى كنيسته فرحب بهم· فأمر القنصل الروسي في بيروت نائبه في القدس، وهو حاخام يهودي، بأن يقدّم اليهود إلى المحكمة القنصلية الروسية· فما كان من القنصل يونغ إلاّ أن انصاع إلى طلب القنصل الروسي· فالقضية في نظره سياسية، ولكنها في نظر الكسندر دينية وضميرية، فلم يثمر استنكاره وشجبه لتصرف القنصلين بتغيير موقفيهما·
وتمسكت الحكومة البريطانية بسياستها ولم تستجب لرغبات الأسقف، وظلت الرسامات تشكل انتماءً دينياً للكنيسة الأنكليكانية وليس انتماءً سياسياً للتاج البريطاني، ولكن ما لبث الموقف البريطاني المتشدد أنْ أخذ يلين بالتدريج·
أما بالنسبة لبناء الكنيسة، فسعت الحكومة البريطانية بكل جدية للحصول على فرمان بنائها وتلبية أمنية الأسقف، وقد صارت هيبة التاج البريطاني في الميزان أمام المواطنين في فلسطين· فحصلت بريطانيا على فرمان يتيح ((بناء مكان عبادة))(38) في أيلول 1845، ففسّر الحاكم العثماني في فلسطين عبارة ((مكان عبادة)) بأنه إذن ببناء مكان عبادة تابع للقنصلية، وليس كنيسة رسمية راعوية كالتي باشر الأنكليكان ببنائها منذ أيام نكلسون· فكان على السفير البريطاني في الأستانة أن يقوم بجولة جديدة من المفاوضات وتفسير العبارات وتحليلها، وحصل أخيراً على ترخيص بناء الكنيسة، التي لم يفرح الكسندر بإقامة الصلاة فيها إذ وافته المنية في 22/11/1845 فيكون الكسندر بذلك قد ترأس الأسقفية الأنكليكانية مدة أربع سنوات أرسى خلالها قواعد المؤسسات الأنكليكانية في فلسطين·

horizontal rule


5- مؤسّسات الكنيسة الأنكليكانية الراعوية:
إنّ المؤسّسات الراعوية باختلاف أصنافها وأهدافها هي وجه الكنيسة الظاهر والملموس، فمن خلالها تسعى الكنيسة لتحقيق هدفها الروحي· وقد باشر الكسندر بإنشاء المشاريع الخيرية والتعليمية أسوةً بغيره من الكنائس لتحقيق هدف إنشاء الأسقفية، ألا وهو دعوة اليهود إلى المسيحية· فالإحسان بشكليه الخيري والتعليمي، ركيزة أساسية في سياسة الكنائس الفلسطينية· وأول هذه المؤسّسات هي الرعية التي تكوّنت من نفر قليل من اليهود المهتدين إلى الدين المسيحي، ومن أعضاء الجاليات البروتستنتية المنضمين إلى الأسقفية، على الرغم من اختلاف مذاهبهم· وجمع الأسقف هذا الشتات العرقي واللغوي والديني في بيت لإقامة صلاة الأحد بانتظار بناء كنيسة· وأهم المؤسّسات التي وُجِدَت في الأبرشية لخدمة اليهود كانت بإدارة جمعية لندن اليهودية وهي:
أ - مركز تدريب المرسلين العبرانيين أو الكلية العبرية:
افتتح الأسقف هذا المركز في 19/5/1842، والتحق به أربعة طلاب، وعُيّنَ رئيساً له القس جـورج وليامس يعاونه معلم واحد· وخلف وليامس دوجلاس فيتش. (Douglas Veitch) والمواد التي علّمها المركز لروّاده هي اللغات الإنكليزية والألمانية والعبرية واللاهوت والحساب والموسيقى والترجمة· والغاية من إنشاء المركز أنْ يقوم المهتدون اليهود بنشر المسيحية بين أبناء جنسهم· وتخرج في المركز نفر قليل من القسس والعلمانيين اليهود، وأغلق المركز عام 1846 لشح الموارد المالية(39·(
ب - مدرسة الصناعة:
افتُتِحَت مدرسة الصناعة عام 1843 برئاسة بول هرشون (Paul Harshon) الذي تلقى تعليمه في الكلية العبرية· وقد تعطّلت الدراسة في المدرسة بعد افتتاحها، ثم تابعت دورها التعليمي بتدريب روّادها على مهن النجارة والصناعات اليدوية التقليدية· ثم تحوّلت إلى بيت وملجأ لليهود المهتدين يبحثون فيها عن الحماية والرعاية والمأكل، ويتعلمون مهنة يكسبون بها رزقهم بعدما رفضهم مجتمعهم اليهودي· واشتهرت مدرسة الصناعة بتجليد الكتب ونحت خشب الزيتون وصناعة الهدايا التذكارية التي كانت تُصَدّر إلى بريطانيا· وفي فترة متأخرة قُسمت المدرسة إلى قسمين: القسم الأول هو البيت الذي يلجأ إليه المهتدون، وعُرف ببيت الموعوظين أو الباحثين(40)، ويقدم لروّاده الأكل والمسكن والتعليمات الخاصة لدخول مدرسة الصناعة وهي القسم الثاني· دعمت جمعية لندن اليهودية المدرسة وأشرفت عليها· وتبرعت الآنسة جان كوك (Jane Cook) بعشرة آلاف جنيه استرليني كوديعة بنكية تُقدّم فائدتها للمدرسة، وقدّمت الآنسة نفسها في مناسبة أخرى سبعمائة جنيه استرليني لشراء عقار للمدرسة· فازدهرت مدرسة الصناعة، وتذكر الإحصاءات التي نشرتها جمعية لندن اليهودية بمناسبة يوبيل تأسيسها الخمسين، أن المدرسة استضافت 460 يهودياً تعمد منهم مئتان (41)·
جـ - المركز الطبي:
في عام 1839 وفي مدينة القدس، أسّس المرسلان جيسترمان (Gesterman) وبرجهايم (Bergheim) مركزاً طبياً بسيطاً، تحول فيما بعد إلى عيادة طبية مرموقة برعاية الطبيب ماكجوفان (Macgowan)، الذي جاء برفقة المطران الكسندر إلى فلسطين عام 1842· وفي عام 1844 تحول المركز إلى مستشفى صغير يعالج عامة المواطنين، وخصوصاً اليهود منهم· وفي عام 1845 توفي طفل يهودي بالمستشفى فرفض حاخام اليهود دفنه، إلاّ إذا تعهدت إدارة المستشفى بعدم استقبال المرضى اليهود ثانية، فدفن الطفل في المقبرة الإنكليزية بعدما رفضت الإدارة تقديم مثل هذا التعهد· وفي اليوم التالي 22 كانون الثاني 1845 صدر حرمان يهودي يمنع التعامل مع مستشفى الإرسالية، "وفي غضون أربع وعشرين ساعة غادر المرضى اليهود الثمانية المستشفى واستقال الخدم اليهود العاملون فيه"(42)· وبعدما هدأت العاصفة عاد اليهود للتعامل مع المستشفى· فصدر حرمان ثان في 1 آذار لم يكن له مفعول الحرمان الأول، ويعلق على ذلك الدكتور ماكجوفان "هدف المعارضة مقاطعة المستشفى، وأخيراً سوف تُستنزف هذه المعارضة وتُسفر عن خير البشارة"(43)·
لم يكن النشاط الخيري أو الطبي لهذه المؤسّسات هو سبب المقاومة اليهودية لها، بل لاكتشافهم أنها وسيلة لاطلاع روّادها على التعاليم المسيحية والعمل على تنصيرهم· ويؤكد ذلك الطبيب ايتون (Aiton) الذي زار القدس عام 1845، فوجد أن هذه المؤسّسات المار ذكرها قد زُوّدَت بنسخ عديدة من العهد الجديد وُضِعَت بين أيدي المراجعين، وتلا القُرّاء المختصون عليهم فصولاً من العهد الجديد، بينما هم في قاعات الانتظار(44)· وقد أقامت جمعية لندن اليهودية مستودعاً للكتب المقدسة الغاية منه تزويد المؤسّسات المار ذكرها بنسخ من الكتاب المقدس، باللغات العبرية والعربية واليونانية والإيطالية والفرنسية والإسبانية بأسعار رمزية أو مجاناً، فَحَرمَ ربابنة اليهود روّاد هذا المستودع· وقامت جـمـعية لـندن الـيـهودية بتـوظيف يـهـودي اسـمه يهوذا ليونز (Judah Lyons) ليقرأ النصوص المقدسة لروّاد المستودع، وتبرعت الآنسة جان كوك بصرف راتب له(45)·
د - مشاريع الأسقفية خارج القدس:
لم تقتصر مشاريع الأسقفية على القدس، بل امتدت إلى التجمعات اليهودية الأخرى في فلسطين، فأنشأت الجمعية في يافا مستودعاً لتوزيع الكتب المقدسة، "لموقع يافا على البحر الأبيض المتوسط حيث يحطّ اليهود الآتون من الغرب"(46)· وعهدت جمعية لندن اليهودية إلى يهودي متنصر بمهمة توزيع الكتب المقدسة في العبرية والعربية· وفي الخليل لم تنجح محاولات الأسقف على الرغم من مساندة الجمعية في الاستقرار فيها، فزارها مراراً وألقى العظات على اليهود المقيمين فيها· أمّا صفد فزارها مرسلو البورد الأمريكي وجمعية لندن اليهودية في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، ولاحظ المرسلون أنّ يهود صفد أشد اليهود تعصباً، "وأخبر بعضهم أحد المرسلين أنه إذا نجح في تنصير أحد اليهود فعليه أن يحفر قبراً له، لأنه لن يخرج من صفد حياً،"(47)· ولكن جمعية لندن اليهودية لم تلقِ سلاحها وتابعت اتصالاتها بيهود صفد، فاشترى نكلسون بيتاً في البلدة عام 1843، وعـهد بالمـوقـع الجـديـد إلـى يـهوديين متنصرين من خريجي الكلية العبرية، سترنكوس (P. H. Sternchuss) وبـيهـرنـس(A. J. Behrens) · في نهاية عام 1844، انتقل سترنكوس إلى بغداد، وخلفه الدكتور كييل (Kiel)، وقد قَبِلَ سر المعمودية عام 1843· ولاقى ترحيباً من يهود صفد لِما يقدمه من خدمات طبية جليلة، "فصلّى كثير من اليهود ليطيل الله في عمر الجمعية ويحفظها"(48)· وفي تشرين الثاني وكانون الأول 1844 عالج الطبيب 69 يهودياً، ولكن المعارضة لم تهمله بل تابعت خلق المضايقات له· فغادر كييل صفد إلى يافا، إذْ إن الحاكم العثماني لم يضمن سلامته· وتناوب على خدمة صفد كثيرون بعد كييل، ظلوا جميعاً تحت رحمة المعارضة اليهودية التي اضطهدت اليهود المتعاملين مع الإرسالية· وفي عام 1846، عيّنت الجمعية المرسل اليهودي كوهين (J. Cohen) في صفد، فنجح في توزيع عدد كبير من الكتب المقدسة: "يكاد لا يخلو بيت يهودي في صفد أو جوارها من نسخة من العهد الجديد، قد تجدها مخبأة في خزانة أو تحت الوسادة لأن من وجدت النسخة في حوزته قد يُعاقَب"(49)·
أما عدد اليهود المتنصرين فقد بقي ضئيلاً، مقارنة بالجهود التي بذلها الأسقف ومرسلو جمعية لندن اليهودية، الذين تميزوا بجرأة نادرة اخترقت مناعة التعصب اليهودي· ولكن الاختراق الجريء والتعصب المنيع خلقا ردّ فعل ليس في فلسطين وحسب بل في بريطانيا، إذْ رفض اليهود البريطانيون تحرش المرسلين بأبناء مِلّتهم وتنصيرهم بفلسطين· ولم تكتفِ قيادات اليهود في بريطانيا بالرفض والاستنكار، بل باشرت في العمل والرد على المبشرين بسلاحهم، أي استخدام مؤسّسات خيرية وتعليمية موازية للمؤسسات البروتستنتية،تمنع اختراق التعصب اليهودي وتثبت اليهودي في يهوديته·

horizontal rule


-6 المشاريع اليهودية الموازية لمشاريع الأسقفية وجمعية لندن اليهودية:
كان هدف جمعية لندن اليهودية تنصير اليهود وإنشاء مطرانية القدس التي تبنتها هذه الجمعية، والدليل على ذلك كتاب )) The Jerusalem Bishopric)) لمؤلفه وليم هشلر، والصادر في لندن عام 1883 الذي يؤكد هذه الحقيقة· فقد زُيّنَتْ الصفحة الأولى من الكتاب بشعار الأسقف الكسندر وعليه كتابة عبرية تقول: >السلام ··· السلام لأورشليم<، ويربط الكاتب ويقارن بين آخر أساقفة الختان في القدس وهو يهوذا عام 133م وبين انتخاب الأسقف الكسندر، أحد أبناء إبراهيم وعبراني من العبرانيين، بعد أنْ ظل كرسي القدس الأسقفي شاغراً من الأساقفة اليهود طوال 1700 عام(50)·
قاوم زعماء اليهود في الغرب سياسة الأسقفية المعلنة، وشجّعوا الاستيطان اليهودي - اليهودي تجاه الاستيطان اليهودي - المسيحي· وتمّت هذه المقاومة بإنشاء مؤسّسات موازية للمؤسّسات البروتستنتية تحمي اليهود الفلسطينيين من الاغراءات السخية التي تقدمها الأسقفية، فافتتح المستشفى اليهودي في القدس عام 1844 برأسمال قدره 4000 جنيه استرليني قدمته عائلة روتشيلد الغنية(51)· أما موسى مونتيفيوري أحد زعماء اليهود البارزين في بريطانيا، فكان يعمل كي يحتفظ اليهود بعقيدتهم اليهودية وحمايتهم من الدعاية البروتستنتية، ومونتيفيوري لا يقلُ نفوذاً لدى الدوائر البريطانية من اللورد اشلي نصير هداية اليهود وتنصيرهم: "فبعد زيارة الى فلسطين قبل حل المسألة المصرية، ضغط (مونتيفيوري) على الحكومة البريطانية ليس لأجل حماية ما يقرب من سبعة آلاف يهودي في فلسطين، بل لتدعم الحكومة البريطانية هجرة يهود أوروبا وشرائهم للأراضي في فلسطين والاستيطان عليها"(52)· فقد أدركت القيادات اليهودية العامل الاقتصادي الذي حاولت الجمعيات البروتستنتية توظيفه في سبيل تنصير اليهود: " إنّ الاعتقاد القائل بأن تنصّر اليهود إلى البروتستنتية لم يكن بدوافع دينية بل كان بفعل عوامل اقتصادية مادية، لا يمكن استبعاده كلياً، خاصة إذا علمنا أن معظم يهود فلسطين كانوا يعيشون في فقر شديد· ولقد حاولت الزعامات اليهودية الأوروبية المتنفذة، التي كانت تعارض تنصير أبناء جنسها أمثال مونتيفيوري وروتشيلد وكريميو، إصلاح الأحوال المعيشية لهؤلاء اليهود عن طريق إنشاء مؤسسات خيرية ومدارس لهم، وتعليم أبنائهم الصناعات المهنية، لكي تكوّن لهم أساساً اقتصادياً تجعلهم يقاومون محاولات إغرائهم وتنصيرهم· لكن تقدماً ملحوظاً في هذا المجال لم يحدث مع ذلك قبل السبعينات من القرن الماضي، أي قبل تأسيس الاليانس الإسرائيلي"(53)· وفي الواقع لقد قام موسى مونتيفيوري بسبع زيارات لفلسطين بين عامي 1827 - 1875 لهذه الغاية·
أما اللورد بالمرستون، "فنظر إلى هجرة اليهود إلى فلسطين من زاوية المصالح الاقتصادية والسياسية البريطانية، وكان يرى أن استيطان اليهود الأوروبيين في فلسطين برأسمالهم وخبراتهم سوف يؤدي إلى ازدهار اقتصادي بالمنطقة، مما يساهم في استقرار الإمبراطورية العثمانية، وتكون نتائجه تدعيم النفوذ البريطاني في منطقة الشرق حيث تقوى التجارة وتزدهر· ولأجل ذلك، أي تدعيم المصالح الإمبريالية في المنطقة عن طريق دعم المشاريع الاستيطانية اليهودية، جاء تأسيس القنصلية الإنكليزية في القدس، أول قنصلية أوروبية هناك، وذلك بعد إلحاح طويل من جمعية يهود لندن"(54)· ويخلص عبد الرؤوف سنو بنتيجة ارتباط وجود المطرانية بالتغلغل اليهودي بفلسطين، إذْ إن هدف المطرانية لم يتحقق بتنصير اليهود، فعدد المهتدين اليهود زمن الأسقف الكسندر لم يتجاوز الأربعين، وفي عصر خليفته صموئيل غوبات تحوّل عمل الإرسالية نحو المسيحيين العرب المحليين، وأخيراً أُسْقِطَ نهائياً من حساب الأسقفية تبشير اليهود، ولكن رد الفعل اليهودي لم يسقط تجاه الاستيطان: "أما بالنسبة لحركة الاستيطان اليهودي في فلسطين، فقد فتح مشروع المطرانية أعين رجالات اليهودية فيما بعد على أهمية الحصول على دعم أوروبي لمشاريعها الاستيطانية في فلسطين واستغلال التناقضات الإمبريالية الأوروبية في سبيل ذلك، مما سيؤدي فيما بعد إلى نشوء الحركة الصهيونية"(55)· ويلتقي طيباوي وسنو حول هذه النتيجة(56)· فقد أخفقت أسقفية القدس والجمعيات التي تعاونت معها في تنصير اليهود، ولكنها نجحت في تكوين ((أجسام مضادة)) في الأمة اليهودية، ضاعفت قوتها ومناعتها· وعلى كل حال يجب عدم المغالاة في دور الأسقفية في هجرة اليهود إلى فلسطين ونشوء الصهيونية، إذ إن هناك أسباباً أخرى عديدة معقدة ليست موضوع هذا البحث، من ناحية اخرى لم يكن اليهود يوماً ما عبر تاريخهم بحاجة لأحد ليذكرهم بفلسطين!

horizontal rule


خاتمـة
لعلّ المسؤولية التي عهدت بها الدوائر السياسية والدينية في بريطانيا وبروسيا لالكسندر كانت فوق طاقته، فسقط تحت عبئها وهو في أوج عطائه ليواجه الموت في صحراء مصر، بعيداً عن بيته وأسقفيته التي بذل حياته من أجلها· فقد كتبت إحدى اللواتي حضرن وفاته: "قيل في تلك المناسبة (أي وفاته) لو لم يأتِ سيادته إلى الشرق، لعاش عمراً مديداً، فإن التاج الأسقفي الذي حمله في القدس يشبه الإكليل الذي ضُفِرَ على رأس السيد المسيح، وكان ذلك الإكليل تاجاً من شوك"(57)·
ففي السابع من تشرين الثاني 1845 شرع الأسقف في جولة تفقدية لأبرشيته ووصل به المطاف إلى مصر، حيث عزم على ركوب البحر من الإسكندرية إلى إنكلترا، واصطحب معه في هذه الجولة ابنته وزوجه· وتصف الأخيرة سير القافلة في صحراء مصر: "في سيرنا في الصحراء، كنا نمتطي الجياد في الصباح، وأسير أنا وزوجي الحبيب في المقدمة نتغنى بالترانيم العبرية ··· ويتأثر زوجي وينفطر قلبه ألماً يأخذ بالحديث عن عودة إسرائيل القريبة وخلاصها"(58)· وحالت يد المنون دون تحقيق حُلم الأسقف، فعلى مسيرة يوم عن القاهرة في الصحراء، وافته المنية دون سابق إنذار أو مرض في ليلة 22 - 23 تشرين الثاني· وصُلي على رفاته في القاهرة، ثم نُقِلَ إلى القدس في 6 كانون الأول فوصلها في العشرين منه، ودفن في المقبرة الإنكليزية· ووجّه واحد وثلاثون من اليهود المتنصرين كتاب تعزية إلى أرملته، هم حصيلة عمله وجهاده بين اليهود· ومرسلو الكتاب لا يمثلون الرعية الأنكليكانية التي أنشأها الكسندر بين اليهود، بل هم الرعية بكاملها· إذْ يؤكد حجار أن حصيلة أسقفية ميشيل الكسندر كانت منح سبعة وثلاثين شخصاً سر المعمودية وستة وعشرين سر التثبيت، ورَسَمَ تسعة شمامسة وكرّس خمسة قساوسة منهم أربعة يهود(59)·

 

الفهرست

غلاف الكتاب